نعلم جميعاً أن الرغبة الجنسية لدى المرأة أمر في غاية التعقيد، فهي شديدة الارتباط بعوامل متنوعة مثل العمر والحالة النفسية والصحية، بل حتى تاريخ كل يوم بالنسبة للدورة الشهرية، لذلك كان من الصعب وضع تعريف واضح للرغبة الجنسية أو معيار موحد يمكن حسابه لتحديد ارتفاعها أو انخفاضها، إذ قد يزداد عدد مرات ممارسة الجنس بين المرأة والزوج دون أن يكون ذلك دليلاً على رغبتها به، إنما يكون مجرد تأدية واجب زوجي معتاد مثل باقي الأعمال المنزلية اليومية.
في المقال التالي سنسلط الضوء على أبرز الأسباب التي قد تسلب المرأة من متعة العملية الجنسية، والأعراض التي تشير إلى وجود البرود الجنسي لدى المرأة.
 


الأسئلة ذات علاقة


جسد المرأة والبرود الجنسي

العوامل الجسدية المؤثرة على الرغبة الجنسية
الشبق الجنسي (Libido) هو أولاً وآخراً عملية حيوية طبيعية، تعتمد على التفعيل المشترك والمتزامن لعدد من الهرمونات والنواقل العصبية الدماغية، إضافة إلى توسع الأوعية الدموية في المنطقة التناسلية الأنثوية وتدفق الدم ضمن غددها السطحية، مما يزيد مفرزاتها التي تعلن استعداد المرأة للبدء بممارسة النشاط الجنسي، ولذلك يمكن أن يؤدي أي اختلال في العملية السابقة إلى نقص الرغبة الجنسية أو فقدان سلاسة العملية الجنسية ومتعتها، نذكر من الأسباب الجسدية:


الألم أثناء ممارسة الجنس: يعرف هذا الألم في الأوساط الطبية باسم عسر الجماع (Dyspareunia) وهو إما أن يكون ألماً سطحياً ناتجاً عن التهابات في منطقة الفرج أو المهبل أو جفاف في المفرزات بسبب التقدم في السن أو الإسراع في الإيلاج قبل قضاء وقت كاف في المداعبة والتحضير للجماع.
كما أن هذا الألم قد يكون عميقاً في منطقة الحوض أو البطن عندما تكون المشكلة هي التهاباً عميقاً قديماً حول المبيضين والرحم، تدعى هذه الحالة باسم الداء الحوضي الالتهابي (Pelvic Inflammatory Disease) وهو بحاجة إلى فحص طبي نسائي لتقدير المنطقة المصابة والخيارات العلاجية المثلى.


بعض الأدوية القاتلة للرغبة الجنسية: مثل مضادات الاكتئاب والصرع والأدوية المهدئة والمنومة.


الأمراض الجسدية المنهكة: هناك طيف واسع من الأمراض الجسدية التي قد لا تؤثر على عمل جهاز التكاثر بشكل مباشر، إلا أنها تضعف الجسد أو تسبب آلاماً معممة تسلب المرأة رغبتها بالجنس أو متعتها أثناء القيام به، ومن هذه الأمراض نذكر الداء السكري، السرطانات، الأمراض القلبية والعصبية والتهابات المفاصل والأورام السرطانية.


 داء البطانة الرحمية الهاجرة (Endometriosis): وهو مرض قليل الشيوع إلى حد ما، إلا أن أهميته تكمن في مضاعفاته التي قد تكون خطيرة على الصحة الجنسية والإنجابية، ففي هذا المرض تخرج مجموعة من الخلايا من بطانة الرحم وتنتقل إلى مكان من جوف الحوض خارج الرحم (وهو المبيض غالباً) مما يؤدي إلى حدوث نزوف داخلية قليلة مع آلام بطنية شديدة خلال أيام الطمث من كل شهر، كما يشتهر هذا المرض باسم مرض العسرات الثلاث: عسر الطمث (أي الألم خلال أيام الطمث بشكل خاص وقد يمتد إلى الأيام القليلة التالية) وعسر التغوط (أي الألم عند الذهاب إلى المرحاض) وعسر الجماع الذي عرفناه في السابق.


العادات الصحية السيئة: بما أن الصحة الجنسية إحدى مكونات الصحة الجسدية بشكل عام، من الممكن أن تتأثر بالنشاطات المؤذية مثل التدخين الذي يقبض الأوعية الدموية وينقص من تدفق الدم إلى المنطقة التناسلية جاعلاً الإثارة الجنسية أصعب، وحتى شرب الكحول الذي يعتبره البعض منشطاً جنسياً للمرأة عند تناوله بمقادير معتدلة، إلا أن إدمان الكحول يقضي على الرغبة الجنسية مع الزمن.


العمليات الجراحية السابقة: مثل عمليات استئصال الكتل الورمية في الثدي أو المنطقة التناسلية، إذ قد تؤدي إلى اهتزاز ثقة المرأة بنفسها وعدم شعورها بالرضى عن جسدها، فتتجنب العلاقة الجنسية حتى لا تضطر لرؤية جسدها، أو حتى تتجنب رؤية زوجها له.


تشويه الأعضاء الجنسية: أو ما يسمى "ختان الإناث" وهو عادة محلية شائعة في العديد من البلدان، يتم فيها تشويه فرج الفتاة منذ الطفولة للقضاء على رغبتها الجنسية بسبب الاعتقاد السائد بكون هذه الغريزة أمراً معيباً وغير شريف، مما قد يخلف آثاراً مدمرة على الصحة النفسية والجسدية للمرأة عند البلوغ.


الإرهاق الجسدي في آخر اليوم: من الطبيعي أن المرأة ستشعر بالتعب في نهاية اليوم إذا أمضت يومها في العمل والأعمال المنزلية اليومية بالإضافة إلى الاعتناء بأطفالها، فبعد القيام بهذه النشاطات من الصباح وحتى الليل لا يمكن أن نتوقع منها أن تكون متشوقة لشيء سوى الحصول على قسط من الراحة.
 

ذات علاقة


الأسباب الهرمونية للبرود الجنسي عند النساء

التغيرات الهرمونية ودورها في البرود الجنسي
الهرمونات هي مواد كيميائية تفرزها عدد من الغدد وتلعب دوراً منظماً لجميع العمليات الحيوية، التي تقوم بها أجهزة الجسد المختلفة، يمكن للتغيرات الهرمونية التي تحدث في جسم المرأة أن تغير في الرغبة الجنسية زيادة أو نقصاناً ومن الأمثلة على ذلك:
سن اليأس: تبدأ مستويات الهرمونات الجنسية الأنثوية بالتذبذب والتراجع في السنوات التي تسبق سن اليأس، وهذا ما يؤدي إلى انخفاض الشبق الجنسي ونقص كمية المفرزات المهبلية التي تسهل عملية الجماع، لذلك تميل الكثيرات إلى تجنب ممارسة الجنس في هذه المرحلة، أما اللواتي يتابعن الجماع بشكل منتظم يمكن لهن ملاحظة الفرق في المتعة بين الجنس في سنوات الشباب عنه في مرحلة منتصف العمر.


الحمل والإرضاع: وذلك لأن التبدلات الكبيرة في مستويات الهرمونات الجنسية خلال فترة الحمل وما بعد الولادة تؤدي إلى تراجع الرغبة الجنسية لبعض الوقت، ومن أهم الهرمونات المؤثرة في هذه المرحلة هرمون البرولاكتين (Prolactin) الذي يرتفع خلال أشهر الحمل الأخيرة وخلال فترة الإرضاع، ويلعب دوراً هاماً في نضج الغدد المنتجة للحليب وإفراز الحليب بعد الولادة، إلا أنه يثبط الشهوة الجنسية الأنثوية.
ومن الأسباب الأخرى للبرود الجنسي في فترة الحمل والإرضاع لا يمكن أن نغفل تأثير مشاق الحمل والآلام في المنطقة التناسلية خلال الأسابيع القليلة التالية للولادة ريثما يعود كل عضو إلى حجمه الطبيعي، إضافة إلى الانشغال بالمولود الجديد ومستلزماته والقلق إزاء هذه المسؤولية الجديدة.


الدورة الشهرية: تعلم جميع النساء أن الرغبة الجنسية ليست بنفس المستوى خلال الشهر، فهي تكون في أعلى مستوياتها قبل الطمث (الحيض) بحوالي أسبوعين خلال أيام الإباضة التي يمكن أن يحدث خلالها حمل، كما تكون الرغبة قليلة أو منعدمة قبل الطمث مباشرة أو خلاله، وخاصة عند النساء اللواتي يعانين من متلازمة ما قبل الطمث (PMS).
 

الأسباب النفسية 

إلى أي درجة يمكن للأسباب النفسية أن تؤثر في الرغبة الجنسية؟
في الكثير من الأحيان تشكو المرأة نقص الرغبة الجنسية أو الانزعاج من ممارسة الجنس دون وجود سبب جسدي واضح، لذلك لا بد من الحوار الصريح والشفاف بين الزوجين لمحاولة الوصول إلى أصل المشكلة، كما قد يفيد العلاج النفسي في تحديد الأسباب النفسية الدفينة التي تتظاهر جسدياً بالنفور من الجنس أو عدم الشعور بالحماس تجاهه، فيما يلي نذكر عدداً من الأمثلة النفسية:
الاكتئاب: هو أهم الأسباب النفسية وأكثرها شيوعاً ليس فقط في البرود الجنسي، بل في الطيف الأعظم من الاضطرابات الجنسية.
القلق: على الجانب النفسي المناقض للاكتئاب، قد يكون القلق والخوف من الجنس هو السبب في عدم تفاعل المرأة مع الشريك خلال العملية الجنسية، كما قد يكون هذا القلق نابعاً من الثقافة الشعبية السائدة في بعض المجتمعات، والتي تربط عفة المرأة بكونها كائناً مطيعاً مستسلماً وغير متفاعل مع الزوج خلال الجماع.
الخيانة الزوجية: إذ تفقد المرأة رغبتها في ممارسة الجنس مع زوجها عند الشك بكونه يخونها أو بعد أن يتزوج من امرأة أخرى مثلاً، كما أن خيانة الزوجة للزوج تؤدي إلى نتائج مشابهة بسبب الشعور بالذنب أو القلق من اكتشاف هذا الفعل.
صدمة نفسية سابقة: مثل تعرض المرأة إلى التحرش الجنسي أو الاغتصاب في الماضي، مما يجعلها تستعيد بذاكرتها ذلك المشهد المزعج في كل مرة تحاول فيها ممارسة الجنس مع الزوج.
الخلافات الزوجية: إذ ترتبط الرغبة الجنسية للمرأة بشعورها بالثقة والتفاهم مع الزوج، أما المشاكل العالقة بدون حل فقد تبقى في رأسها حتى يتم الوصول إلى تفاهم حولها.
الخجل من الزوج: فالتفاهم والشفافية والحديث عن الرغبات بدون خجل من الأمور الأساسية للسعادة الزوجية بشكل عام والجنسية بشكل خاص.


وفي الختام.. يجدر بنا أن نذكّر بكون الغريزة الجنسية أمراً معقداً إلى حد كبير ومعتمداً على طيف واسع من العوامل الجسدية والنفسية، لذلك يجب الحديث بشكل معمق حول أصل المشكلة والبحث عن أسبابها قبل اتهام الزوجة بالبرود والتقصير في تأدية الواجبات الزوجية، فهذا يزيد المشكلة سوءاً ويخلق جواً من التوتر والقلق بدلاً من الوصول إلى حل، كما سنتحدث في مقال لاحق حول الحلول والعلاجات لبرود المرأة الجنسي، بانتظار تساؤلاكم، وتعليقاتكم.