إن مسامحة والدينا هي مهمة أساسية في مرحلة البلوغ، كما أنها واحدة من أكثر أنواع التسامح صعوبة، حيث نرى آبائنا في زملائنا وفي أصدقائنا وفي رؤسائنا بالعمل، وحتى في أطفالنا، عندما نشعر بالرفض من قبل أحد الوالدين ونبقى في تلك الحالة؛ سوف نشعر حتما بالرفض من قبل هؤلاء الآخرين المهمين في حياتنا أيضاً، ويقول عالم النفس روبرت كارين (Robert Karen) إن ترك آبائنا بعيداً عن المشاكل في حياتنا؛ هو الخطوة الأولى نحو السعادة وقبول الذات والنضج، في هذا المقال بعض الأفكار للمساعدة في بدء العلاج ومسامحة أهلنا على المشاكل التي تسببوا بها في حياتنا. 


ذات صلة


تبديد الاستياء من الوالدين

حل مشكلة الغيظ والامتعاض بسبب الوالدين
حل مشكلة الاستياء تجاه أحد الوالدين هو الخطوة الأولى لمشكلة التعثر في حياتنا، فلن تبقى إلى الأبد الطفل الضحية، الذي تعرض للإهمال العاطفي بعيداً عن عالم الحب من قبل والديه أو أحد الوالدين، ومن الغريب أن الضغينة هي نوع من التشبث بسبب بحر العواطف الذي نتقلب في عُرضه نحن البشر، كما أنها وسيلة لعدم الانفصال، فعندما نحمل ضغينة ضد أحد الوالدين؛ فإننا لا نتشبث بالوالد فقط، ولكن بشكل أكثر تحديداً بالجزء السيئ من الوالد، ويبدو الأمر كما لو أننا لا نريد أن نعيش حياتنا حتى نحسم هذه الضغينة ونشعر بأمان حبهم غير المشروط، نحن نفعل ذلك لأسباب جيدة نفسياً، لكن النتيجة هي عكس ذلك تماماً: "نحن نبقى محبوسين في حالة سيئة ولا ننمو أو ننضج".. كما يقول كارين، وهناك إجراءات محددة يمكنك اتخاذها لمعالجة مشاعر الغضب والاستياء من والديك بطرق مفيدة:
1- تدرب على تحديد العواطف الكامنة وراء الغضب والتعبير عنها: مثل الأذى أو الخوف، حاول أن تكون حاضراً مع هذه المشاعر واقبل نقاط الضعف التي تثيرها.
2- كن حاضراً بوعي مع غضبك والاستياء: راقب مشاعرك وأمسك بها.
3- حدد كيف كنت قد ساهمت في الموقف (المواقف) التي كنت غاضبا أو مستاء منه: كن على دراية بأن الأشخاص (بمن فيهم أنت) يلعبون دوراً في الظروف التي يكونون فيها غاضبين و / أو يشعرون بالاستياء تجاهها.
4- التعبير عن الغضب والاستياء بشكل مختلف: شارك هذه المشاعر مع أفراد آمنين وداعمين تثق بهم، يمكنك الكتابة كذلك ممارسة الرياضة أو المشي أو الركض أو المشي، يمكنك أن تشارك في الأنشطة التي تعزز العدالة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أشكال النشاط اللاعنفي.
5- تعلم ممارسة الاسترخاء وتقنيات التهدئة الذاتية: ومن الأمثلة على ذلك التنفس بعمق والتأمل واليوغا.
6- حاول أن تتدرب على معاملة الأشخاص الذين تشعر بالغضب تجاههم أو تشعر بالاستياء تجاههم برفق وعطف: لاحظ ما يحدث عندما تغير طريقة تصرفاتك تجاههم، فغالباً ما يغيرون كيفية تصرفهم تجاهك.
7- قاوم الرغبة في أن تكون قناة للغضب والاستياء من الآخرين: يمكن أن يكون الغضب والاستياء من الآخرين مغرياً، وقاوم الرغبة في الانضمام إلى سلبية المشاركة في القيل والقال.
8- ليس عليك أن تحب ما يحدث في الوقت الحاضر أو حدث في الماضي من أجل قبوله: لأن القبول سيحرر انتباهك وطاقتك من قيود الغضب والاستياء، مما يتيح لك أن تكون أكثر مهارة في الوقت الحاضر.
 

ذات علاقة


إعادة النظر في العلاقة مع الوالدين

تطوير التوقعات الواقعية من الوالدين
خطايا الآباء هي من بين أصعب الأخطاء التي يمكن أن تُغتفر، فنحن نرى العالم من خلالهم، كما لا نرغب في خفض توقعاتنا حولهم، بعد عقود من الزمان.. نتمسك بالأمل في غالب الأحيان دون وعي؛ في أن يقوموا أخيراً بما ينبغي أن يقوموا به؛ نريدهم أن يعترفوا بكل إساءاتهم ضدنا وأن يعتذروا، وأن يقدموا نيّات صادقة لطلب مغفرتنا، نريد أن يحتضننا والدانا؛ ليقولوا لنا أنهم يعلمون أننا أطفال طيبون، ويلغون المحسوبية والتمييز التي أظهروها ضدنا لصالح الأخ أو الأخت، كذلك التراجع والاعتذار عن انتقاداتهم المؤلمة لنا، وإعطائنا الثناء على كوننا كنا أطفالاً مطيعين رغم كل شيء.
هذا لا ينفعك في محاولة مسامحة والديك، فأنت ناضج الآن وتعلم أن الأبوة والأمومة هي واحدة من أصعب الوظائف، ويكون لوجود توقعات واقعية لنفسك وأطفالك هو واحد من أفضل الخيارات، التي يمكنك اتخاذها لتخفيف الآثار المستقبلية لخيبة أمل أطفالك بك، يجب أن تفكر ضمن هذا الإطار عندما تقرر مسامحة أهلك على الماضي، حيث لم يفلحوا في إيجاد طرق للعمل ضمن توقعاتك عنهم وضمن عمرك حينها وقدراتك أيضاً، يمكنك أن تستفيد مما حصل لأنه أحد مفاتيح الأبوة السعيدة لك الآن ومن أجل أطفالك، والأهم أنه رغم كل شيء.. لقد بقيت على قيد الحياة وتعلمت، وتفكر اليوم في الغفران لوالديك أو أحدهما على خطأ ارتكبه بحقك في الماضي، لذا وكي نساعدك قليلاً؛ تذكر أنت الآن ومن أجل أطفالك أنك:
1- سوف ترتكب أخطاء.
2- لا بأس في عدم توفر جميع الإجابات، والاعتراف بأنك لا تعرف دائماً ما تفعله.
3- لا تقارن نفسك بوالديك ولا بأي والدين آخرين، سيما في الوقت الحالي ووسائل التواصل الاجتماعي؛ تشن هجوماً يومياً على أعصابك من خلال قصص وصور يشاركها أسعد الآباء والأمهات في العالم الافتراضي!
4- كل لحظة مع طفلك هي تجربة تعليمية إيجابية بالنسبة لك.
5- سوف تتغير متطلبات الأبوة بمرور الوقت، ستصبح بعض الأشياء أكثر سهولة، وستصبح بعض الأمور أكثر صعوبة.
6- تذكر أن الأيام طويلة الآن، لكن السنوات ستكون قصيرة، وسيكون طفلك في هذه السن مرة واحدة فقط؛ استرخي واستمتع معه بقدر ما تستطيع، ومن المهم أن تعتني بنفس بقدر اهتمامك بطفلك.

التمسك بإيجابيات والديك
معظم الآباء يحبون أطفالهم، مع استثناءات قليلة! (نعم هناك من أنجب طفلاً إلى هذه الحياة ولا يحبه)، بطبيعة الحال.. لا يوجد والد مثالي أو أم مثالية، مما يعني أن كل شخص؛ لديه جروح في مرحلة الطفولة وآثار لإهمال عاطفي ما تعرض له، وإذا كنا محظوظين.. نستطيع دوماً تذكر النواحي الإيجابية حيث كان أهلنا في وضع جيد بما فيه الكفاية حتى نتمكن من تذكر ومعرفة مدى حبهم اللا-مشروط لنا وحبنا لهم، بذلك نستطيع مواجهة الأشياء التي فعلوها والتي أضرت بنا حتى اليوم، بالتالي الغفران لهم.

تعزيز الانفصال الحقيقي عن الوالدين
أن التسامح لا يعني التغاضي عن الأشياء السيئة التي قام بها آباؤنا، لا يعني هذا إنكار الأنانية التي مارسوها يوماً ما ضدنا، أو رفضهم لنا، أو معاناتهم بسببنا، أو أي من الأفعال السلبية الأخرى أو عيوب الشخصية أو القيود التي فرضوها علينا، لذا من المهم الانفصال عن آبائنا؛ أي التوقف عن رؤية أنفسنا كأطفال يعتمدون عليهم من أجل استكمال رفاهيتنا العاطفية، والتوقف عن أن نكون ضحاياهم، لنعترف بأننا بالغون مع بعض القدرة على تشكيل حياتنا وتحمل مسؤولية القيام بذلك.

دع والديك يعودان إلى قلبك
عندما نفعل ذلك، يمكننا أن نبدأ في فهم الظروف والقيود التي عانوا منها، والاعتراف بما سببناه لهم من آلام، بالتالي الشعور ببعض التعاطف معهم ربما، ليس فقط على الرحلة الصعبة التي قاموا بها، لكن للألم الذي تسببوا به لنا أيضاً.
 

الضغينة الدائمة ضد الأهل

كيف يمكنك البدء بمعالجة الضغينة ضد والديك؟
من الصعب تحمل ضغينة والديك... وأثار ذلك، تجربة الحب الواجب لهم والحزن أو الغضب تجاههم يمكن أن يصعّب حياتك كاملة ويضر بعلاقاتك مع الآخرين وأبنائك تحديداً، بالتالي فإن الأمر يستحق كل الوقت للعمل لحل مشكلة الضغينة والحقد بدلاً من تركها في غفوة داخلك، وفيما يلي بعض الطرق لمساعدتك على العمل مع الحقد والمشاعر السلبية ضد والديك:

1- اعترف بها: أول شيء يمكنك القيام به هنا.. هو الاعتراف بأن لديك ضغينة يصعب التغلب عليها، لذلك اعترف بكل ما تشعر به ضد والديك، حتى تلك المشاعر الصعبة (الكراهية).. لأن إخفاء المشاعر الصعبة تحت السجادة يجعل قلبك أثقل فحسب.

2- تحدث عن مشاعرك: حاول التحدث مع شخص ما عن هذه المشاعر، ربما صديق أو أخ أو شريك حياتك أو حتى معالج متخصص، لأن الدعم مهم جداً عند معالجة بعض المشاعر الصعبة والسلبية بعد فترة طويلة من حبسها في أعماقك.

3- واجه والديك: طبعاً.. المواجهة صعبة، لكنها تساعد بشكل كبير على إخراج الأشياء من صدرك، تحدث إليهم حول شعورك واحرص على صدقك أثناء القيام بذلك، كما عليك أن تحاول سماع ما يقولون، فقد تحصل على بعض الإجابات، حتى إذا لم يتم بذلك؛ أنت توصل مشاعرك إليهم علناً.. بدلاً من الاستمرار في إخفاءها.

4- حاول التعاطف: وحاول إخراجهم من قاعدة الأبوة المقدسة؛ لمدة دقيقة حاول أن تراهما مثلهم مثل الناس الآخرين، كذلك حاول وضع نفسك في مكانهم وأن تفهم وضعهم، قد يساعدك ذلك على فهم موقفهم وما الذي تسبب في سلوكهم ضدك، كذلك فهم سبب عدم قدرتهم على القيام بجهد أفضل، بالتالي هذا سيفتح بعض المساحة لمشاعرك وللشفاء والمسامحة طبعاً.

5- بعض الأشياء يصعب التخلي عنها؛ كونك ضحية أمر ربما.. يرضي غرور البشر في بعض الأحيان! وفي الوقت نفسه.. التعامل مع ماضيك سيسمح لك بالمضي قدماً في حياتك وبأقل عبء، ستلاحظ تغييراً في علاقاتك وفي نفسك، يمكنك محاولة العمل على مسامحة ذويك، وذلك لا يمنعك من الاستمتاع بحاضرك الجميل ومن صنع مستقبل أكثر جمالاً.

في النهاية.. الوصول وإيجاد الذات المتسامحة بداخلنا، هو رحلة طويلة ومعقدة.. يجب أن نكون مستعدين للتسامح، أي أن نريد الغفران بالفعل، وكلما كان الجرح أكثر عمقاً، أصبحت العملية أكثر صعوبة، مما يجعل مسامحة الوالدين أكثر صعوبة، وعلى طول الطريق.. قد نضطر إلى التعبير عن احتجاجنا، وقد يتعين علينا أن نكون غاضبين ونشعر بالضيق، كما قد نضطر حتى لمعاقبة آبائنا بالضغينة، لكن عندما نصل إلى هناك؛ فإن المغفرة التي نحققها ستكون مغفرة تستحق الحصول عليها.