تربية المراهقين عملية ليست سهلة أبداً، فيلزمها الكثير من الصبر والحذر والحوار والتواصل والتقبل والحكمة والاحتواء، كما يلزمها أن يكون الوالدان قدوة حسنة للابن المراهق أو الابنة المراهقة، لأن الأبناء يكتسبون أخلاقهم وطباعهم ومعتقداتهم وسلوكياتهم من مراقبة سلوك الوالدين أكثر من التلقين بالكلام وسن القوانين! والسؤال الآن؛ كيف تكون قدوة صالحة لأبنائك في مرحلة المراهقة؟ ما هي صفات القدوة الحسنة؟


الأسئلة ذات علاقة


تعريف القدوة

حسب المعجم الوسيط، معنى القدوة هو من يُقتدى به، أسوة، من يتخذه الناس مثلاً في حياتهم.
القدوة هي ما يُقتدى به ويُتخذُ مثالاً.
وهي الأصل الذي تتشعب منه الفروع.

وحسب الدكتور علي الحاج حسن، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، في مقاله "القدوة، أهميتها ودورها":

"القدوة هو الذي يُقتدى ويُحتذى به من حيث جعله أسوة ومثالاً ونموذجاً لسلوكيات وتصرفات الآخرين. 

والاقتداء هو طلب موافقة الغير في فعله، واتّباع شخصية تنتمي إلى نفس القيم التي يؤمن بها المقتدي، وعادة ما يمثل شخص المقتدَى به قدراً من المثالية والرقي والسمو عند أتباعه ومحبيه، والقدوة تنطوي في داخلها على نوع من الحب والإعجاب الذي يجعل المقتدِي يحاول أن يطبق كل ما يستطيع من أقوال وأفعال.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الاقتداء إلغاءً أو مصادرة للرأي والإرادة، أو ممارسة لضغط ما أو قسر المقتدي على أمر معين؛ لأن الاقتداء ينطلق من قناعة صاحبه؛ فهو جزء من إرادته".

ما هي صفات القدوة الحسنة؟

قد تكون القدوة حسنة أو سيئة. فالناس يتبعون من يتأثرون به ويعجبون به، دون أن يعوا أحياناً مدى خيره أو شره، أو مدى صلاحه أو فساده.

ولكن للقدوة الحسنة صفات وأركان أساسية، وهي:

1- الصلاح والخير والإخلاص في العمل.

2- حسن الأخلاق، أي الأخلاق الحميدة.

3- موافقة القول العمل، فالناس تدرك معنى المفاهيم والفضائل عندما تراها مترجمة إلى أفعال.

4- القناعة وعدم التكلف، أي أن تصدر التصرفات الطيبة عن الشخص القدوة دون نفاق أو رياء أو تمثيل أو تزييف، بل تعكس حقيقته وقناعاته ومعتقداته.


أهمية القدوة الحسنة في تربية الأبناء

يقول الدكتور علي الحاج حسن في مقاله عن أهمية القدوة الحسنة في تربية الأبناء: "القدوة واحدة من أهم وأبرز أساليب التربية. وإذا كان المقصود في الاجتماع البشري الوصول إلى مرحلة إنتاج فرد سليم ومفيد للمجتمع فإن ذلك لن يتحقق من دون العمل على جعل الأفراد سالمين مفيدين فتكون القدوة أهم وسيلة لتحقيق ذلك. ولو عدنا إلى التاريخ البشري وتاريخ الأديان لوجدنا أن القدوة قد لعبت هذا الدور التربوي إذ أنها تفيد في نقل الأفكار والقيم والسلوكيات الصحيحة إلى الآخرين. وقد تشير هذه المسألة إلى عدم جدوائية التلقين الذي يتبعه البعض في العملية التربوية. فقد لا يقتنع ولا يؤمن الفرد إذا وجد أن الملقن لا يؤمن ولا يعتقد ولا يوقن، أما عندما نقدم القدوة كنموذج أساسي للتربية فإن التأثير في النفوس سيكون أقوى لا محالة".

ويضيف: "وتبرز أهمية القدوة بالإضافة إلى ما تقدم على مستوى إقناع الآخرين بإمكانية الوصول إلى الفضائل. فإذا سلمنا بأن الشخص الفلاني يشكل قدوة للآخرين لما يتمتع به من فضائل وأخلاقيات وصفات حسنة، فإن قبول الآخرين لوجود الفضائل وتصديقهم بإمكانية الوصول إليها والتحلي بها موقوف على وجودها في شخص معين. وهذا يعني القبول بواقعية تلك المفاهيم التي يظنها البعض من نسج الخيال أو من مكان بعيد عن الواقع.

من جهة أخرى قد لا يترك الكلام أثره على الشخص مهما طلب من الناس التحلي بالفضائل والإقبال عليها ولعل السبب في ذلك يعود إلى صعوبة التصديق بها والاقتناع بجدواها ، إلا أن العمل بها ووجودها في شخص القدوة يدفع الإنسان للرضوخ لها لا بل فهمها والعمل بها . ولعل هذا الأمر من خصائص السلوك البشري الذي لا يُقبل على أي عادة أو فكرة إلا بعد ان يدرك ويفهم أنها حقيقة واضحة وواقعية".


كيف تكون قدوة حسنة لأبنائك المراهقين؟

إليك نصائح لتعليم ابنك المراهق السلوك الحسن من خلال كونك قدوة حسنة له:

1- أن تتوفر فيك أركان القدوة الحسنة المذكورة أعلاه، ألا وهي، الصلاح وحسن الخلق وموافقة القول العمل وعدم التكلف.

2- نعود ونركز على أهمية أن توافق أقوالك أفعالك؛ طبّق مواعظك، ولا تطلب من ابنك أن يفعل ما تفعل عكسه، فمثلاً لا تطلب منه أن لا يكذب، بينما هو يسمعك تكذب على الآخرين في مكالماتك الهاتفية! مشكلة الكذب عند المراهقين على سبيل المثال، من أهم أسبابها، التربية في بيئة يكذب فيها الوالدان بشكل مستمر.

3- احرص على مراقبة أفعالك أمام أطفالك وأبنائك المراهقين، فما تفعله يخبر ابنك كيف تريده أن يتصرف في المستقبل؛ على سبيل المثال، طرق التعامل مع الغضب والتوتر والأوضاع المحرجة، كيفية التعامل مع شريك الحياة، تطبيق إتيكيت المائدة، ممارسة الرياضة… إلخ.

4- ما تقوله أيضاً مهم للأطفال والمراهقين، اشرح لهم كيف يؤثر سلوكهم عليهم وعلى العائلة والمجتمع، تحدث معهم عن الفرق بين الخيارات المتاحة أمامهم عند حاجتهم لاتخاذ قرار ما، اشرح لهم الفرق بين الخطأ والصواب، تحدث معهم بلطف ومنطق وأجب عن أسئلتهم وامنحهم المعلومات التي يحتاجونها لزيادة الوعي الذاتي لديهم ليتمكنوا من فهم أنفسهم والآخرين، تحدث معهم عن أهمية القيم والأهداف في الحياة… إلخ.

5- اتبع نهج الثقة والحزم في تربية الأبناء المراهقين؛ كن واضحاً وحازماً بما يخص الحدود، وامنحهم المحبة والدفء والمشاعر التي يحتاجونها، وتقبل حاجة المراهقين للاستقلالية والخصوصية. بهذه الطريقة سيميل الأبناء للاقتداء بالحسن من الأعمال، وسيقل مدى تأثرهم واقتدائهم بالتصرفات السيئة التي تصدر عن أصدقائهم أو أي شخص قد يتأثرون به خارج المنزل.

6- الطريقة التي يتعامل فيها الوالدان معاً من أهم أسباب نجاح الأبناء في حياتهم بشكل عام وفي علاقاتهم بشكل خاص. احرص على التعامل مع شريكك باحترام ولطف ومحبة وثقة ورحمة وصوت منخفض، واستخدم كلمات مثل "لو سمحت"، و"شكرا"، و"يعطيك العافية"، و"أحبك".

7- كن إيجابياً بتعاملك مع نفسك وشريكك وأبنائك والآخرين، فالإيجابية معدية وتنعكس على من حولك، وأهمهم الأبناء.

8- كن سعيداً، وربي أبناءك على السعادة، فالسعادة أسلوب حياة، يتربى عليها الأبناء، ويكتسبونها من والديهم، فيعتادونها ويحترفونها. والنجاح الحقيقي هو أن تربي ابناً سعيداً يتقبل ذاته والآخرين ويشعر بالرضا والسكينة والسلام.

9- اتبع أسلوب حياة صحياً، قد يتعلم ابنك الطريقة الصحيحة للمحافظة على جسده وصحته. تناول طعاماً صحياً، واشرب الكثير من الماء، ولا تكثر من شراء الحلويات ووضعها في المنزل، ومارس الرياضة بشكل منتظم، وابتعد عن التدخين والكحوليات، وتناول الفيتامينات اللازمة، وراجع طبيبك في المواعيد المحددة، ولا تهمل صحتك أو جسدك أمام أبنائك كي لا يكتسبوا هذه العادة السيئة.

10- الاهتمام بالشكل مهم أيضاً ولكن دون مبالغة، فمن الجميل أن يتربى الأبناء على تقدير الجمال والاهتمام بنظافتهم وترتيب مظهرهم وأناقتهم وهندامهم وشعرهم، لكن دون أن يأخذ الشكل حيزاً كبيراً من اهتمامهم ودون أن يؤثر على تقديرهم لذاتهم.

11- لا تصدر أحكاماً على الناس أمام أبنائك، تجنب التعليق على أجساد الآخرين أو ملابسهم أو أشكالهم، ولا تنتقد قرارات الآخرين وأسلوب حياتهم، وتجنب التعليقات العنصرية أو الطائفية أو التي تحمل أي نوع من أنواع التفرقة والتمييز.

12- عش حياة منظمة، ورتب أولوياتك وعلم أبناءك كيف يكونون منظمين. تعليم الأبناء النظام ينتج عنه زيادة وعيهم وإدراكهم لأهمية ترتيب الأولويات وإدارة الوقت وإدارة المال والتخطيط وتنظيم الأفكار.

13- أشرك ابنك في الحوارات العائلية واتخاذ القرارات، وتعامل مع رأيه بجدية. من الجيد أن يفهم الابن كيف تكون النقاشات الناجحة التي تنتج قرارات تأخذ بالاعتبار مصلحة الجميع وأراءهم.

14- من طرق تعليم الأبناء تحمل المسؤولية، التصرف بمسؤولية أمامهم، وتحمل مسؤولية أخطائنا والاعتذار عنها ومحاولة إصلاحها.

15- لا تشتكي من العمل أو صعوبة التعليم أمام المراهقين، بل أظهر لهم أنك تستمتع بالعلم والعمل.

16- تعامل مع الآخرين بمحبة واحترام وتقبل وتسامح وتعاون، وساعد الغير وكن كريماً وشارك في الأعمال التطوعية.

17- تعامل مع مشاكل البيت بطريقة ذكية، ناقش المشكلة بهدوء وحللها، واقترح الحلول المناسبة واستمع لأراء الغير، واختر الحل المناسب وطبقه وقيّم النتائج. وتجنب التصرف تجاه المشكلة بغضب وعصبية وضيق وعشوائية.

18- اجعل الروحانيات جزءاً من حياتك كي تكون جزءاً من حياة أبنائك.

19- أدخل إلى حياتك كل ما ترغب أن يتبعه أبناؤك، فهم يقتدون بك. على سبيل المثال، إن كنت ترغب بتشجيع أبنائك على القراءة، أنشئ مكتبة صغيرة في البيت، واشتري لهم قصصاً ملونة منذ الطفولة، واقرأ لهم القصص، واجعلهم يرونك وأنت تمسك كتاباً وتقرأ باستمتاع، واشرح لهم أهمية القراءة وفوائدها. كل ذلك ممكن أن يجعل القراءة جزءاً من حياتهم.

أخيراً، احرص عزيزي الوالد واحرصي عزيزتي الوالدة على حسن السلوك أمام الأبناء، والسير على الطريق الذي ترغبان أن يتبعه أبناؤكما عندما يقتدون بكما! كونا قدوة حسنة ليكون سلوكهم حسناً!