التربية والتعليم ودخول المدارس كما اتباع البرامج التنموية بالإضافة لرعاية وتطوير المواهب وبعدها الدخول والتخرج من الجامعات، كلها أشياء نرى فيها السبيل الأفضل لتحقيق غايتنا الأهم وهي إنشاء أبنائنا وتهيئتهم للحياة بما يضمن أفضل مستوى معيشي ومستقبل يمكن أن نحققه لهم، ولكن بالحديث عن رفع المستوى المعيشي وضمان المستقبل كهدف ألا يعتبر الوضع المالي ولاقتصادي لأبنائنا عماداً لهذا الهدف أو وسيلة لبلوغه وجزءً من مكوناته؟ وبالتالي أليس من الأجدى لو نعلمهم الوسائل الأفضل لإدارة المال ككيفية توفيره وادخاره في الحاضر وأوقات الوفرة لتوظيفه في أشياء مرغوبة في المستقبل أو الاستفادة منه في الأوقات العصيبة؟.


ذات صلة


أهمية أن نعلم الطفل سلوك الادخار والتوفير

لا تقتصر مسألة تعليم الطفل لسلوكيات التوفير على جمع قدر من المال وإنفاقه لاحقاً لتحقيق رغبة أو فائدة معينة، وإنما هذه السياسية لها بعد تربوي وأخلاقي عندما تمارس بالشكل الصحيح والمعقول، ولها أثر في عمق شخصية الطفل من حيث تنمية بعض الصفات الجيدة، ويمكن ذكر بعض فوائد هذه السياسية المادية والتربوية[1]:

الفوائد المادية لسياسية الادخار والتوفير عند الأطفال

- تحقيق بعض الرغبات التي لا يكفيها المصروف اليومي: لا حدود لرغبات الأطفال وحاجاتهم ولا حدود لأمنياتهم القريبة والبعيدة، ففي كثير من الأحيان يرغب الطفل بالحصول على أشياء قد لا يكفي مصروفه[2] لجلبها مثل بعض الألعاب غالية الثمن أو ملابس معينة وأشياء أخرة، وتعلم الطفل لسياسة الادخار من مصروفه يتيح له الفرصة لجمع المبالغ التي تحتاجها مثل هذه الرغبات.

- ضبط مصاريف الطفل: فالأطفال الصغار لا يرون في النقود ومصروفهم سوى وسيلة للمتعة وتحقيق رغباتهم المباشرة من الألعاب وبعض الأطعمة المخصصة لهم والحلويات، فكل ما يحصلون عليه من مصاريف ينفقوه على مثل هذه الأشياء، وسياسة التوفير تجعله يتعلم كيف يقيم ما هو معه وبالتالي ما الأشياء التي سوف ينفقه عليها ويقوم بعملية حسابية يقدر فيها ما المبلغ الذي يمكنه توفيره منها وما الذي سوف يصرفه.

- يجنب الطفل تعلم سلوكيات التبذير: فنتيجة لقلة الخبرة وعدم إدراك الطفل بشكل تام مصدر الأموال التي يحصل عليها كمصاريف من ذويه أو المسؤولين عن رعايته قد يفهم أن هذه الأموال موجودة بطبيعة الحال وهناك غيرها سوف يأتي عندما تنفذ بالتأكيد وبالتالي تجده يبددها ويبذرها بأي طريقة دون أي اعتبار لقيمتها، وتعلمه للتوفير والادخار تحد من هذه المسألة وتطور فكرته عن المال وتنمي طريقته في التعامل معه وإدارته له.

فوائد معنوية لتعليم الطفل سلوك التوفير والادخار 

- الطفل يتعلم الصبر من خلال التوفير: عملية التوفير والادخار بشكل عام تقوم على جعل جزء من موارد الطفل المالية تتراكم لتتحول إلى مدخرات تزيد بشكل دائم حتى تصبح مبلغ كبير يمكنه استغلاله في تحقيق بعض الأشياء التي يرغب بها وتحتاج مبلغ أكبر من مصروفه العادي، وهذه العملية تتطلب من الطفل أن ينتظر فترة حتى يتجمع لديه المبلغ المطوب وبالتالي يتعلم الصبر خلال هذا الانتظار.

- يشجع الطفل على الاعتماد على نفسه: فعندما يرى الطفل أن تجميعه وادخاره لأمواله يتيح له تحقيق الكثير من رغباته وأمنياته البسيطة دون الحاجة إلى أحد، تعتبر هذه المسألة خطوة في استقلاله وتعلمه كيف يعتمد على نفسه ولا يحتاج مساعدة الآخرين في شؤونه البسيطة.

- يجعل الطفل يقدر أكثر قيمة النقود: وهنا تأخذ سياسة الادخار عند الطفل بعداً تربوية يجعله يفهم قيمة المال وكيفية التعامل معه وبالتالي استغلاله بالطريقة الأفضل التي تحقق له أكبر قدر من حاجاته ورغباته دون الحاجة للمساعدة أو حتى الاتكال على ذويه في تحقيق هذه الأشياء، وبهذا يطور طفلك أفكاره الاقتصادية ويتعلم كيف يدير موارده ويستغلها
 

ذات علاقة


هل يتحول التوفير إلى بخل عند الطفل؟

إدارة المال من حيث توفيره وادخاره في الحاضر للاستفادة منه واستغلال تراكمه في وقت لاحق هي وسيلة تختلف من حيث أهدافها ودوافعها وبالتالي فوائدها ونتائجها، ولكن عندما تصبح هذه الوسيلة غاية بذاتها والدافع لها تجميع المال فقط، تصبح هذه المسألة مشكلة بذاتها ينتج عنها العديد من السلبيات على الصفات الشخصية للطفل:

سياسية التوفير قد تعلم الطفل البخل: في بعض الحالات التي يتعلق فيها الطفل بفكرة التوفير والادخار بشكل مبالغ فيه وتترافق هذه الحالة مع ظروف وعوامل خاصة يمكن أن تساهم في تنمية صفة البخل لديه، فهو لا يريد أن يصرف أي شيء وكل ما يحصل عليه يريد توفيره وربما يغضب وينزعج إذا أقترب أحد من أشيائه أو أمواله أو طلب منه شيء ما يضطره للإنفاق. اقرأ مقالنا عن البخل عند الأطفال.

قد يحرم الطفل نفسه الكثير من الأشياء في سبيل التوفير: مصروف الطفل له وظائف عديدة على مستوى حاجاته وتحقيق رغباته ومن الخطأ أن يحرم الطفل نفسه من هذه الأشياء، وسياسية التوفير عند الأطفال إلى درجة مبالغ فيها قد تحرمه الكثير من هذه الأشياء مثل اللعب وبعض أنواع الغذاء وهذه المشكلة لها آثار عديدة على شخصيته أو ربما صحته الجسدية والنفسية.

قد يساهم الادخار والتوفير في تنمية شخصية مادية: وهذه الشخصية تعطي المال الأهمية والأولوية الأكبر في الحياة وبالتالي قد يتعلم الطفل بسببها صفات مثل الانتهازية والاستغلال وحتى الرشوة عندما يكبر، وهذه الصفات المادية في شخصية الطفل بحد ذاتها لها آثار عديدة في مختلف المراحل العمرية له.

يمكن أن يتحول التجميع وزيادة المال إلى هدف بذاته: بهذه الحالة يفقد كل شيء قيمته وأهميته بالنسبة للطفل ولا يهتم إلا في زيادة مدخراته دون هدف واضح أو حقيقي يسعى إليه أو تحديد سقف لهذه المدخرات فجمع المال هو الهدف بذاته، وهذا بالتالي يجعل المدخرات تفقد قيمتها فهي لا تسعى لغاية أو فائدة معينة مرجوة.

الأنانية وسياسية التوفير والادخار: صفة الأنانية هي شكل من أشكال الشخصية المادية وهي قد تتطور في سلوك وشخصية الطفل نتيجة عكسية للمبالغة في عملية وسياسية التوفير التي يتبعها، فكل ما حوله هو له بهدف تكبير حجم ثروته وزيادة مدخراته.
 

كيف يمكن تعليم الادخار للطفل بالطريقة الأفضل؟

الطبيعة النفسية للأطفال ومستوى وعيهم الإدراكي وقلة خبرتهم في التخطيط للمستقبل تجعلهم أقل اهتماماً في اتباع سياسات تنظيمية تساعدهم في ادارة شؤونهم والتخطيط لها، فنجدهم مثلاً يصرفون كل ما يحصلون عليه من أموال للمتعة والتسلية دون الشعور بالمسؤولية تجاهها[3]، ويمكن خلال عملية التربية علاج هذه المشكلة وغرس سلوك الادخار والتوفير في تصرفاتهم:

أشتري حصالة لطفلك: ويفضل أن يدفع ثمنها من مصروفه الشخصي فبهذه الحالة سوف يكون لديه دافعاً أكبر لاستخدامها والاهتمام بها ولا يتعامل معها على أنها لعبة، فقد اشتراها من ماله الخاص الذي لا يرغب بالتفريط به ويجب برأيه أن يستغل ما انفق ماله عليه.

تحديد مصروف الطفل: فإذا كان كبير فإنه لن يجد فائدة من الادخار منه وإذا كان قليل فلن يتمكن من توفير أي مبلغ فهذا المصروف لن يغطي حاجاته في الأساس حتى يتمكن من الادخار منه، لذلك يجب أن يكون المصروف محسوب بشكل جيد من حيث حجمه ومقداره.

ربط عملية الادخار بغاية أو حاجة لدى الطفل: من ناحية فإن وجود الغاية يشجع الطفل على الادخار ومن ناحية أخرى يجعله يشعر بقيمة سياسية التوفير والادخار عندما يحقق غايته وهدفه.

شجع طفلك بأن تضع له بعض النقود في حصالته من غير مصروفه: فهذه المسألة سوف تترك أثر طيب لديه وتعتبر مبادرة مساعدة ودعم خارجية سوف تحفزه على الاستمرار في ادخاره.

يجب أن يتعلم الطفل أن ادخار جزء من نقوده لا يعتبر غاية بذاته: وإنما وسيلة لتحقيق غايات أخرى في وقت لاحق حتى لا يصبح لديه شخصية مادية تهتم بالمال بحد ذاته.

يجب احترام مدخرات الطفل وعدم الاقتراب منها: وإعطائه الحرية في التصرف بمدخراته ضمن حدود معقولة فهي تمثل ملكيته الخاصة وحقه وحده.

يجب أن يتعلم الطفل كيف يؤجل رغباته الحالية: في سبيل تحقيق أهداف أهم بالمستقبل فغريزة الطفل وطبيعته تدفعه لصرف المال ويجب أن يتعلم كيف يحارب رغباته وغرائزه في سبيل مصالحه.

تحديد سقف لنسبة ما سيوفره الطفل بشكل يومي: فقد يتعلم الطفل بسبب المبالغة في سياسة التوفير صفات سلبية مثل الطمع والاستغلال أو البخل أو حتى سرقة المبالغ البسيطة من الأهل ليضعها في حصالته، وتحديد سقف لهذا الادخار يجنبه هذه الصفات والسلوكيات.

الزيادة في الشيء مساوية لنقصانه من حيث المحصلة النهائية، وهذه من القوانين الحياتية الشائعة في الأمثلة الشعبية والعبر الإنسانية، وعندما نسقط هذا القانون على التوفير والادخار كتقنية لإدارة المال والتعامل معه، نجد أن المبالغة فيها تؤدي لنمو العديد من الصفات السلبية في شخصية الطفل كالبخل والطمع والأنانية والتي تحرمه الاستمتاع بحياته، كما نجد عند عدم اتباعها تعلم الطفل للتبذير والإهمال بما يجعله غير قادر على إدارة شؤونه وبالتالي تحقيق رغباته والوصول لغاياته، وهنا نجد أن الاعتدال هو السبيل الأمثل الذي يحقق الهدف ويجنب الضرر في عملية الادخار.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال "أفضل عشر طرق لتعليم الطفل عن إدارة المال" منشور في allbusiness.com، تمت مراجعته بتاريخ 23/7/2019.
[2] مقال "أساسيات مصروف الجيب" منشور في raisingchildren.net.au. تمت مراجعته بتاريخ 25/7/2019. 
[3] مقال "الطفل والادارة المالية" منشور في cambridge-credit.org. تمت مراجعته في 23/7/2019.