وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (The US Food And Drug Administration) على أول علاج جيني حقيقي في الولايات المتحدة الأميركية، وهو عقار لوكستورنا (Luxturna) من شركة سبارك الدوائية (Spark Therapeutics)، والذي يعالج أحد أشكال فقدان البصر الوراثية الذي يصيب شبكية العين، ويمكن أن يسبب العمى التام لدى المصاب به.


الأسئلة ذات علاقة


دواء جديد بسعر يفوق الخيال
يحمل هذا الدواء الوراثي سعراً قد يمنع الكثيرين من مجرد التفكير به، إذ تم إقرار تسعيرته الرسمية بـ 425 ألف دولار لكل عين، أي 850 ألف دولار للمريض الواحد، وذكرت شركة سبارك المصنعة له أنها ستصدر عدة خطط دفع تناسب أكبر شريحة ممكنة من الفئات التي يمكن أن تستفيد من الدواء، مثل الدفع بالتقسيط، أو المشاركة مع شركات التأمين، أو ربط التكاليف المادية بمقدار استجابة المريض على الدواء، ولكن هذا لا ينفي وجود مشكلة في دفع مبلغ كهذا بالنسبة إلى غالبية المواطنين بالطبع.
يتم إعطاء هذا الدواء لمرة واحدة في كل عين، وهي ميزة إيجابية في عالم المعالجة الوراثية التي تدخل مجالات تسيطر عليها المعالجات المزمنة وطويلة الأمد، والتي تتراكم تكاليفها على المدى البعيد لتفوق تكاليف المعالجات الوراثية أحياناً دون الوصول إلى النتيجة العلاجية ذاتها.

تعليق الشركة المصنعة على السعر الباهظ للدواء
من المؤكد أن طرح دواء بهذا السعر المرعب في السوق سوف يطرح الكثير من التساؤلات، ويثير أصوات التشكيك والاستهجان أحياناً، ولهذا السبب علق الدكتور ستيف ميلر (Steve Miller)، المدير الطبي لشركة (Express Scripts) التي تساهم مع شركة سبارك في توزيع الأدوية والخدمات الدوائية: «السعر مرتفع بشكل باهظ، ولكن لنكون صريحين، أعتقد أنهم وضعوا التسعيرة بشكل يمكنني وصفه بالمعقول، هذا المنتج مبدع بشكل خارق، ونحن نتحدث عن المعالجة الوراثية منذ أكثر من 20 عام، أما الآن فنحن على أعتاب وصول هذه المعالجة الوراثية إلى المرضى.»
إضافة إلى ذلك، كان سعر الدواء مفاجأة من نوع آخر لتوقعات البورصة في وول ستريت، إذ قُدّر سعر الدواء بمليون دولار، ولذلك كان السعر الرسمي المعلن عنه (850 ألف دولار) أقل من التوقعات في الحقيقة.
 

المعالجة الوراثية وآفاق واسعة للمستقبل
المعالجة الجينية أو الوراثية (Gene Therapy) في الواقع هي مبدأ رائع من الناحية النظرية، ويفتح المجال لعلاج الكثير من الأمراض التي لطالما كانت مستعصية على العلاج وبحكم الميؤوس منها، وهي تتضمن تحميل مورثات بشرية سليمة على أنواع خاصة من الفيروسات غير المؤذية، واستخدام هذا الفيروس لنقل المورثات السليمة إلى خلايا الشخص المصاب بمرض وراثي يدعى تنكس الشبكية المرتبط بطفرة RPE65 ثنائي الأليل (Biallelic RPE65 Mutation Associated Retinal Dystrophy)، عبر تكاثر الفيروس ضمن خلاياه، ودواء لوكستورنا هو أحد أمثلة هذا العلاج، فهو ينتقل إلى الشبكية ليصحح طفرة وراثية نادرة تصيب حوالي 50 ألف شخص حول العالم تقريباً.
في التجارب السريرية التي استخدمت فيها المادة الفعالة للدواء (Voretigene Neparvovec)، تم تقييم بصر الأشخاص عبر قدرتهم على تفادي العوائق في مسار مخصص وفي درجات مختلفة من الإضاءة، وأظهر متعاطو لوكستورنا تحسناً ملحوظاً في القدرة على تجاوز العوائق في ظروف الإضاءة الضعيفة وبعد سنة من العلاج، كما ذكر بعض المرضى المشاركين في التجارب السريرية في مقابلات وجلسات شهادة مع لجنة خاصة من وكالة الغذاء والدواء الأميركية أنهم استطاعوا رؤية ندف الثلج للمرة الأولى، أو تمكنوا من القراءة مرة أخرى بعد أن فقدوا القدرة البصرية الكافية للقراءة.

اختراع جديد وتحديات جديدة
كما هي العادة مع كل اكتشاف جديد في عالم الطب، من المتوقع أن يواجه اللقاح الجديد الكثير من التحديات والعوائق اللوجستية خلال السنوات الأولى لاستخدامه عدا عن السعر الباهظ أولها متطلبات العمل في هذا العلاج، فتطبيق الدواء يحتاج إلى جراح عيني ذي خبرة عالية بإجراء العمليات على الشبكية، وهؤلاء هم قلة من أطباء العيون، إضافة إلى كون ثمن الدواء الباهظ وتكاليف حفظه وتخزينه تجعله غير متوفر إلا في عدد قليل من المراكز المتخصصة الموزعة في مدن متباعدة بمئات الكيلومترات، لذلك تدرس شركة سبارك الخيارات المتاحة لتوفير نقل مجاني وإقامة مؤقتة في فنادق أو مساكن تابعة للمراكز العلاجية من أجل تشجيع المرضى وتخليصهم من التعقيدات.

هل الدواء الجديد آمن؟ وما هي اختلاطات استخدامه وآثاره الجانبية المتوقعة؟
تم تقييم أمان وفعالية دواء لوكستورنا عبر دراسة سريرية شملت 41 مريضاً تتراوح أعمارهم بين 4 و44 عاماً، تم إثبات وجود الطفرة الوراثية (Biallelic RPE65) المسؤولة عن المرض في البداية بالطبع، ووجد الباحثون بعد عام من المراقبة تطوراً كبيراً في قدرة المرضى على تجاوز مسار العوائق في ظروف الإضاءة المنخفضة بشكل خاص، وهي الفائدة الرئيسية من هذا الدواء.
بالرغم من فائدة الدواء المذهلة لا يمكن أن يكون آمناً تماماً في جميع الحالات، وهناك عدد من المحاذير والاختلاطات الخطرة المرتبطة به منها:
- التهاب باطن العين (Endophthalmitis): يمكن أن يتلو هذا الاختلاط أي عملية جراحية عينية أو حقنة داخل العين، ويتم الوقاية منه باتباع إجراءات الوقاية والتعقيم بدقة لدى حقن الدواء، بالإضافة إلى مراقبة أعراض وعلامات التهاب منطقة الجرح لدى المريض.
- تراجع دائم في حدة البصر: وهي اختلاط نادر قد يحدث بعد حقن المادة الدوائية خلف الشبكية مما يؤدي إلى انزياحها من مكانها (انفصال الشبكية) وتتم مراقبة حدوثه بإجراء اختبارات للقدرة البصرية بعد حقن الدواء.
- اضطرابات في شبكية العين: يمكن أن تحدث خلال أو بعد حقن لوكستورنا، وتشمل هذه الاختلاطات حدوث ثقوب في المنطقة المركزية للشبكية التي تدعى بـ (اللطخة الصفراء) وهي أهم المناطق الحساسة للضوء في العين، كما يمكن أن تترقق هذه المنطقة بشكل خطر أو يحدث نزيف داخل طبقة الشبكية، وهنا تلعب خبرة الطبيب دورها في تجنب حقن الدواء في المنطقة المركزية لأن أي أذى يلحق بها ينعكس بفقدان كبير في القدرة البصرية.
- ارتفاع الضغط داخل العين: وهو أيضاً من الاختلاطات المتوقعة عند حقن أي مادة دوائية داخل العين، إذ قد يؤدي حقن كمية كبيرة من السائل الدوائي بسرعة كبيرة تفوق سرعة العين في تصريف السوائل وتنظيم الضغط إلى حدوث هجمة حادة من الزرق (ويدعى أحيانا باسم ماء العين الأسود).
- الساد أو ماء العين الأبيض (Cataract): يختلف الماء الأبيض الذي يحدث في الشيخوخة عن الماء الأبيض التالي لعمليات العين في مكان تشكل الكثافات العينية، إذ لا تكون المشكلة هنا في عدسة العين إنما في الهلام الموجود خلفها والذي يملأ كرة العين، يدعى هذا الهلام باسم (الجسم الزجاجي)، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية للتخلص من هذه المناطق المعتمة إذا كان تأثيرها كبيراً على القدرة البصرية.
 

وفي الختام.. يبدو من خلال الأبحاث الحالية والأدوية التي تصل إلى مرحلة التجارب السريرية كل يوم أن المعالجة الوراثية وتقنياتها المختلفة سوف تلعب دوراُ أساسياً في الطب خلال السنوات والعقود القادمة، وهذا ما يؤكد على ضرورة إجراء إصلاحات وتغييرات جذرية في الأنظمة الصحية العالمية حتى يتساوى جميع أفراد المجتمع في فرصة الحصول على مستوى جيد من العناية الصحية.