تعتبر الأورام السرطانية في الجهاز العصبي والدماغ بشكل خاص من أكثر السرطانات خباثة وأصعبها علاجاً، يعود ذلك لعدد من الأسباب أهمها عدم القدرة على إجراء الجراحة بحرية داخل الدماغ دون تعريض المراكز العصبية للأذى، كما أن الأورام الدماغية تميل للانتشار والسير على الأعصاب المتجهة إلى مختلف أعضاء الجسم بشكل يجعل استئصال الورم بشكل كامل أمراً مستعصياً، لذلك يحاول الباحثون دوماً تطوير أدوية جديدة للعلاج الكيميائي من أجل تدمير الخلايا السرطانية بفعالية ونوعية عالية.
لكن الحل المثالي لهذه المشكلة قد يحتاج إلى تفكير خارج عن المألوف، ماذا لو حاولنا استدراج الخلايا السرطانية للخروج من الجسم بدلاً من محاولة الوصول إلى مكان الورم واستخراجه؟ في هذا المقال سنتعرف على هذه الفكرة العبقرية التي ستحدث ثورة حقيقية في عالم علاج السرطان.
 


ما هي التقنية الجديدة لعلاج سرطان الدماغ؟
لُقب الجهاز الجديد باسم (Pied Piper)، وهي أسطورة ألمانية مشهورة لعازف المزمار المبدع الذي ينقذ أهل قرية من وباء الجرذان المزعجة عبر اجتذاب الحيوانات بألحان مزماره وأخذها بعيداً عن المدينة، وهو اسم مثالي لوصف مبدأ عمل التقنية الجديدة.
حصل هذا الجهاز على لقب إنجاز علمي مبدع من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (The US Food And Drug Administration) بعد نجاح التجارب المبدئية على فئران التجارب، يعتبر هذا اللقب دليلاً على ردة الفعل الإيجابية تجاهه والموافقة على تسريع الإجراءات المتعلقة بالتجريب على المرضى من البشر.
قام فريق هندسي طبي من معهد جورجيا للتكنولوجيا (Georgia Institute of Technology) بتصميم جهاز يقوم بخدع خلايا سرطان الدماغ للتحرك إلى مكان محدد والتوجه إلى خارج الدماغ بعيداً عن الأذى، خلال الأعوام الخمس الماضية عمل الباحثون على تطوير الجهاز الذي دعي باسم (Tumor Monorail أي الطريق وحيد الاتجاه للأورام) وتم تجريبه بشكل ناجح ومشجع على الفئران في المختبر.
الجهاز بشكل أساسي هو عبارة عن أنبوب ضيق وطويل مكون من ألياف ناعمة ومرنة يتم إدخالها عبر فتحة ضيقة تصل بين النصفين الأيمن والأيسر من الدماغ (وهي من الطرق المفضلة لانتشار سرطان الدماغ)، فهو يستغل حقيقة كون الخلايا الورمية تنتشر داخل المراكز العصبية على حساب الجزء المدعو باسم المادة البيضاء (هي الجزء المكون من حزم الألياف العصبية على عكس القسم الآخر أو المادة الرمادية المكونة أساساً من أجسام الخلايا العصبية)، وبما أن ألياف الجهاز تمثل طريقاً بديلاً سالكاً وسهلاً، فهو يجتذب الخلايا الورمية التي تسير عليه وتترك النسيج الدماغي الطبيعي وشأنه.

آراء الباحثين وتوضيحاتهم حول الجهاز الجديد لعلاج السرطان
قال البروفيسور رافي بيلامكوندا (Ravi Bellamkonda) من كلية الهندسة في جامعة دوك (Duke) والذي بدأ بالمشروع البحثي في جورجيا: «هذا هو الإثبات الأول على إمكانية التحكم بهجرة الخلايا داخل الجسم وتحريك الخلايا الورمية من النقطة A إلى النقطة B بشكل مصمم وهادف، كما أنه الإثبات الأول لعملية جر الورم إلى مكان الدواء بدلاً من انتشار الدواء إلى الدماغ وتخريبه للخلايا المهمة والسليمة».
وأضاف البروفيسور: «الفكرة من العلاج هي تزويد المنطقة بوسائط صناعية هي الألياف المرنة في هذه الحالة، وهي مواد تقلد بنية المادة البيضاء الدماغية أو الألياف العصبية التي تسير عبر الدماغ، ومراقبة الورم فيما إذا كان سيهاجر عبر هذا السبيل الذي زرعناه بشكل صناعي».
يتم توجيه الخلايا الورمية نحو نقطة تجمع صغيرة على الجمجمة تحت فروة الرأس تماماً، بالرغم من أن بعض الخلايا الورمية سوف تبقى في مكانها ولن يتم سحبها إلى نقطة التجمع، يمكن أن يؤدي التخلص من الخلايا الورمية المسحوبة إلى منع انتشار الورم أو حتى تقليص حجمه بشكل ملحوظ.
أظهرت التجارب المبدئية على فئران التجارب أن الجهاز قادر على تقليص الأورام السرطانية بنسبة أكبر من 90 في المئة، إضافة إلى ذلك يمكن أن يتم استخدام (Tumor Monorail) إلى جانب العلاجات التقليدية الأخرى مثل العلاج الكيميائي من أجل تقليص الورم وزيادة الفعالية العلاجية، خاصة أن الأورام الصغيرة أكثر استجابة على الأدوية والأشعة.

ما هو مستقبل تقنية علاج سرطان الدماغ الجديدة؟
عندما سؤل البروفيسور بيلامكوندا عن المجالات التي يمكن أن تفيد فيها التقنية الجديدة أجاب قائلاً: «في الواقع هناك عدد كبير من الأورام التي تستجيب إلى هذا المبدأ العلاجي من سرطان الثدي إلى البروستات إلى أورام البنكرياس، مما يعني أن هذه الأورام تحب النمو على التراكيب الصناعية الشبيهة بالألياف إذا أتيحت لها الفرصة لذلك».
حتى اليوم لم يتم تجريب الجهاز سوى على الفئران، لكن تصنيفه الخاص كإنجاز مبدع يجب أن يعجل من الموافقة على استخدامه في التجارب على البشر من خلال وضع فريق البحث على اتصال مباشر مع وكالة الغذاء والدواء الأميركية، ويأمل الفريق ببدء التجارب البشرية خلال وقت لاحق من عامنا الحالي.

 

وفي الختام.. يبدو أن هذا الجهاز الجديد قد حقق نجاحاً معنوياً باهراً حتى قبل الدخول إلى مجال التجارب العلاجية البشرية، فقد مثل دليلاً واضحاً على أهمية التفكير خارج الصندوق لحل المشاكل التي تبدو مستعصية عند النظر إليها من زاوية معينة، كما أن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا التعاون والتكامل بين الباحثين في المجالات المختلفة من العلوم الهندسية والطبية.
 

ذات علاقة