صورة علم
من مجهول
منذ سنة 13 إجابات
6 0 0 6

ثمار متنوعة للشجرة ذاتها

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. كل عام وأنتم جميعاً بألف خير.. أنا فتاة في الثانية والعشرين من عمري، أشبه معظم فتيات الوطن العربي في أحلامي وتطلعاتي. أتابع هذا الموقع الجميل منذ فترة، وقد حفزتني التجارب الناجحة للناس هنا كي أشارككم قصتي البسيطة.. منذ ثلاث سنوات حصلت على شهادة الثانوية العامة بمعدل ممتاز. كانت سنة صعبة من الدراسة والضغط، وكنت أنتظر بفارغ الصبر أن تنتهي وأنال الشهادة كي أدخل كلية الأدب العربي الذي أحب، وأتبحر في دراسة الشعر القديم والنحو والصرف والعروض، فهذا هو المجال الذي لطالما كنت شغوفةً به.. عندما صدرت نتائج الامتحان، كان معدلي يؤهلني لدخول كلية الطب.. فرح أهلي وأقربائي بهذا الإنجاز العظيم، وجاء المباركون إلى منزلنا من كل حدب وصوب، وكلهم ينادونني باسمي مسبوقاً بلقب "دكتورة". هذا السلوك يبدو لكم مفرحاً أليس كذلك؟ لكنني على العكس، كنت أشعر بالضيق الشديد لأنني لم أكن أجرؤ على مصارحة الجميع بأني أرغب في دراسة الأدب العربي. كانوا بلا شك سينعتونني بالمراهقة المجنونة. وهل يرفض أحدٌ دخول كلية الطب سوى المجنون؟؟ مع مرور الوقت بدأ الضيق يسيطر علي في كل وقت، وصرت أشعر أن ثمة كراهية مسبقة لكلية الطب تتعاظم في داخلي، وكأن وجودها كاحتمال ممكن هو السبب في أني لن أدرس الأدب العربي.. عندما حان موعد تسجيل الرغبات في الجامعة صارحت أهلي برغبتي، وقلت لهم أني كنت أحلم بدراسة هذا الفرع منذ زمن.. غضب مني أبواي ونعتوني بالمراهقة التي لا تعرف مصلحتها كما كنت أتوقع، وساد منزلنا جوٌ من التوتر، بدل جو السعادة الذي كان مسيطراً.. أحسست بأني مذنبة لأني سأخيب ظن أهلي بي، وحزنت لذلك كثيراً فأصبح حزني مضاعفاً، حزنٌ سببه الشعور بالذنب، وحزنٌ آخر لأني لن أستطيع تحقيق رغبتي التي انتظرت تحقيقها طويلاً. قبل يوم واحد من موعد تسجيل الرغبات جاءت أمي إلى غرفتي وقالت لي أنها هي وأبي سيكونان فخورين بي كثيراً عندما أصبح طبيبة، وأن هذا الفرع هو حلم مئات الشباب وأن علي ألا أضيعه من يدي. نمت يومها والضيق يعتمل في صدري واستيقظت في اليوم التالي وقصدت الجامعة وسجلت في أعلى قائمة الرغبات: كلية الطب البشري.. قُبلت في الجامعة وبدأت الدوام، كل من حولي كانوا فرحين، أما أنا فكنت أذهب إلى الجامعة رغماً عني؛ أقضي فيها أقصر وقت ممكن؛ لا أكلم أحداً، ومن ثم أعود إلى المنزل لأجلس وحيدةً في غرفتي أقرأ الشعر والأدب.. بقيت على هذه الحال طوال الفصل الدراسي الأول، إلى أن جاء اليوم الذي أعتبره الآن نفطة تحول في حياتي.. كنت أقلب صفحات الفيس بوك بضجر، وإذ بي أجد قصيدة جميلة جداً موقعة باسم الشاعر "عبد السلام العجيلي". حينها لم أكن قد سمعت به بعد، لكنني أحببت قصيدته كثيراً وصار لدي فضول كبير كي أعرف أكثر عنه وعن حياته.. ببحث بسيط على الإنترنت عرفت أنه كان طبيباً، وإلى جانب ذلك كان أديباً وشاعراً مرموقاً وذو أثرٍ ملحوظٍ على الساحة الثقافية العربية.. هذه النتيجة حثتني أن اتبحر في البحث أكثر.. كانت نتائج البحث مفائلة ومحفزة كثيراً بالنسبة لي؛ فقد اكتشفت أن الكثير من الشعراء والأدباء قد درسوا اختصاصات أخرى غير الشعر والأدب. معظم الشعراء القدماء الذين أحبهم هم في نفس الوقت علماءٌ في الطب أو الفيزياء أو الفلك أو الموسيقا.. كان هذا الاكتشاف كأنه قارب النجاة الذي انتشلني من الغرق في بحر الإحباط والكآبة. شعرت أن الإنسان لا يجب أن يكون محدوداً ومقيداً باختصاص معين أو بخيارٍ معين، إذ إن قدراته تفوق ذلك بكثير. ما على المرء إلا أن يؤمن بذاته وأن يكون إيجابياً ومنفتحاً على الحياة وخياراتها. منذ ذلك اليوم بدأت أداوم على جامعتي بعزيمة أكبر ورغبة أكبر في المعرفة، وتصالحت مع فكرة وجودي فيها، ووجدت المبررات لوالدي وتفهمت رغبتهم في أن أدرس هذا الاختصاص وخوفهم علي، وبنفس الوقت وضعت جدولاً نظمت فيه قراءاتي ووضعت لنفسي عدداً معيناً من الكتب والمقالات التي يجب أن أقرأها كل شهر.. القليل من تنظيم الوقت كان كافياً كي أوفق بين دراستي وهوايتي.. أكتب إليكم الآن وانا في السنة الثالثة من كلية الطب.. درجاتي جيدة وبدأت أحب دراستي وأتعلق بها.. وفي نفس الوقت لم أترك شغفي ليموت تحت تأثير الإهمال.. في السنة الماضية سجلت فرع الأدب العربي في جامعة افتراضية عبر الإنترنت ونجحت في السنة الأولى.. ما أريد قوله لكم من هذه القصة، أن الإنسان كائن حباه الله بالعقل والإرادة الحرة وميزه بذلك عن باقي مخلوقاته. لذا فمن واجبه أن يستغل طاقاته أحسن استغلال، وأن يفعل كل ما يستطيع فعله كي يجعل حياته أجمل، وألا يقتل أحلامه بيديه بحجة الظروف، ويتخاذل فيما لو اعترضته المصاعب والعقبات. كل شيء ممكن بالمثابرة والإصرار والإيجابية وما علينا إلا أن نؤمن بالله عز وجل وبأنفسنا. شكراً لكم ولقراءتكم قصتي حتى النهاية..