من المؤكد أن العمود الفقري (Spine) هو ما يعطي للإنسان هذه الهيئة المنتصبة التي تميزه عن مختلف الفقاريات الأخرى، ولا تتوقف أهميته على الشكل الظاهر فقط، بل يشكل أيضاً المحور الذي ترتكز عليه باقي أجزاء الهيكل العظمي مثل القفص الصدري الذي يحيط بالقلب والرئتين، الحوض، الجمجمة التي تحيط بالدماغ وتحميه.
سوف نتحدث في هذه المقال عن بنية وصفات العمود الفقري، أكثر الأمراض التي تصيبه شيوعاً وأسبابها المحتملة
 


الأسئلة ذات علاقة


بنية العمود الفقري

يتمتع العمود الفقري بالكثير من الميزات التي تسمح له بالقيام بوظائفه المتعددة ومن أهمها الصلابة التي تتيح له حمل وزن الجسم ومساعدته عند المشي ورفع الأثقال وغير ذلك، بالإضافة إلى مرونته  التي تكسبه نطاقاً واسعاً للحركة خصوصاً أثناء القيام بالحركات التي تتطلب الانحناء، فينحني إلى الأمام وإلى الخلف بمدى كبير، وينحني على الجانبين أيضاً وذلك لوجود قرصٍ ليفي يعطي لفقرات العمود الفقري هذه المرونة.
يتكون العمود الفقري من 33 فقرة عظمية (7 فقرات عنقية، 12 فقرة صدرية، 5 فقرات قطنية، 4 فقرات عجزية) ويبلغ طوله عند البالغين حوالي 75 سم، تكون الفقرات مجوَّفة من المركز بحيث يمر عبرها النخاع الشوكي، وبالتالي يلعب العمود الفقري دوراً أساسياً وهاماً في حماية النخاع الشوكي عند تعرض الجسم للرضوض والصدمات.
لذلك وبسبب الدور الذي يلعبه في هيكلية الجسم فهو معرض لخطر حدوث الإصابات بشكل كبير، ويتفق الأخصائيون أن التشخيص السليم لأي إصابة في منطقة العمود الفقري تتم بالفحص السريري وتؤكَّد عن طريق الأشعة مثل أشعة X-Ray أو أنواع أخرى متقدمة مثل التصوير الطبقي المحوري والرنين المغناطيسي، وسوف نستعرض معاً أهم الأمراض الشائعة التي تصيب العمود الفقري
 


أمراض العمود الفقري

ما هي أكثر أمراض العمود الفقري شيوعاً؟
الانزلاق الغضروفي (Slipped Disc)

أو كما يتفق الأخصائيون على التسمية الأدق "فتق القرص بين الفقرات أو فتق النواة اللبية"، ويُعرف لدى العامة أيضاً باسم "الديسك"، تنتشر الإصابة بالديسك لدى من تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 50 عاماً. 
يحدث الانزلاق الغضروفي نتيجة التآكل الذي يحصل في القرص بين الفقرات، وبالتالي ينشأ عن هذا التآكل تمزقات صغيرة داخل القرص تدفعه إلى الخارج تحت تأثير الضغط الواقع على العمود الفقري، فيضغط عندها على جذور الأعصاب الخارجة من الحبل الشوكي، وتتمثل الأعراض بشكل عام بألم حاد في المنطقة المصابة حيث يمكن أن يحدث الانزلاق الغضروفي في الفقرات الرقبية أو القطنية أو الصدرية، في حال استمرار هذه الأعراض لفترة أطول من عدة أسابيع أو ترافقها مع ضعف متزايد في عضلات الساق وشعور بالخدر أو خلل في التحكم بعمليتي التغوط والتبول، يجب عندها إجراء تصوير بالأشعة المقطعية أو الرنين المغناطيسي (وهو الوسيلة الأكثر دقة) لاكتشاف المنطقة المصابة وتوفير العلاج المناسب.

تضيُّق القناة الفقرية (Spinal Stenosis)
القناة الفقارية؛ ذلك الفراغ المتكون من تتالي تجاويف الفقرات على طول العمود الفقري، تحوي بداخلها الحبل الشوكي وجذور الأعصاب، ومع ازدياد خشونة المفاصل الصغيرة التي تربط الفقرات وتآكل الغضاريف نتيجة التقدم في العمر قد يحدث بعض التضيُّق في هذه القناة، قد يصاحب هذا التضيُّق ضغط على الأعصاب في القناة الفقرية مما يؤدي بدوره إلى حدوث آلام في الساق أثناء المشي أو الوقوف، يخفُّ الألم عادةً عند الجلوس أو الاستلقاء على الظهر، كما يجمع أغلب الأخصائيين  على تسمية هذه الأعراض بـ (العرج عصبي المنشأ).
التشخيص الصحيح لهذه الحالة يكون عادةً عبر التصوير بالطبقي المحوري (CT) أو الرنين المغناطيسي، ولابد لنا هنا من الإشارة إلى أعراض مشابهة لتضيُّق القناة الفقرية لدى مرضى السكري؛ لذلك يلجأ الأطباء في عملية التشخيص إلى استخدام اختبار تخطيط العضلات الكهربائي واختبار وتقييم سرعة ودرجة توصيل العصب (كما تسمى اختبار سرعة التوصيل العصبي (A nerve conduction velocity) لقياس مدى سرعة التحرك الكهربائي من خلال العصب كما يمكن تحديد تلف الأعصاب خلال الاختبار)، والهدف هو التفريق بين الحالتين.
ينقسم علاج تضيُّق القناة الفقارية إلى:
-    علاج غير جراحي (محافظ): يتضمن تناول المسكنات ومضادات الالتهاب غير الستيروئيدية وأداء التمرينات الرياضية وفق نظام معين، في بعض الحالات يتم اللجوء إلى حقن مخدِّر موضعي أو حقن الكورتيزون في القناة الفقرية لتخفيف الوذمة وانضغاط العصب، وبالتالي تخفيف الأعراض.
-    علاج جراحي: يتم اللجوء إليه في حال عجز الحلول السابقة عن تخفيف أو إزالة الأعراض لدى المريض، وبالتالي حينها يكون من الضروري إزالة الضغط الناتج والتضيُّق في الفقرة المصابة عن طريق الجراحة، وهذه الجراحة ذات نتائج مرضية جداً إذ تسمح للمريض بممارسة نشاطاته اليومية بشكل طبيعي مثل السير لمسافات أكبر والوقوف لفترات أطول دون الشعور بألم.

هشاشة عظام الفقرات (Vertebral Fragility)
ثمة عدة عوامل تلعب دوراً مختلفاً في ارتفاع احتمال الإصابة بهشاشة العظام، مثل الوراثة، الجنس (النساء أكثر عرضة)،الهرمونات، بلوغ سن اليأس، نوعية ومكونات الغذاء اليومي، إلا أن مقدار ونوعية ومستوى الحركة البدنية يلعب دوراً أساسياً في احتمال الإصابة.
يتمثل مرض هشاشة العظام بفقدان الكثافة الطبيعية للعظام وبالتالي تصبح بنيتها هشَّة ومخلخلة، مما يؤدي إلى ضعف قوة تحمل العظام لثقل وزن الجسم وأعضائه وعدم القدرة على تحمل الصدمات، وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن عدد المصابين بالكسور الناتجة عن هشاشة العظم يُقدَّر بـ 8.9 مليون سنوياً بمعدل كسر كل 3 ثوان.
ولعل أكثر ما يشير إلى هشاشة عظام الفقرات حدوث كسور في فقرات العمود الفقري تدعى بالكسور الانضغاطية، وهنا لا بد من اللجوء للتصوير الشعاعي لتشخيص الكسر وتقدير كثافة عظام الفقرات لاكتشاف وجود الهشاشة أو عدمها، ومعظم الكسور الناتجة عن هشاشة العظام يتم علاجها بشكل ناجح من خلال برامج علاجية تشمل تزويد الجسم بالعناصر اللازمة لبناء العظام مثل الكالسيوم والفيتامين D، إضافة لذلك يمكن اللجوء إلى علاجات هرمونية مثل هرمون الكالسيتونين. 
في بعض الحالات تكون الجراحة هي السبيل الأمثل لحل هذه المشكلة والسيطرة على الألم الناتج عنها، أو لتحسين التشوه الحاصل في بنية العمود الفقري.

تلف الغضروف ما بين الفقرات (Cartilage Damage)
النتيجة الطبيعية والمتوقعة للتقدم في السن، وقد لا يترافق مع أعراض واضحة يشكو منها المريض، يتم تشخيصه عادةً بالأشعة البسيطة لكن قد يشعر بعض المرضى بألم في الظهر أو في الظهر والساق معاً.
يعتمد الأخصائيون في علاج هذه الحالة على تقوية وتحسين دعم عضلات الظهر لقوام العمود الفقري عن طريق ممارسة التمارين الرياضية، ويمكن أيضاً استخدام الأدوية المسكِّنة ومضادات الالتهاب، قد يُفضِّل البعض ارتداء الأحزمة الداعمة لكن يجب أن يتم ذلك بإشراف طبي لما له من مخاطر على قوام العمود الفقري.
 

ضرورة استشارة الطبيب

متى نلجأ إلى الاستشارة الطبية؟
لعل هذا التساؤل هو أول ما يخطر في بال أي شخص يشعر بألم في منطقة معينة من الجسم، وفي موضوعنا ونظراً لأهمية العمود الفقري لابد من معرفة متى علينا أن ندق ناقوس الخطر، لذلك ينصح بمراجعة واستشارة الطبيب في الحالات التالية:
- استمرار الآلام لأكثر من 48 ساعة.
- عدم القدرة على مواصلة الأعمال والأنشطة الطبيعية اليومية.
- ازدياد حدة الألم أو تطور وترقي الأعراض مثل: ترافق ألم الظهر مع تنميل وألم في الساقين أو الذراعين.
 

الوقاية من أمراض العمود الفقري

هل أستطيع وقاية نفسي من الإصابة بهذه الأمراض؟
بالطبع تستطيع، ويتم ذلك عن طريق مراقبة العادات اليومية ومنها:

- تجنب السمنة التي تؤدي إلى زيادة الضغط على الفقرات أسفل العمود الفقري نتيجة زيادة الوزن.
- القيام بالتمارين الرياضية يومياً، وذلك لتقوية العضلات الداعمة للعمود الفقري.
- عدم القيادة لفترات طويلة، حيث يفضل القيادة لمدة نصف ساعة ثم تحريك الظهر بعدها لمدة دقيقة واحدة.
- مراعاة وضعية الجلوس وعدم الجلوس لفترات طويلة حتى ولو كان وضع الجلوس سليم.
- عدم حمل أوزان ثقيلة بطرق خاطئة لما لهذا الفعل من نتائج خطيرة على المدى البعيد. 

وفي الختام... لابد من التذكير بأهمية الدور الذي يقوم به العمود الفقري في دعم قوام جسم الإنسان وفي حماية الأعضاء والأجهزة التي تؤمن للإنسان القيام بمختلف العمليات الحيوية واستمرارية الحياة، وبالتالي يجب الحفاظ على سلامته والاهتمام بعلاجه في حالات الإصابة وعدم إهمالها لما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة.