صورة علم Jordan
من مجهول
منذ 6 شهور 43 إجابات
0 0 0 3

صديقتي التي بها اعتز صبرت وآمنت وتحملت والله تعالى كان شاهداً مستجيباً رحيماً بها

خلصت الحكاية... منذ سنوات طويلة وذات غربة لي تعرفت على شابة مُفعمة بالحياة، كانت تملئ الدنيا فرح وضحك ببساطتها وكثرة مزاحها وترحيبها وتهليلها لمن يقدم خطوة في بيتها او حتى في حياتها. كانت تلك السيدة التي اصبحت لاحقاً من اعز الصديقات متزوجة آنذاك من رجل ولم تنجب أطفال . ورغم تقاربنا لم اسمح لنفسي يوماً بسؤالها عن سبب عدم الإنجاب الى يوم كنت اعمل فيه بمجموعة مستشفيات ذائعة الصيت، فهاتفتها :" اسمعي بلا لف ودوران في طبيب سوداني مشهور جدا، تأت اليه النساء من كافة المناطق، جدول مواعيده مزدحم لكني استطعت ان آخذ لك موعد عنده" قالت بضحك :" انتظرت طويلا ماذا ستقولين وستفعلين،هيا انا توكلت على الله وراح اجري عملية حقن وأطفال انابيب" وهكذا كان انجبت صديقتي تؤام بنت وولد، وعمت الفرحة الدنيا، وفي يوم كانت بالمطبخ تعمل لي قهوة وكان الطفلان آنذاك لربما عمرهما ستة اشهر،يجلسان امامي كل بكرسيه ريثما تصنع أمهما القهوة. انادي على الولد اناغي له فينظر الي ويضحك وأنادي على البنت فلا تنظر الي. اخفضت صوت التلفاز واقتربت لها بيدي لعبة تصدر أصوات موسيقية فلا تنظر الي. جاءت صديقتي فقلت لها وجربنا بالفعل ولم تتواصل بصريا معنا. ذهبت صديقتي لطبيب أطفال الذي حولها لطبيب اخر ليكشف ان الطفلة مصابه بالتوحد. كانت صدمة في ذلك الوقت الذي لم نعرف فيه كيف ممكن ان نتعامل مع مريض التوحد، ثابرت صديقتي على القراءة والعلم والبحث، كبر التؤمان فمشى الصبي ولم تمشي البنت، ثم مشت متأخرة تدور تمسك بيدها مكعب العاب ولا تندمج مع الأطفال ولا تلعب معهم تعيش وحدها بعالم تاركة أمها التي قست على نفسها وقصت روحها في عالم آخر. صديقتي هذه لها إرادة حديدية وعزيمة ومثابرة لم تستطع ان تستسلم للحظة ان طفلتها لا تندمج مع بقية الأطفال. ثابرت واجتهدت بالبحث حتى علمت عن احدى الطبيبات في سوريا تعالج التوحد من خلال الغذاء، تواصلت معها ثم ثابرت بالطبخ الخاص لابنتها ونقع ساقيها بأعشاب خاصة وغيره. لم يمهل القدر صديقتي طويلا حتى اصيبت أمها بالسرطان ثم والداها بذات المرض، توفت أمها اولا فكانت مصيبة وحلت على صديقتي بدأت تبتعد عن الناس وتنطوي على ذاتها ممتلئة بحزن فقدها لامها ومصاب ابنتها. تسارع الموت بخطوات واسعة ليقترب من والداها وكانت شديدة التعلق به ، قررت ان تذهب الى غزة لتزوره فتركت الصبي والبنت في كنف زوجها وذهبت لوالدها ترعاه وهي وحيدته من الإناث، كانت متماسكة مؤمنة ان الله سيشفيه انشغلت بالمتابعة الطبية لحالته وهو رحمه الله كان طبيباً وكان يعرف انه بمراحل متاخرة من مرضه، وصلت لغزة وبعدها بأسبوع اغلقت المنافذ والجسور في غزة وبدأت الحرب على غزة. بعدها اتصلت بزوجها لتسأل عن أحواله وأحوال اولادها، فلم يجب .. حاولت مرارا وتكرارا لم يجب،تواصلت مع اخوانها فذهبوا لبيتها يستعلمون عن أمره فلم يجدوا له وللأولاد اثر. انشغلت بقية الوقت مع والداها ثم توفي رحمه الله، اتصلت بزوجها فأجابها انه طلقها وعمل لها خروج نهائي من غربتها ومن حياته. كانت تعتقد آنذاك انه يمزح ثم علمت بزواجه وإشاعته بين الناس انها فقدت صوابها وجنت من توحد ابنتها ووفاة أمها وذهبت للعلاج عند اَهلها في غزة. اصبحت الناس ومجتمع أصدقاءها يصدقون انها جُنت، وسافرت انا ولم اعد عندي وسيلة للتواصل معها. سمعت الخبر فتواصلت مع زوجها اسئله عن حالها قبل ان اعلم انه طلقها، فلم يجبني انا الاخرى. وبعد ... مر عام وعام واذا بهاتف يأتيني من رقم في فلسطين، اجبت وكانت هي... وصلني صوتها باستغاثة ملهوف وقالت :" هيا بنتي بعمان بيحكولي انهابمركز توحد وزوجي طلقني وانا محجوزة في غزة، بابا وماما ماتوا" سألتها سؤال واحد:" افقدت صوابك؟" قالت وهي تبكي بحرقة:" لا هيا ما بقي لي احد، الا انتِ، الله يخليك ما تصدقي أني مجنونة" وما مر خمس دقائق بمكالماتنا تلك الا وميزت ان صديقتي كما هي بكامل قواها العقلية. ثم بدأت مشوارها بالبحث عن ابنتها التي علمت انها بعمان، ولاني لست قريبة لصديقتي فلم استطع ان ابحث عنها في مراكز التوحد في عمان،صبرت صديقتي التي كانت تحدثني هاتفيا في منتصف الليل ساعات طوال حتى يتنفس الصباح وينشق صدرها عن الم وحزن وكربة ما عاشرتها ورأيتها على احد. لم اترك حكاية او رواية تبث الامل بعودة أطفال لامهم الا وحدثتها عنها، وكنت احمل سيف في اعماق روحي أشهره امام ضعفها وقلة حيلتها وظلمها . كانت ليالي باردة، عاصفة بشقاء روحها، ممطرة بدموعها وآهاتها، اذكرها وهي تحدثني وانا في موسكو حتى اذا ما فرغت من حديثها عكفت على الكتابة. كان شقائها وظُلمها يمدني بطاقة من الامل لا اعرف من أين تأتيني سوى انني الان موقنة انها كانت مكافاة ربانية لي. كانت تقول وهي تقرأ قصصي ومنشوراتي على الفيسبوك، هيا اكتبي قصتي. وكنت اجيب: بس تخلص الحكاية. فتضحك بحزن: شو بدو يصير اكتر ما صار؟ وكنت أجيبها : لا حبيبتي هذا قانون الطبيعة، ستحل العدالة لا محالة، لسة ما خلصت الحكاية. تواصلت صديقتي مع اخوات زوجها السابق وأمه وأخيه، تبرأ الجميع من مساعدتها حتى بسماع صوت ابنها الموجود مع ابيه الذي تزوج قبل ان يطلقها. وفي يوم وأثناء تحدثنا، قلت جملة تقول صديقتي ان هذه الجملة، كانت سبب بصحوتها. قلت: البكاء والنويح ما راح يفيدوا بشي، انتِ لازم تقوي لحتى تقدري تطلعي من غزة وتشوفي اولادك! حتى اولادك ما راح تقدري تساعديهم وانتِ مكسورة هيك! بحثت في صفحات مراكز التوحد على الفيسبوك ووجدت ابنتها في صورة نشرتها احد مراكز التوحد على الفيسبوك. كان لوالدها رحمه الله علاقات طيبة من رجالات في فلسطين، استطاعوا مساعداتها بالحصول على تصريح لدخول الاردن، وفي يوم أرسلت لي فيديو لقاءها مع ابنتها، بكيت حتى غُسلت روحي من ظلم شعرته يسكن بأعماقي عليها. واتصلت :" انتِ بعمان.. كيف لاقيتيها؟" قالت وهي تبكي متى راح تجي على عمان هيا؟ ولم يمضي اسبوع الا وكنا نلتقي لقاء حقيقي بعد ثمانية أعوام على اخر لقاء لنا.. كان صباحاً مُشرقاً ذهبنا فيه الى مقهى اعرفه جيدا، سالت الرجل وانا ادخل:" فتحتوا المحل؟" قال:" بنفتحوا على شانكم!" شرحت للمضيف في المقهى الذي اعرفه عن وضع ابنتها التي كانت معنا، تفهم الرجل واتى بكراسة والوان، وفطور وقهوة وجلسنا وحدنا في المقهى.. وبدأت تقص الحكاية.. بتعرفي هيا لاقيت بنتي تواصلت مع مديرة المركز التي قالت لي انها منبهة من زوجة ابيها ان لا تتعامل مع أمها وانني مجنونة، قلت لها انتِ ام ومربية وبتعرفي تميزي المجنونة من العاقلة، خليني أشوفها مرة واحدة على سكايب، وما راح اجيب سيرة لحدا. تعاطفت مديرة المركز التي لاحقا شكت لصديقتي ان ابنتها لم يدفع اقساط وجودها في المركز منذ فترة، وأنها تبقيها بالمركز عطف وشفقة. على الفور التقطت صديقتي طرف الخيط الذي تستطيع من خلاله ان تستعيد ابنتها، وبادرت بعرض تسديد الاقساط وهكذا كان، استعادت ابنتها، وعادت بها الى غزة، تصادف ايضا ان من كانت ترعى البنت وتعلمها في مركز التوحد وتجيد التعامل مع هذه الحالات، تزوجت وذهبت للعيش في غزة. وبعد.. في يوم هاتف اخ صديقتي اخته، عبر سكايب وهو يفتح لها الكاميرا لترى ابنها لأول مرة بعد سنوات الذي بدى خجلا مذعورا مما لحق به، وقد كان يعتقد ان امه مجنونة في مشفى الأمراض النفسية ،كان ينادي أمه (عمتي) وسالت اخيها :كيف استطعت كيف وصلت اليه؟ قال الاخ : اتصل بي زوجك السابق يطلب قرض من المال، فوافقت مقابل ان يأتي بالصبي لبيتي، انا خاله وحقي اشوفه. وهكذا كان رؤية وسكايب مُقابل قرض ميت، لا يرد! ثم فاوض الخال طليق اخته ان يأخذ الولد في كنف أمه ، مقابل ان يسدد اقساط مدرسته وهذا ما حدث. غادرت صديقتي وابنتها غزة وعادت لتقيم في عمان لتحصل ابنتها على رعاية صحية افضل، ويتلقى ابنها تعليم دراسي جيد.. وانتهى الفصل الدراسي الاول وعاد الصبي لحضن أمه .. "حسبي الله ونعم الوكيل " نداء مظلوم كنت اسمعه منها بعد كل محادثة بيني وبينها تكون قد ترجت قبلها حماتها سابقا او اخوات طليقها بأن تحدث ابنها.. عل العشرة الطيبة التي عاشرتهم إياها ان ترق قلوبهن ويسموعونها صوت ابنها.. ولم يحدث. لكن الله تعالى كان شاهدا مستجيبا رحيما بها.. توفي والد طليقها وورثت حماتها من زوجها، أخذ مالها ابنها نصب وغش،لم تتحمل الصدمة ففلجت وانشلت. اخوات طليقها اللواتي تبرأن من الرحمة والشفقة والإنسانية مرضت إحداهن ومرض ابن الاخرى وكُسر زوج الاخرى.. وكل من نكل بها واساء اليها، أراها الله به يوم حتى اصبحت تشفق على حال من ظلمها .. يقول الله تعالى : {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ}. صديقتي التي بها اعتز، التي صبرت وآمنت وتحملت وحدة وقهر وظلم وضيق وكربة ها انا على العهد .. اسرد الحكاية بس خلصت .