قد لا يبدو مهماً بالنسبة لك أنك كبرت في ظل إهمال أو تجاهل عاطفي من قبل والديك، حيث أن الإهمال العاطفي لدى الأطفال (CEN) هو تجربة طفولة خفية.. غالباً ما تكون غير مرئية، وتحدث عندما يخفق والديك في ملاحظة مشاعرك أو الاستجابة لها بشكل كافي؛ يبدو الأمر غير ضار، لكنه مدمر عندما يفشل الوالدين أثناء قيامهم بتربية طفلهم بالانتباه لما يشعر، وهذا الفشل البسيط سيصبح جزءاً من حياتك إلى الأبد.. سنوضح من خلال هذا المقال الأخطار التي تتركها علامات الإهمال العاطفي، كذلك الدروس المهمة التي تتعلمها.. وأخيراً خطوات الشفاء من آثار الإهمال العاطفي.


الأسئلة ذات علاقة


مخاطر الإهمال العاطفي

 

مظاهر خطرة يتركها تجاهل الوالدين لعواطف الطفل 
 
فالنشأة مع عواطف تم تجاهلها تعني رسالة منقولة بصمت في أعمق أعماقك كشخص بالغ، حيث تقبل كطفل بصمت أن لا تكون مشاعرك مهمة، بالتالي يجب أن تحمي مشاعرك بنفسك حتى لا تبدو حزيناً أو متضرراً أو عاطفي أو محتاج لوالديك، فتكون ذاك البالغ مع نفس الصراعات الصامتة ونفس الأسئلة التي لا يتم الرد عليها، كذلك نفس الشعور العميق بأنك مختلف عن الآخرين، وينتهي بك الأمر لمواجهة:
 
أولاً: أنت مفصول عن مشاعرك والتي ينبغي أن تكون محفِزة لك، بالتالي تعيش بدون وصول كافٍ إلى نظام التغذية الرائع والقوي والمنعش لديك كفرد؛ أي عواطفك.
ثانياً: تظل مشاعرك المحفوفة بالمشاكل غير معالَجة وغير مُداراة، كذلك العواطف المحظورة تبقى بدون رقابة وربما تبرز في أوقات غير معقولة بالنسبة لك أو ربما نادرا ما تظهر، لكن بدلا من ذلك تجعلك تتخذ قرارات سيئة أو تتطور لديك مشاكل صحية مثل: الصداع أو آلام الظهر أو ما هو أسوأ من ذلك.
 
كل هذه الصراعات الصامتة تعمل معاً لإحداث بعض التأثيرات القوية على حياتك وهي: 
 
1- لن تحصل أبداً على ما تريد إلا صدفة: عدم معرفة ما تشعر به يجعل من الصعب عليك معرفة ما تريده، ذلك أن "الرغبة" هي شعور وليست فكرة، فهناك العشرات من الأشخاص الموهوبين القادرين على الانجراف في حياتهم، واتخاذ قرارات غير مناسبة لهم، أو الذهاب إلى حيث تأخذهم الحياة، في بعض الأحيان يحصلون على ما يريدون، لكن غالباً ما تكون مسألة مصادفة وليست خياراً.
 
2- لا تستطيع معرفة نفسك أبداً: عندما يتم فصلك عن مشاعرك؛ يتم حظر الجزء الأكثر عمقا من شخصيتك، ربما تكون جيداً في ملاحظة الأشخاص الآخرين والاهتمام بهم، لكنك لا تولي اهتماما لنفسك، في الواقع أنت تستمر في سحق نفسك الحقيقية بالطريقة التي اتبعها والديك (ربما عن غير قصد)، لكن لديك جروح وانتصارات كذلك خسارة وإنجازات، آلام وحب، غضب وسرور، حزن وبهجة، كل ذلك بداخلك.. وإذا كنت تستمع جيداً، سوف تتعلم من أنت حقاً.
 
3- تخفي جمالك: إنه من أكثر الأعراض المأساوية الثلاثة للإهمال العاطفي في مرحلة الطفولة، الذي يجعلك أكثر حزناً، قد يلاحظ آخرون مدى تميزك إلا أنك لا تستطيع رؤية هذا النور في داخلك، قد تتذكر في الماضي عندما فاجأت نفسك من خلال القيام بشيء كنت تعتقد أنه من المستحيل عليك أن تفعله؛ واجهت خوفك.. شعرت بتوهج دافئ وأنك شخص مهم، أو يوم واجهت ضعفك بطريقة شجاعة، فلو فكرت بعمق سوف تتذكر كل ذلك.. لأن تميزك كفرد هو نتيجة جيناتك وعواطفك وخبراتك الحياتية، لذا يستطيع أشخاص آخرون رؤية ذلك فيك على الرغم من إخفائه، كذلك وضع نفسك على الهامش أو محاولة البقاء غير مرئي؛ متجنباً الصراع والخوف من "التغيير" في حياتك وكلها طرق لإخفاء نورك الداخلي، وللأسف بينما تستمر في إخماد هذا النور؛ فإنك تحتجز نفسك في أن تكون أفضل ما أنت عليه كفرد.. هذا حقك وأنت تستحق الأفضل.
 
في المحصلة.. لقد كبرت مع تجاهل مشاعرك، والآن يجب عليك أن تفعل العكس تماماً، حيث يمكنك البدء على الفور؛ ببساطة.. الانتباه إلى مشاعرك، لكي تصبح أكثر أصالة مع نفسك الحقيقية وتعكسها على الملأ.
دروس التجاهل العاطفي
حقيقة الدروس التي ستتعلمها من الإهمال العاطفي خلال الطفولة
عندما لم ينتبه أحد إلى ما تشعر به أو ما تحتاجه بما يكفي كطفل، فأنت وكما قلت أعلاه؛ تتلقى رسائل سرية لم يتم تذكرها مطلقاً.. لكنها مع ذلك ستقود حياتك مستقبلاً وطوال حياتك، فهي صامتة وغير مقصودة وغير مرئية عادة، تتجذر في وقت مبكر وبشكل شديد خاصة عندما تمرّ في مرحلة المراهقة، فإنها تقوض الثقة بالنفس ومعرفة الذات التي ينبغي عليك تعلّمها في هذه المرحلة، كما أن هذه الرسائل تمنعك أثناء نموك إلى مرحلة البلوغ؛ من اتخاذ الخيارات والقرارات المناسبة لك، مثال: عندما تقوم بالدخول في علاقات وتقع في الحب؛ فإنها تمنعك من تقييم نفسك.. كذلك عندما يكون لديك أطفال وتربيهم فإنهم يثقلونك، بالتالي تشعر بالغموض حيال ما تفتقده وتتسأل لماذا؟!.. الطريقة الصحيحة هي أن تدرك أنك تعرضت فعلاً للإهمال العاطفي وأنت طفل، كذلك تتعرف على الآثار التي تصيبك أنت تحديداً ومن أين أتت بعض المشاكل المتعلقة بإهمال مشاعرك طفلاً؟ وبعد أن تحدثنا عن العلامات والمخاطر وقبل أن ندخل في إصلاح هذه التأثيرات؛ دعنا نتحدث عن أهم الدروس التي تعلمناها كبالغين تعرضوا للإهمال العاطفي في مرحلة الطفولة، بعد أن تعلّمنا هذه الدروس بشكل عكسي خاطئ؛ لا بد أن نفهمها الآن كأفراد راشدين تعرضوا للتجاهل العاطفي كأطفال، لنحاول الاستفادة منها:
ليس من الجيد أن تكون سعيداً جداً أو حزيناً للغاية: عندما كنتَ طفلاً.. كان لديك بشكل طبيعي مشاعر حادة ومتباينة، هذه هي الطريقة التي يتواصل من خلالها جميع الأطفال... ففي لحظة واحدة تكون مندفعاً.. جذلاً.. صاخباً، ثم تنقلب في اليوم التالي إلى الإحباط الشديد، بالتالي كنت بحاجة إلى شخص لتعليمك كيفية فهم وإدارة هذه العواطف، لكن ما حصلت عليه هو رسالة سرية (بسبب تجاهل الأهل) مفادها أن عواطفك كانت مفرطة، لذا ما تعلمته هو تخميد وكبت مشاعرك، وليست المهارات التي تحتاجها لإدارتها.. بينما الدرس الحقيقي هو: هذه المشاعر القوية تربطنا بأنفسنا على حقيقتها ومع بعضنا البعض كبشر أيضاً، وأن القدرة على امتلاكها هي علامة على الصحة والقوة.
حساس بشكل مفرط: عندما كنت طفلاً، شعرت بالضيق بشكل طبيعي عندما أزعجتك الأشياء، بالتالي كنت بشكل طبيعي تغضب عندما تُؤذى، بينما ما كنت بحاجة إليه هو تخفيف مشاعر الغضب لديك بإدراكها جيداً وبمساعدة من أحد والديك المحبين؛ حتى تتمكن من تعلم كيفية تهدئة نفسك والتحكم بغضبك، لكن ما حصلت عليه كان رسالة مفادها أن مشاعرك هي ضعف، وما تعلمته هو الحكم على نفسك لامتلاك مثل هذه المشاعر الضعيفة!.. والحقيقة: أنت إنسان.. أنت مهم.
احتياجاتك وتفضيلاتك غير ذات صلة بما تريده فعلاً: كطفل كان لديك احتياجات، مثلما يفعل جميع الأطفال.. كانت لديك أشياء شعرت أنها مهمة، كذلك الأشياء التي شعرت أنها جيدة أو سيئة بالنسبة لك، ما احتجت إليه هو أن يلاحظ أحد الوالدين أو من قام بتربيتك هذه الحاجات، أو أن يسألاك عما تريده فعلاً حتى تشعر أنك مهم، بالتالي عندما لم يسألك أحد حول ما تريده؛ تعلمت بدلاً من ذلك أنك لست مهم وأن احتياجاتك وتفضيلاتك غير  ذات أهمية.. والحقيقة: إن معرفة حاجاتك وتفضيلاتك الخاصة والتعبير عنها هو مفتاح الحياة السعيدة.
الحديث عن مشاكلك سوف يثقل كاهل الآخرين دون داع: نشأت فواجهت مشاكل في المدرسة، أو مع الأشقاء والأصدقاء.. ما كنت بحاجة إليه فعلياً؛ هو معرفة أنه يمكنك التحدث إلى والديك حولها، لكنك تعلمت بدلاً من ذلك أن أهلك لأي سبب كان.. لا يمكنهم التعامل مع مشاكلك! وما تعلمته هو أن الآخرين لا يستطيعون التعامل مع مشكلاتك أو مساعدتك على حلّها، ومن الأفضل أن تواجه ذلك بنفسك.. والحقيقة هي: إن التحدث عن مشاكلك يساعدك على حلها.
البكاء نقطة ضعف: كل البشر يبكون.. ولسبب ما؛ البكاء وسيلة لإطلاق ومعالجة عواطفك، كطفلة كنت أبكي في بعض الأحيان (ربما في كثير من الأحيان)، ما كنت بحاجة إليه هو أن أكون على ما يرام، بدلاً من ذلك لم تكن عائلتي تعلم أن بكائي له هدف، لذا فقد تجاهلوا دموعي، أو سخروا مني بسبب البكاء، ربما لم يظهروا أنفسهم الدموع أبداً! لذا.. تعلمت أن البكاء سلبي ويجب تجنبه.. والحقيقة هي: البكاء وسيلة صحية للتعامل مع المواقف المزعجة أو المفرحة على حد سواء.
سيحكم عليك الآخرون إذا عبّرت عن مشاعرك: هل تم الحكم عليك لإظهار المشاعر في طفولتك؟ لقد تم تمرير هذه الرسالة القوية إلى شخصيتك: "أخفِ عواطفك عن الآخرين"، "أو سيقلل الآخرون من قيمتك".. أو أسوأ من ذلك؛ سوف يستخدمون مشاعرك ونقاط ضعفك ضدك!.. والدرس الحقيقي: أن السماح للآخرين بملامسة ومعرفة مشاعرك؛ يساعدهم على معرفتك بشكل أفضل.
الغضب هو عاطفة سلبية.. يجب تجنبها: كطفل غالباً ما شعرت بالغضب، لأن هذا الشعور جزء طبيعي من الحياة... لكن ما كنت بحاجة إليه؛ هو المساعدة على تسمية الغضب وفهمه وإدارته، وبدلا من ذلك قام أحد الوالدين بإخماد غضبك واحتوائه، أو تمت معاقبتك على إظهار غضبك! بالتالي ما تعلمته هو أن الغضب سيء ويجب عليك قمعه!.. والحقيقة: الغضب هو رسالة مهمة من جسدك كما تعطيك السلطة في بعض الأحيان وتدعم موقفك عندما تكون على حق.
الاعتماد على الآخرين هو تعريض نفسك لخيبة الأمل: الأطفال بحاجة إلى مساعدة كذلك خلال مرحلة الفتوة والمراهقة، كطفل كنت بحاجة للدعم والتوجيه والاقتراحات والمساعدة، لكن والديك لم يستطيعا الوصول إلى هذه المرحلة لتعتمد عليهما؛ (الأم صغيرة في العمر أو الأب مشغول في العمل طوال الوقت... الخ)، بالتالي ما تعلمته هو أنه من الأفضل عدم طلب المساعدة من أحد بشكل عام، لأنك تهيئ نفسك لخيبة أمل!.. الحقيقة: هذا الاعتماد المتبادل على الآخر، هو شكل من أشكال العمل الجماعي الذي يجعلك أقوى.
الآخرون غير مهتمين أو معنيين بما عليك قوله: كطفل صغير كانت لديك دهشة لا نهاية لها من هذا العالم المحيط بك، وكلما كبرت.. أصبح لديك أشياء لا نهاية لها تريدها وتود أن تسأل عنها وتتحدث حولها، مع ذلك لم يكن الحوار والإصغاء ذا قيمة في عائلتك، ولم يسألك أحد أو يستمع إليك بما يكفي.. بالتالي ما تعلمته هو أن أسئلتك وكلماتك ليست ذات قيمة، وأن عليك الاحتفاظ بها لنفسك!.. الدرس الحقيقي هو: ما يجب أن تقوله مهم، ويجب أن تقوله.
أنت وحدك في هذا العالم: عندما كنت طفلاً كنت بحاجة لأن تشعر بأن شخصاً بالغاً يسندك ويحميك، وبغض النظر عما حدث.. كان هناك دعم ومساعدة لك، لكن بدلاً من ذلك وعندما كنت بحاجة إلى شيء ما؛ اكتشفت أن شخصك (أشخاصك) الكبار؛ كانوا مشغولين أو مكتوفي الأيدي أو غير مدركين لما تمرّ به فعلاً، بالتالي ما تعلمته هو أنك كنت وحيداً تماماً.. والحقيقة: هي أنك في الواقع وبكل المعاني.. لست وحدك على الإطلاق.
خطوات هزيمة الإهمال العاطفي 
خطوات التغلب على آثار التجاهل العاطفي والشفاء منها
إذا كنت قد تعرضت لتجاهل عواطفك في مرحلة الطفولة، فإليك بعض الخطوات التي تمكنك من التغلب على الضرر الذي حدث:
يجب أن تصبح أكثر وعياً بذاتك: يتضمن الوعي الذاتي قضاء وقت في تحليل كيفية شعورك وتحديد حالتك العاطفية، مثلاً أنا وجدت أن المشي لمسافات طويلة ساعدني في التركيز على التعلم حول نفسي.. كما عليك عندما تتدفق لديك بعض المشاعر، أن تأخذ الوقت الكافي للتفكير في مصدرها، لقد ساعدني التحدث إلى أشخاص آخرين (مهمين بالنسبة لي) حول ما كنت أمرّ به أيضاً لنيل فطنة ما ودرس وعبرة من وراء مشاعر محددة لدي.
عليك أن تقبل نفسك كما أنت: خطوة أخرى يهملها الكبار ممن تم تجاهلهم عاطفياً كأطفال، وهي أن يتعلموا كيف يتقبلوا أنفسهم كما هم وأن يتوقفوا عن كونهم قساة على أنفسهم، فأحياناً أشعر بإغراء عزل نفسي عن المواقف والمناسبات الاجتماعية، لأن كوني لوحدي هو مكان آمن ومريح أعرفه جيداً، لكني تعلّمت أن أدفع نفسي وأخاطر بالتفاعل مع الآخرين!
يجب عليك طلب المساعدة للتغلب على الأذى الجسدي والعاطفي: أعرف أن طلب المساعدة أمر صعب للغاية، على الرغم من أنني تحسنت أشواطاً في ذلك.. لقد نشأت وعليّ حلّ مشاكلي بنفسي، بالتالي كنت طورت إحساساً زائفاً بأماني من خلال قدرتي على الاستمرار، حتى عندما لم تكن حلولي قابلة للتطبيق!
في الختام.. يمكن لأي شخص يعاني من آثار هذا الإهمال أن يكون لديه أمل في التغلب على تداعياته والشفاء منه، بالنسبة لي بعد أن أصابتني حالة هستيرية من البكاء في أول مرة بدأت البحث حول موضوع الإهمال العاطفي للطفل وأثاره الخطيرة عليه كإنسان بالغ فيما بعد؛ عرفت أن ما لدي من هذه الآثار ليس بهذا السوء، حتى أنني ناقشت والدتي في الموضوع مؤخراً، ثم ضحكنا كثيراً، كما كانت فخورة بي لأنني استطعت بين ستة أطفال أن أتقبل مسؤولياتي بصمت وأعاني بصمت.. لأصل إلى المرحلة من النضج التي أرفض فيها هذا الصمت، وأتحدث معها دون أي نيّة مسبقة في لومها ووالدي؛ على إهمالهم لحاجاتي العاطفية دون قصد، وانشغالهم بتدبير مسؤولية تربيتنا، لأنني مستعدة وإن سنحت لي الحياة فرصة؛ لتربية طفلتي مع تجنب إهمالي لحاجاتها العاطفية.

دروس التجاهل العاطفي

حقيقة الدروس التي ستتعلمها من الإهمال العاطفي خلال الطفولة
 
عندما لم ينتبه أحد إلى ما تشعر به أو ما تحتاجه بما يكفي كطفل، فأنت وكما قلت أعلاه؛ تتلقى رسائل سرية لم يتم تذكرها مطلقاً.. لكنها مع ذلك ستقود حياتك مستقبلاً وطوال حياتك، فهي صامتة وغير مقصودة وغير مرئية عادة، تتجذر في وقت مبكر وبشكل شديد خاصة عندما تمرّ في مرحلة المراهقة، فإنها تقوض الثقة بالنفس ومعرفة الذات التي ينبغي عليك تعلّمها في هذه المرحلة، كما أن هذه الرسائل تمنعك أثناء نموك إلى مرحلة البلوغ؛ من اتخاذ الخيارات والقرارات المناسبة لك، مثال: عندما تقوم بالدخول في علاقات وتقع في الحب؛ فإنها تمنعك من تقييم نفسك.. كذلك عندما يكون لديك أطفال وتربيهم فإنهم يثقلونك، بالتالي تشعر بالغموض حيال ما تفتقده وتتسأل لماذا؟!.. الطريقة الصحيحة هي أن تدرك أنك تعرضت فعلاً للإهمال العاطفي وأنت طفل، كذلك تتعرف على الآثار التي تصيبك أنت تحديداً ومن أين أتت بعض المشاكل المتعلقة بإهمال مشاعرك طفلاً؟ وبعد أن تحدثنا عن العلامات والمخاطر وقبل أن ندخل في إصلاح هذه التأثيرات؛ دعنا نتحدث عن أهم الدروس التي تعلمناها كبالغين تعرضوا للإهمال العاطفي في مرحلة الطفولة، بعد أن تعلّمنا هذه الدروس بشكل عكسي خاطئ؛ لا بد أن نفهمها الآن كأفراد راشدين تعرضوا للتجاهل العاطفي كأطفال، لنحاول الاستفادة منها:
 
1- ليس من الجيد أن تكون سعيداً جداً أو حزيناً للغاية: عندما كنتَ طفلاً.. كان لديك بشكل طبيعي مشاعر حادة ومتباينة، هذه هي الطريقة التي يتواصل من خلالها جميع الأطفال... ففي لحظة واحدة تكون مندفعاً.. جذلاً.. صاخباً، ثم تنقلب في اليوم التالي إلى الإحباط الشديد، بالتالي كنت بحاجة إلى شخص لتعليمك كيفية فهم وإدارة هذه العواطف، لكن ما حصلت عليه هو رسالة سرية (بسبب تجاهل الأهل) مفادها أن عواطفك كانت مفرطة، لذا ما تعلمته هو تخميد وكبت مشاعرك، وليست المهارات التي تحتاجها لإدارتها.. بينما الدرس الحقيقي هو: هذه المشاعر القوية تربطنا بأنفسنا على حقيقتها ومع بعضنا البعض كبشر أيضاً، وأن القدرة على امتلاكها هي علامة على الصحة والقوة.
 
2- حساس بشكل مفرط: عندما كنت طفلاً، شعرت بالضيق بشكل طبيعي عندما أزعجتك الأشياء، بالتالي كنت بشكل طبيعي تغضب عندما تُؤذى، بينما ما كنت بحاجة إليه هو تخفيف مشاعر الغضب لديك بإدراكها جيداً وبمساعدة من أحد والديك المحبين؛ حتى تتمكن من تعلم كيفية تهدئة نفسك والتحكم بغضبك، لكن ما حصلت عليه كان رسالة مفادها أن مشاعرك هي ضعف، وما تعلمته هو الحكم على نفسك لامتلاك مثل هذه المشاعر الضعيفة!.. والحقيقة: أنت إنسان.. أنت مهم.
 
3- احتياجاتك وتفضيلاتك غير ذات صلة بما تريده فعلاً: كطفل كان لديك احتياجات، مثلما يفعل جميع الأطفال.. كانت لديك أشياء شعرت أنها مهمة، كذلك الأشياء التي شعرت أنها جيدة أو سيئة بالنسبة لك، ما احتجت إليه هو أن يلاحظ أحد الوالدين أو من قام بتربيتك هذه الحاجات، أو أن يسألاك عما تريده فعلاً حتى تشعر أنك مهم، بالتالي عندما لم يسألك أحد حول ما تريده؛ تعلمت بدلاً من ذلك أنك لست مهم وأن احتياجاتك وتفضيلاتك غير  ذات أهمية.. والحقيقة: إن معرفة حاجاتك وتفضيلاتك الخاصة والتعبير عنها هو مفتاح الحياة السعيدة.
 
4- الحديث عن مشاكلك سوف يثقل كاهل الآخرين دون داع: نشأت فواجهت مشاكل في المدرسة، أو مع الأشقاء والأصدقاء.. ما كنت بحاجة إليه فعلياً؛ هو معرفة أنه يمكنك التحدث إلى والديك حولها، لكنك تعلمت بدلاً من ذلك أن أهلك لأي سبب كان.. لا يمكنهم التعامل مع مشاكلك! وما تعلمته هو أن الآخرين لا يستطيعون التعامل مع مشكلاتك أو مساعدتك على حلّها، ومن الأفضل أن تواجه ذلك بنفسك.. والحقيقة هي: إن التحدث عن مشاكلك يساعدك على حلها.
 
5- البكاء نقطة ضعف: كل البشر يبكون.. ولسبب ما؛ البكاء وسيلة لإطلاق ومعالجة عواطفك، كطفلة كنت أبكي في بعض الأحيان (ربما في كثير من الأحيان)، ما كنت بحاجة إليه هو أن أكون على ما يرام، بدلاً من ذلك لم تكن عائلتي تعلم أن بكائي له هدف، لذا فقد تجاهلوا دموعي، أو سخروا مني بسبب البكاء، ربما لم يظهروا أنفسهم الدموع أبداً! لذا.. تعلمت أن البكاء سلبي ويجب تجنبه.. والحقيقة هي: البكاء وسيلة صحية للتعامل مع المواقف المزعجة أو المفرحة على حد سواء.
 
6- سيحكم عليك الآخرون إذا عبّرت عن مشاعرك: هل تم الحكم عليك لإظهار المشاعر في طفولتك؟ لقد تم تمرير هذه الرسالة القوية إلى شخصيتك: "أخفِ عواطفك عن الآخرين"، "أو سيقلل الآخرون من قيمتك".. أو أسوأ من ذلك؛ سوف يستخدمون مشاعرك ونقاط ضعفك ضدك!.. والدرس الحقيقي: أن السماح للآخرين بملامسة ومعرفة مشاعرك؛ يساعدهم على معرفتك بشكل أفضل.
 
7- الغضب هو عاطفة سلبية.. يجب تجنبها: كطفل غالباً ما شعرت بالغضب، لأن هذا الشعور جزء طبيعي من الحياة... لكن ما كنت بحاجة إليه؛ هو المساعدة على تسمية الغضب وفهمه وإدارته، وبدلا من ذلك قام أحد الوالدين بإخماد غضبك واحتوائه، أو تمت معاقبتك على إظهار غضبك! بالتالي ما تعلمته هو أن الغضب سيء ويجب عليك قمعه!.. والحقيقة: الغضب هو رسالة مهمة من جسدك كما تعطيك السلطة في بعض الأحيان وتدعم موقفك عندما تكون على حق.
 
8- الاعتماد على الآخرين هو تعريض نفسك لخيبة الأمل: الأطفال بحاجة إلى مساعدة كذلك خلال مرحلة الفتوة والمراهقة، كطفل كنت بحاجة للدعم والتوجيه والاقتراحات والمساعدة، لكن والديك لم يستطيعا الوصول إلى هذه المرحلة لتعتمد عليهما؛ (الأم صغيرة في العمر أو الأب مشغول في العمل طوال الوقت... الخ)، بالتالي ما تعلمته هو أنه من الأفضل عدم طلب المساعدة من أحد بشكل عام، لأنك تهيئ نفسك لخيبة أمل!.. الحقيقة: هذا الاعتماد المتبادل على الآخر، هو شكل من أشكال العمل الجماعي الذي يجعلك أقوى.
 
9- الآخرون غير مهتمين أو معنيين بما عليك قوله: كطفل صغير كانت لديك دهشة لا نهاية لها من هذا العالم المحيط بك، وكلما كبرت.. أصبح لديك أشياء لا نهاية لها تريدها وتود أن تسأل عنها وتتحدث حولها، مع ذلك لم يكن الحوار والإصغاء ذا قيمة في عائلتك، ولم يسألك أحد أو يستمع إليك بما يكفي.. بالتالي ما تعلمته هو أن أسئلتك وكلماتك ليست ذات قيمة، وأن عليك الاحتفاظ بها لنفسك!.. الدرس الحقيقي هو: ما يجب أن تقوله مهم، ويجب أن تقوله.
 
10- أنت وحدك في هذا العالم: عندما كنت طفلاً كنت بحاجة لأن تشعر بأن شخصاً بالغاً يسندك ويحميك، وبغض النظر عما حدث.. كان هناك دعم ومساعدة لك، لكن بدلاً من ذلك وعندما كنت بحاجة إلى شيء ما؛ اكتشفت أن شخصك (أشخاصك) الكبار؛ كانوا مشغولين أو مكتوفي الأيدي أو غير مدركين لما تمرّ به فعلاً، بالتالي ما تعلمته هو أنك كنت وحيداً تماماً.. والحقيقة: هي أنك في الواقع وبكل المعاني.. لست وحدك على الإطلاق.

خطوات هزيمة الإهمال العاطفي 

خطوات التغلب على آثار التجاهل العاطفي والشفاء منها
 
إذا كنت قد تعرضت لتجاهل عواطفك في مرحلة الطفولة، فإليك بعض الخطوات التي تمكنك من التغلب على الضرر الذي حدث:
 
1- يجب أن تصبح أكثر وعياً بذاتك: يتضمن الوعي الذاتي قضاء وقت في تحليل كيفية شعورك وتحديد حالتك العاطفية، مثلاً أنا وجدت أن المشي لمسافات طويلة ساعدني في التركيز على التعلم حول نفسي.. كما عليك عندما تتدفق لديك بعض المشاعر، أن تأخذ الوقت الكافي للتفكير في مصدرها، لقد ساعدني التحدث إلى أشخاص آخرين (مهمين بالنسبة لي) حول ما كنت أمرّ به أيضاً لنيل فطنة ما ودرس وعبرة من وراء مشاعر محددة لدي.
 
2- عليك أن تقبل نفسك كما أنت: خطوة أخرى يهملها الكبار ممن تم تجاهلهم عاطفياً كأطفال، وهي أن يتعلموا كيف يتقبلوا أنفسهم كما هم وأن يتوقفوا عن كونهم قساة على أنفسهم، فأحياناً أشعر بإغراء عزل نفسي عن المواقف والمناسبات الاجتماعية، لأن كوني لوحدي هو مكان آمن ومريح أعرفه جيداً، لكني تعلّمت أن أدفع نفسي وأخاطر بالتفاعل مع الآخرين!
 
3- يجب عليك طلب المساعدة للتغلب على الأذى الجسدي والعاطفي: أعرف أن طلب المساعدة أمر صعب للغاية، على الرغم من أنني تحسنت أشواطاً في ذلك.. لقد نشأت وعليّ حلّ مشاكلي بنفسي، بالتالي كنت طورت إحساساً زائفاً بأماني من خلال قدرتي على الاستمرار، حتى عندما لم تكن حلولي قابلة للتطبيق!
 
في الختام.. يمكن لأي شخص يعاني من آثار هذا الإهمال أن يكون لديه أمل في التغلب على تداعياته والشفاء منه، بالنسبة لي بعد أن أصابتني حالة هستيرية من البكاء في أول مرة بدأت البحث حول موضوع الإهمال العاطفي للطفل وأثاره الخطيرة عليه كإنسان بالغ فيما بعد؛ عرفت أن ما لدي من هذه الآثار ليس بهذا السوء، حتى أنني ناقشت والدتي في الموضوع مؤخراً، ثم ضحكنا كثيراً، كما كانت فخورة بي لأنني استطعت بين ستة أطفال أن أتقبل مسؤولياتي بصمت وأعاني بصمت.. لأصل إلى المرحلة من النضج التي أرفض فيها هذا الصمت، وأتحدث معها دون أي نيّة مسبقة في لومها ووالدي؛ على إهمالهم لحاجاتي العاطفية دون قصد، وانشغالهم بتدبير مسؤولية تربيتنا، لأنني مستعدة وإن سنحت لي الحياة فرصة؛ لتربية طفلتي مع تجنب إهمالي لحاجاتها العاطفية.