الفساد الإداري وتأثيره على بيئة العمل والإنتاجية

أنماط وأنواع الفساد الإداري وإساءة استعمال السلطة الوظيفية، أسباب تفشي الفساد ونتائج الفساد الإداري على المؤسسات وتأثيره على اقتصاد الدول، طرق علاج ومكافحة الفساد الإداري

الفساد الإداري وتأثيره على بيئة العمل والإنتاجية

الفساد الإداري وتأثيره على بيئة العمل والإنتاجية

تلعب الإدارة دوراً بالغ الأهمية في عصرنا الحالي والمجتمعات الحديثة إذ تُعتبر من الأساسيات للتقدم الاجتماعي وزيادة الإنتاجية وتحسين الأوضاع الاقتصادية وتحقيق الرفاه للمجتمعات، ببساطة يمكن أن نقول أنّ الإدارة الجيدة ضرورة ضمن المصانع والأعمال وضمن المجتمعات والدول على حدٍ سواء. لكن هذا الأساس الذي تُبنى عليه قواعد النجاح يمتلك بعض الأعداء وقد يكون أبرزهم ما يُعرف بالفساد الإداري.
يتمثل الفساد الإداري باستغلال السلطة والموارد الموجودة ضمن المؤسسات العامة أو الخاصة حتى ويمكن أن يظهر لدى الموظفين البسطاء أو مرؤوسيهم أو حتى زبائن المؤسسات والوسطاء، قد يتجلى الفساد الإداري بأشكال مختلفة ولكنّ الأمر المشترك بين كافة تلك الأشكال أنّها جميعاً تتسبب بالضرر للمؤسسة وبيئة العمل ككل.

animate

عند الحديث عن أنماط الفساد الإداري يجب أن نُدرك أنّ هذا المفهوم واسعٌ بعض الشيء وهذا يعني أنّ أشكال الفساد الإداري متعددة فيمكن أن تكون ظاهرةً للعيان وقد تكون مخفيةً بحرص من قبل الفاسدين، لكن ومهما كان الشكل الذي يأخذه الفساد الإداري فهو يحمل بعض الضرر سواء كان الضرر موجهاً نحو المؤسسة أو العمل أو كلاهما. عموماً يمكننا القول أنّ الفساد الإداري يُصنّف ضمن 4 مجالاتٍ أساسية وهي: [1،2]

  1. الفساد في المجال التنظيمي: الفساد الإداري في المجال التنظيمي يتضمن بشكل أساسي مخالفة الموظفين في المؤسسات للقوانين الموضوعة لتنظيم العمل، ويتضمن الفساد في هذا المجال عدم إظهار الاحترام لمواعيد العمل فيمكن للموظف أن يصل متأخراً أو يُغادر قبل موعد انتهاء العمل أو العمل دون اهتمام بمقدار الإنتاجية وهدر الوقت في أعمالٍ جانبية غير مهمة. يتضمن ذلك أيضاً ألا يقوم الموظفون بالعمل المطلوب منهم أو ألا يقوموا به على أكمل وجه وعدم تنفيذ طلبات المدراء والرؤساء.
  2. في السلوك الوظيفي: المجال السلوكي هو من أنواع الفساد الإداري التي تتعلق بإبداء سلوكيات غير مقبولة ضمن بيئة العمل سواء كان ذلك عبر القيام بأعمال خادشة للحياء ضمن العمل أو التعامل غير المهني مع العملاء والمراجعين. ومن أمثلة ذلك لدينا:
    • المحسوبيات: المحسوبية كتعريف هي إساءة استخدام السلطة من أجل تقديم فائدة أو خدمة لأحد المعارف أو أفراد العائلة مع تجاهل جدارة هؤلاء الأشخاص ومؤهلاتهم. يعتبر تفضيل الأقرباء والمعارف في الحصول على فرص عمل معينة من أبرز الأشكال الشائعة للمحسوبية.
    • الوساطة: تحدث الوساطة عندما يستخدم الموظفون علاقاتهم الشخصية من أجل تسيير بعض الأمور على حساب العملاء وتوفير خدمات لأشخاص محددين بسرعة أكبر.
  3. الفساد المالي: تتضمن بعض الوظائف الحصول على صلاحيات بالتحكم في موارد الشركات المالية ولذلك فالفساد الإداري في المجال المالي ينطوي على التصرف بشكل غير أمين مع أموال الشركة أو العملاء، تختلف أشكال الفساد الإداري مالياً فقد نجد بعض الفاسدين يحصلون على المال بغير وجه حق من خلال فرض الإتاوات على أشخاصٍ محددين أو الاستفادة من الموارد البشرية للشركة من أجل تحقيق المنفعة الشخصية كأن يطلب من العمال إنجاز أعمال شخصيةٍ له.
    يمكن أن يتجلى الفساد في المجال المالي أيضاً في هدر أموال المؤسسة أو الشركة على أغراض غير ضرورية أو صرف قيم أكبر من اللازم على بعض الأغراض سواء المادية (كالأثاث والحواسيب للشركة مثلاً) أو غير المادية كالحفلات والإعلانات.
  4. المجال الجنائي: يُعتبر هذا من أنواع الفساد الإداري الذي تُعاقب عليه القوانين باعتباره جناية، ويوجد العديد من الصور لهذا النوع من الفساد الإداري ومنها.
    • الرشوة: تعني الرشوة عرض أو قبول أي هدية أو قرض أو مبلغ مالي أو مكافأة أو ميزة بهدف تحصيل مكسب شخصي، وتعتبر الرشوة تشجيعاً على قعل شيءٍ غير أمين أو قانوني.
    • الاختلاس: وهو شكلٌ من أشكال السرقة حيث يشير الاختلاس إلى السرقة من الشركة أو صاحب العمل أو إساءة استخدام الأموال المودعة في عهدة الفرد.
    • التزوير: وهو فعلٌ يتضمن صنع أو تغيير أو حيازة مستندات مزيفة بهدف ارتكاب عملية احتيال، هناك أشكالٌ مختلفة من التزوير مثل تقليد توقيع شخصٍ ما على شيك بنكي أو تزوير شهادات أكاديمية.
  • رغم أنّ الأمر يختلف بين دولةٍ وأخرى إلا أنّ معظم الدول التي ينتشر فيها الفساد تمتلك غالباً عدداً من العناصر المشتركة مثل انخفاض مستوى الدخل ووجود اقتصادٍ مغلق وانخفاض مستويات التعليم، ولكنّ أسباب الفساد الإداري لا تقتصر على هذه العوامل فحسب. يمكننا القول أنّ من عوامل ظهور الفساد الإداري: [1،3]
  • انتشار سوء الأخلاق: عندما لا تحرص المجتمعات على تربية الأجيال بشكلٍ جيد تنتشر في المجتمعات بعض السلوكيات غير الأخلاقية مثل انتشار الرشوة مثلاً وعدم تحمل المسؤولية.
  • عدم كفاية الدخل: في بعض الأحيان وعندما تكون الدخل غير متناسبٍ مع المصاريف الضرورية يجد الموظفون أنفسهم أمام خيارين هما الانغماس في الفساد أو عدم القدرة على الحصول على ما يكفي من الدخل، هذا الأمر يجعل الكثيرين يتجهون للخيار الأول لتعويض الهوة بين الدخل والمصروف.
  • الوضع السياسي غير المستقر: رغم وجود حالات الفساد الإداري في كافة الأنظمة السياسية إلا أنّ الفساد الإداري ينتشر بشكلٍ خاص في الأنظمة التي تميل للابتعاد عن الديموقراطية، كما أن عدم توفر حالة من الاستقرار السياسي في البلاد تجعل البلاد مكاناً خصباً لانتشار الفساد الإداري.
  • الصياغة السيئة للقوانين: قد يحدث في بعض الأحيان أن يكون غموض القوانين أو وجود قوانين متعارضة مع بعضها البعض من أسباب انتشار الفساد الإداري حيث أنّ ذلك يمنح الموظف فرصةً للتهرب من تنفيذ القانون أو قد يجعله يُفسره ويطبقه بشكلٍ يتعارض مع مصالح العملاء.

أمثلة الفساد الإداري

الأمثلة على الفساد الإداري كثيرة ففي تونس مثلاً لم يوجد أي فرعٍ لشركة ماكدونالذز لأنّ الحكومة منحت امتيازها إلى شركةٍ ذات علاقاتٍ وطيدةٍ بالنظام الحاكم السابق والتي قامت بدورها بمنع سلسلة الوجبات السريعة الشهيرة من العمل في البلاد، وقد حصل هذا لأنّ الرئيس حينها كان قد سنّ مجموعةً من القوانين التي تجبر الشركات الراغبة في الاستثمار على الحصول على إذنٍ من الحكومة وبالنتيجة تمّ احتكار الكثير من الصناعات من قبل شركاتٍ مرتبطة بأصحاب السلطة.
أحد الأمثلة الأخرى هي ملف النفايات في لبنان عام 2015 حيث امتلأت شوارع البلاد بالنفايات بعد أن اضطرت الشركة التي كانت تتخلص من النفايات في البلاد لإغلاق مكبٍ سبق أن استعملته لمدة تتجاوز المدة المقررة لاستخدامه بـ12 عاماً. وقد كانت هذه الشركة تحتكر المجال منذ التسعينات بسبب انتشار المحسوبية والرشاوي في البلاد. [4]

يمكن للفساد الإداري في المؤسسات أن يؤثر على كلٍ شيءٍ من التراخيص للعقود إلى الدعاوى القضائية وغيرها الكثير في مجالاتٍ مختلفة منها المالي، فانتشار الفساد قد يعني أنّ الأسعار والتكاليف الحقيقة للمؤسسات مخفية وأنّ التعاون يحصل بناءً على المنفعة الشخصية بدلاً عن الجودة، ومع انتشار الفساد سينتشر الغش ولن يكون من الممكن أن نتأكد من أنّ المحاكمات التي تحصل عادلةٌ حتى. من الآثار التي تنتج عن الفساد الإداري: [5]

  • ارتفاع الأسعار مقابل انخفاض الجودة: بما أنّ الفساد الإداري يؤثر على طريقة إبرام العقود والصفقات وانتشار الاحتكار من قبل الأشخاص القادرين على استخدام علاقاتهم وتقديم الرشاوي للمسؤولين من أجل التلاعب بالأسواق.
  • عدم استثمار الموارد بشكل فعال: عادةً ما تختار الشركات مورديها عبر إجراء المناقصات حيث تُستخدم هذه الطريقة من أجل إيجاد أفضل العروض من حيث السعر والجودة، ولكنّ انتشار الفساد الإداري يمكن أن يجعل هذه المناقصات ترسو على موردين يقدّمون أسعاراً أعلى أو بضائع ذات جودةٍ أدنى وبالتالي سيحصل هدرٌ في أموال المؤسسة (وأموال الدولة إن حدث هذا في المؤسسات العامة).
  • توزع الثروات بشكلٍ غير متساوٍ: أكثر ما يُميز الاقتصاد في الدول التي ينتشر فيها الفساد هو تضاؤل حجم الطبقة المتوسطة في المجتمع وتزايد الهوة بين الطبقة العليا والطبقة الفقيرة، يعود ذلك بشكل أساسي إلى تركز الأموال في أيدي رجال الأعمال والمسؤولين الفاسدين الذين يتعاملون معهم. من الشائع أيضاً ألا تنتشر الشركات الصغيرة لأنّ الفساد سيجعل هذه الشركات تُواجه منافسةً غير عادلةٍ إطلاقاً وتُعرّضهم لضغوطٍ من قبل الشركات المحتكرة.
  • انخفاض الاستثمار الأجنبي في البلاد: يُعتبر الفساد من أهم العوامل لنفور المستثمرين من بلدٍ ما لأنّ المستثمرين يعلمون أنّ الاستثمار في البلدان ذات معدلات الفساد الإداري المرتفعة يعني تعريض أموالهم للخطر وأنّ استثماراتهم ستواجه منافسةً غير شريفة وغير عادلة.
  • انخفاض مستويات التعليم والصحة: بينت العديد من الدراسات وجود ارتباطٍ بين الفساد وتدني مستويات التعليم والصحة، فالفساد يزيد من تكاليف التعليم والصحة بسبب إنفاق أموالٍ مخصصة له على الرشاوي مثلاً.

تختلف أضرار الفساد الإداري على العمل والإنتاجية بشكل ملحوظ بناءً على طبية الفساد المنتشر في المؤسسات ونوعه، حيث يمتلك كل شكلٍ من أشكال الفساد تأثيره الخاص على العمل. ففي الشركات التي تنتشر فيها المحسوبيات تكون الروح المعنوية للموظفين منخفضة بشدة وخاصة بين الموظفين غير المرتبطين بأصحاب الشركة أو المناصب العليا وبالتالي لن يعمل أغلب الموظفون على العمل بجد لأنّ الترقيات والمناصب ستذهب لموظفين محددين بناءً على العلاقات الشخصية.
الرشوة هي الأخرى تحمل تأثيراً سلبياً على الموظفين؛ فالموظفون الذين يعملون في شركاتٍ تنتشر فيها الرشاوي تنخفض إنتاجية العمل ويصبح من غير المحتمل أن يبذل الموظف قصارى جهده، هذا بالتالي سوف ينعكس على كمية المبيعات وجودة الإنتاج ويؤثر على مردود الشركة بالضرورة. [6،7]

رغم عدم وجود حل سحري يمكننا من مكافحة الفساد الإداري إلا أنّ هناك بعض الخطوات التي يمكن تُساعد في مكافحة الفساد الإداري منها: [8]

  • تطبيق القانون على الجميع: إنّ الفساد غير قانوني أساساً ولكن تطبيق القانون بشكل متساوي على الجميع سوف يجعل الجميع يفكر ملياً قبل السير في أحد طرق الفساد.
  • تطبيق الشفافية المالية: عند كشف المعلومات المالية الحقيقة سوف يصعب اختلاس الأموال وسرقتها.
  • تفعيل الرقابة المجتمعية: في كثيرٍ من الأحيان يمكن أن تُساعد رقابة المواطنين على المؤسسات على مكافحة الفساد وكشف الفاسدين
  • تحسين الوضع المادي للموظفين: في الحالات التي يكون فيها دخل الموظف غير متناسب مع المصروف بحيث تنعدم الحاجة لاتباع طرق ملتوية لتأمين الفارق
  • تحسين النظام الصحي ودعم التعليم: يتزامن توفر التعليم والنظام الصحي الجيد مع انخفاض مستويات الفساد

يؤدي انتشار الفساد إلى خلق أجواء سامة بين الموظفين في العمل ويتسبب بضررٍ كبير للشركة والدولة، ولهذا من الضروري العمل من أجل منع ومكافحة الفساد وتطبيق كافة الوسائل لفعل ذلك.

المصادر و المراجعadd