يُعتبر تعداد الصفيحات الدموية (Platelet Count) في الدم واحداً من المعايير الهامة في تقييم حالة مرضى السرطانات والحالات المؤهبة للنزف الداخلي، وذلك نتيجة الدور الهام والمحوري الذي تلعبه هذه الصفيحات في حمايتنا من النزف حتى الموت، إضافة إلى تأثر قيمتها ببعض السرطانات مما يوجه إلى تشخيص هذه الأورام.
في هذا المقال سنتعرف إلى آلية عمل الصفيحات الدموية، والاضطرابات التي تترافق مع تغير تعدادها زيادة أو نقصاناً.
 


الأسئلة ذات علاقة


ما هي الصفيحات الدموية؟ وكيف تعمل؟

يتكون دم الإنسان من عدد كبير من المركبات التي يلعب كل منها دوراً مميزاً ومتكاملاً مع المكونات الأخرى، وتنقسم مكونات الدم بشكل أساسي إلى: المصورة الدموية أو البلازما (Plasma) وهي سائل شفاف تسبح فيه مواد كيميائية متنوعة مثل السكر والشحوم الثلاثية والهرمونات والمعادن... والقسم الثاني هو العناصر الخلوية التي هي الكريات الحمراء المتخصصة بنقل الأكسجين إلى مختلف خلايا الجسم، الكريات البيضاء المسؤولة عن الدفاع عن الجسم ضد العوامل الممرضة الحية أو غير الحية، والصفيحات الدموية التي هي موضوعنا الرئيسي.

الصفيحات الدموية (Thrombocytes)؛ خلايا دموية صغيرة الحجم تلعب الدور الأهم في عملية إيقاف النزف وتشكيل الخثرة الدموية أو الجلطة (Blood Clot)، فعندما يتعرض وعاء دموي ما إلى أذية أو تمزق صغير تقوم الصفيحات الدموية بإرسال تنبيه عبر الدم، ومن ثم تتزاحم الصفيحات إلى مكان النزف لتتجمع ضمنه وتشكل سدادة توقف النزف بعد فترة قصيرة؛ مما يمنع خسارة الدم الشديدة أو انتقال الجراثيم إلى الأوعية الدموية المفتوحة.
تدعى عملية انتشار الصفيحات الدموية لتغطية المساحة المتضررة من الوعاء الدموي باسم التصاق الصفيحات (Platelet Adhesion)، إذ يصبح السطح الخارجي للصفيحة قابلاً للالتصاق وتخرج منه زوائد تشبه الأذرع الصغيرة لتتماسك الصفيحة مع الصفيحات المجاورة ومع سطح الوعاء الدموي حول منطقة الأذية.
بعد ذلك تأتي صفيحات إضافية إلى منطقة الأذية بسبب الإشارات الكيميائية التي أرسلتها الصفيحات المجاورة لمنطقة الأذية، وتحدث المرحلة الثانية من تشكُّل الخثرة الدموية التي تدعى باسم مرحلة التراكب (Aggregation)، إذ تزداد سماكة السدادة الدموية وحجمها لتصبح أكثر متانة وتحمي الوعاء الدموي من تطور الأذية أكثر من ذلك.
إضافة إلى ما سبق، تحرر الصفيحات الدموية بروتينات لاصقة في موقع الخثرة، أهمها المعروف باسم الفيبرين (Fibrin)، وهو بروتين بشكل خيوط تتجمع سوية وتندخل ضمن كتلة الصفيحات لتثبت السدادة في مكانها.
 


عدد الصفيحات الدموية

ما هو عدد الصفيحات الطبيعي؟ وما هي دلالات تغيره؟
يختلف عدد الصفيحات بشكل كبير بين شخص وآخر أو حتى لدى الشخص نفسه في مراحل مختلفة، إذ يتغير التركيز صعوداً وهبوطاً لدى المرأة خلال الشهر بسبب الدورة الشهرية، كما أنه ينخفض في الثلث الأخير من الحمل، لكن المجال الطبيعي لقيمته هو 140-450 ألف صفيحة دموية في كل ميكرو لتر من الدم، وتتناسب شدة الأعراض مع درجة النقص في عدد الصفيحات على الشكل التالي:
- 20-50 ألف صفيحة في الميكرو ليتر: يزداد احتمال حدوث النزيف عند الإصابة.
- تحت 20 ألف صفيحة دموية: يزداد احتمال النزف مع الأذية بشكل كبير، ويحدث النزف حتى بدون أي أذية جسدية.
- تحت 5000 صفيحة دموية: تحدث النزيف بشكل تلقائي، ويكون شديد بشكل يهدد حياة المريض.

ماذا يحدث إذا ازداد عدد الصفيحات عن الحد الطبيعي؟
تعرف هذه الحالة باسم فرط الصفيحات (Thrombocytosis)، وهناك نوعان من فرط الصفيحات:
- فرط الصفيحات الأولي أو الأساسي (Essential Thrombocytosis):
حالة مرضية غير معروفة الآلية تقوم فيها مراكز إنتاج الصفيحات الدموية داخل نقي العظم بإنتاج كمية إضافية من الصفيحات دون وجود مبرر لهذه الزيادة.
- فرط الصفيحات الثانوي (Secondary Thrombocytosis): تزداد الصفيحات عن الحد الطبيعي بشكل مشابه لفرط الصفيحات الأساسي، ولكن الفرق هو كون الزيادة ناتجة عن حالة مرضية ما، مثل فقر الدم أو السرطان أو الالتهابات.
تمر هذه الحالة دون أعراض أحياناً، وإذا سببت أعراضاً فتكون ناتجة عن تخثر الدم في الطرفين العلويين أو السفليين، وإذا لم يتم علاجها بشكل مبكر فقد تنتقل عبر الدم لتحدث نوبات قلبية أو سكتة دماغية، لذلك يتم إجراء عملية تدعى غسيل البلازما أو فصادة الصفيحات (Platelet Pheresis)، حيث تُخفض عدد الصفيحات عبر سحب الدم من المريض وإزالة الصفيحات منه ثم إعادته مرة أخرى إلى جهازه الدوراني.
في فرط الصفيحات الثانوي تكون الأعراض عادة مرتبطة بالمرض المسبب وتتحسن بتحسنه، لذلك يعتمد العلاج هنا على علاج فقر الدم أو الالتهاب الذي أدى إلى ارتفاع الصفيحات، ولا يتم إجراء فصادة الصفيحات إلا في الحالات الشديدة.
 

أسباب نقص الصفيحات

ما الذي يسبب نقص عدد الصفيحات الدموية؟ وما هي أعراضه؟
تشمل أعراض فقر الصفيحات (Thrombocytopenia) حدوث الكدمات على الجسد بعد تلقي ضربات خفيفة، ونزفاً متكرراً من الشفتين أو الأنف أو الجهاز الهضمي، ينخفض عدد الصفيحات عندما يؤدي سبب ما إلى منع الجسم من إنتاج صفيحات جديدة، أو إلى استهلاك الصفيحات بشكل أكبر من قدرة الجسم على إنتاجها، وهناك مجال واسع من الأسباب المؤدية إلى نقص الصفيحات نذكر منها:
- بعض الأدوية: مثل بعض المضادات الحيوية ومضادات التخثر.
- الحمل: هنا يكون نقص الصفيحات طفيفاً، ويعود تعداد الصفيحات إلى قيمته الطبيعية بعد الولادة.
- إنتان الدم: أي وجود الجراثيم في الدم، مما يؤدي إلى تخريب الصفيحات الدموية بشكل سريع.
- بعض الأمراض المزمنة: مثل القصور الكلوي وأمراض الدم الانحلالية.
- ضخامة الطحال: الطحال (Spleen) عضو موجود في البطن يمر الدم من خلاله لتتخرب ضمنه المكونات الدموية التي انتهى عمرها، وتؤدي زيادة حجم الطحال في بعض الأمراض مثل فقر الدم المنجلي أو الليشمانيا إلى احتجاز كمية إضافية من الكريات الحمراء والصفيحات وتخريبها مما يؤدي إلى انخفاض عددها.
- السرطان: مثل ابيضاض الدم (Leukemia).
 

اضطراب عمل الصفيحات

اضطراب عمل الصفيحات وأسبابه وأعراضه
يُعتبر الأسبيرين (Aspirin) أهم الأدوية المسببة لاضطراب عمل الصفيحات، فهو يثبط إحدى مراحل تحولها إلى الشكل الفعال القابل للالتصاق، وهذا ما يجعله فعالاً لعلاج الأمراض المتعلقة بتخثر الدم مثل الجلطات الدماغية أو احتشاء العضلة القلبية، إذ يتم إعطاؤه مباشرة في غرف الإسعاف عندما يأتي مريض يعاني من ألم قلبي شديد يدفع للشك بحدوث نوبة قلبية.
لا يؤدي الأسبيرين إلى شل الصفيحات الدموية بشكل كامل إنما يخفض احتمال حدوث الخثرات ضمن الأوعية الدموية، لذلك يمكن تناوله بشكل يومي وبأمان دون الخوف من حدوث نزوف، وهو يصبح خطيراً فقط لدى المرضى المؤهبين للنزف مثل المصابين بالناعور أو المصابين بفقر الصفيحات، فهم يحتاجون لعمل جميع الصفيحات بشكل فعال حتى لا تحدث النزوف.
 

كيف يتم تشخيص أمراض الصفيحات؟

عندما يشك الطبيب بحدوث اضطراب عدد الصفيحات يقوم بإجراء هذه الاختبارات لمعرفة حدوث نقص الصفيحات أو زيادته، وفيما بعد معرفة سبب هذا الاضطراب:
- تحليل الدم: تحليل الدم الكامل (تعداد عناصر الدم) يُحدَّد عدد الكريات الدموية الحمراء والبيضاء والصفيحات عبر سحب عينة دموية وتحليلها في المخبر، فإذا كان عدد الصفيحات في العينة الدموية منخفضاً (أقل من 150 ألف في الميكرو ليتر) نقول إن هذا الشخص مصاب بفقر الصفيحات.
- الفحص الجسدي والقصة المرضية: يقوم الطبيب بفحص أجهزة الجسم المختلفة، مع التركيز على تأمل الجلد وملاحظة الكدمات إن وجدت، كما قد يقوم بجس البطن ليرى إن كان الطحال متضخماً ضمنه، وهذا بعد أن يسأل عن تاريخ بدء ظهور الأعراض، أو وجود أمراض أخرى سبق تشخيصها قد ترتبط بشكل أو بآخر بتغير عدد الصفيحات، إضافة إلى الأدوية التي يتم تعاطيها واستهلاك الكحول.

وفي الختام.. نجد أن الصفيحات الدموية (على الرغم من صغر حجمها) عنصر هام من مكونات الدم لأنها تحمينا من حدوث النزوفات الداخلية والخارجية، كما أن قيمتها تعتبر مشعراً هاماً لا غنى عنه من أجل تقييم درجة بعض الأمراض المزمنة والخطيرة، واختيار الخطط العلاجية المناسبة لها.