على الرغم أن الحيازة والامتلاك من الدوافع الأساسية عند الإنسان؛ إلَّا أن الطمع من الصفات المكتسبة والسيئة على مرّ الأزمان، ولهذا نجد الكثير من القصص والحكايات والأمثال وأبيات الشعر التي تمجِّد القناعة وتثمِّن الرضا.
لماذا يجب أن نهتم بتربية الأطفال على القناعة؟ وما هي آثار الطمع على الطفل؟ وكيف يكتسب الطفل الطمع ويصبح طماعاً؟ ثم كيف يمكن علاج الطفل الطماع وتربية الأبناء على القناعة؟.
 


ذات صلة


سلبيات الطمع عند الأطفال

الطمع بمفهومه العام يقصد به رغبة ملحة لدى الشخص الطماع في الحصول على أشياء قد تكون أكثر مما يستحق وعدم الكفاية والقبول بالنصيب والقدر، وهذه المسألة لها العديد من المساوئ والسلبيات على شخصية الطفل الطماع وعلى علاقاته الاجتماعية وطبيعة تفاعله مع الآخرين وتفاعلهم معه، ومن هذه المساوئ:

- تعلم البخل: في سبيل الحفاظ لفترة أطول على ما يملكه واكتساب المزيد بدلاً من فقدان الموجود قد يتصف الطفل الطماع بالبخل، فتجده يبالغ في تصرفات مثل التوفير وعدم مشاركة ما لديه وما يملك مع أحد غيره.

- الشعور بالإحباط وخيبات الأمل: وهذا يحدث غالباً في الحلات التي لا يتمكن الطفل فيها من الوصول لمطامعه ورغباته فإنه سوف يشعر بفشل مراده وبالتالي تراوده مشاعر الإحباط ويخيب أمله وتوقعاته.

- الظهور بمظهر وصفة سيئة أمام الآخرين: فالطمع صفة مرفوضة لدى الجميع والطفل الطماع يقوم بالكثير من التصرفات التي تظهر طمعه مثل الشراهة أو البخل أو الأنانية وكل هذه الأشياء من شأنها أن تشوه صورته الشخصية وتعطي فكرة سلبية عنه أمام من يتعامل ويتفاعل معه.

- عدم القدرة على تجاوز الخسارة: فجميع الناس وبخاصة الأطفال يشعرون بالحزن والغضب عندما يعرضون لأي نوع من الخسارة ولكن في الحالات البسيطة سرعان من ينسون ما حصل ويبدؤون من جديد، ولكن الطفل الذي يتصف بأنه طماع أقل قدوة على مواجهة مثل هذه المواقف وتحمل نتائجها وقد يفكر في الخسارة التي تعرض لها لفترات طويلة وربما يصاب بالإحباط والاكتئاب جراء ذلك.

- تحول الوسائل إلى غايات: حيث أن رغبات الطفل الناتجة عن طمعه تختلف عن حاجاته ورغباته الطبيعية الموجودة لدى كل الأطفال فتجده يرغب بل ويسعى للحصول واقتناء أشياء ليس له فيها أي فائدة أو حاجة، فهو يرغب بامتلاكها لمجرد الامتلاك فقط.

- تعلم سلوكيات سيئة نتيجة الطمع: مثل السرقة من الأهل والانتهازية أو الاعتداء على أملاك الآخرين والأنانية وعدم الرغبة في المشاركة والتعاون بالإضافة للكثير من السلوكيات التي قد يتعلمها الطفل حتى يملك أكثر ويحافظ على ما لديه.
 

ذات علاقة


أسباب الطمع عند الأطفال

بما أن الطمع وعدم القناعة يندرجان في إطار الصفات الشخصية السلبية لبعض الأشخاص أو الأطفال، فهناك العديد من العوامل التي تتسبب في نشوء أو تنمية وتطوير هذه الصفات عندما تجد الظروف الملائمة لها، والحقيقة أن معرفة هذه العوامل وفهمها ضروري في إطار عملية التربية لعلاجها ووقاية الطفل من نتائجها، ومن هذه الأسباب والعوامل:
- الحرمان المادي أو المعنوي: حيث أن الحرمان أي كان نوعه وشكله يولد رغبة مبالغ فيها لدى الطفل المحروم بالحصول على العديد من الأشياء سواء كانت له حاجة بها أو لم تكون، وذلك لأنه لا يشعر بالاكتفاء ويبقى لديه شعور بالخوف من خسارة ما يملك والعودة لمشاعر الحرمان منه وهكذا تغرس صفة الطمع في شخصيته أكثر حتى تصبح الموجه الأكبر لسلوكه وتصرفاته.

- الغيرة وعلاقتها بالطمع: كثيراً ما يشعر الطفل بالغيرة من أشخاص حوله أو أقران له[1] يرى أنهم يملكون ما ليس لديه ويتمتعون بأشياء أكثر منه وهذا الشعور بالغيرة يدفعه لأن يحصل على ما لديهم سواء من أشياء مادية أو معنوية مثل الصداقات ومحبة الآخرين، وهو في سعيه للحصول على ما لديهم قد يبالغ في الأمر ويصبح مجرد امتلاك المزيد هو الحافز الوحيد لديه وبالتالي يصبح طماع في سلوكه ورغباته.

- إثبات الذات: فمن وجهة نظر الطفل الذي يرى أن امتلاكه للمزيد من المزايا والأشياء المادية سوف يكسبه احترام الآخرين ونظرتهم له بإعجاب وربما الغيرة منه وجعله قدوة لهم، ولهذا يبقى لديه دافع مستمر في زيادة ممتلكاته وتطوير إمكاناته وقد ينمو هذا الدافع حتى يصبح نوع من أنواع الطمع.

- ملاحظة سلوك الطمع لدى القدوة: وهنا يصبح سلوك الطمع أو اتصاف به ناتج عن حالات التقليد والاقتداء، فعندما يكون القدوة والمثل الأعلى طماعاً مثل أحد الوالدين فإنه سوف يورث هذه الصفة لطفله بشكل تلقائي ودون قصد ورغبة بذلك.

- حب التملك والاقتناء: وهي مشكلة أو خاصية نفسية لها دوافعها وأهدافها ونتائجها الخاصة، وعندما يكون الطفل لديه هذه الخاصية فسوف يؤدي هذا لنمو صفات الطمع لديه، وذلك في إطار تحقيق رغبته وغايته في اقتناء وامتلاك أي شيء.

- فهم خاطئ لمفهوم التوفير والادخار: لدوافع عديدة مثل تجميع مبلغ لتحقيق غاية مادية معينة في وقت لاحق أو عادة موجودة لدى الطفل نجده يلجأ أحياناً لتوفير وادخار جزء من مصروفه الشخصي، وإذا أعجبه الأمر وترافق مع ظروف مادية معينة مثل الحرمان أو الرغبة بامتلاك المزيد يصبح سلوك التوفير مبالغ فيه ونوع من أنواع الطمع فتجده يرغب في تحصيل المزيد لمجرد ادخاره
 

أهمية تعليم الطفل القناعة

عندما تتصف شخصية الطفل بالقناعة بحيث تسعى نحو تحقيق الأفضل وترضى بالنصيب ومعطيات الواقع والظروف دون شكوى وتذمر، يصبح الطفل أقل عرضة للمشاكل الناتجة عن خيبات الأمل أو عدم تحقيق الرغبات، ويصبح أكثر اتزان وتوافق نفسي وأكثر قدرة على التفاعل بطريقة مقبولة اجتماعياً، ويمكن تلخيص فوائد قيمة القناعة بالنسبة للطفل:

- الاستقرار العاطفي والانفعالي: وهي صفة مصاحبة للرضا الناتج عن قيمة القناعة، حيث أن هذه القناعة تقلل من مواقف الشعور بالفشل أو الإحباط أو الاكتئاب وبالتالي ينتج عنها رضا عام عن النفس يعطي بالضرورة استقرار على المستويين العاطفي والانفعالي.

- الرضا بالنصيب والقدر: الطفل القنوع يفعل ما يتوجب عليه وما بوسعه ليحقق أهدافه وغاياته ولكن في النهاية إذا لم يتمكن من الوصول لكل ما يصبو إليه أو تعرض لمواقف محبطة فإنه يرضى بنصيبه دون شكوى أو تذمر وينتقل لمحاولة النجاح في مجال أو مهمة أخرى وهذا الرضا يعطيه شعور بالسعادة[2].

- القدرة على المشاركة وتكوين علاقات اجتماعية: فبعكس الطفل الطماع يبدي الطفل القنوع سلوكاً أفضل في التفاعل والتعامل مع الآخرين في محيطه سواء من أقرانه الأطفال أو أي مجال اجتماعي يتواجد به، وبالتالي يصبح أكثر ذكاء على المستوى الاجتماعي التفاعلي وقدرة على بناء علاقات جيدة ومفيدة مع الآخرين.

- تعلم أن الحصول على الرغبات يحتاج للعمل والجهد: فالطفل القنوع لا يتوقع الحصول على ما يريد من رغبات وحاجات دون بذل الجهد الذي يتطلبه ذلك، وبالتالي يصبح أكثر نشاطاً وأقل كسل أو اتكالية أو عدم مبالاة وهذه ما يجهله يصل فعلاً لأهدافه.

- استبدال الأطماع بالطموحات: في الحالات التي يتعلم فيها الطفل صفة القناعة ويدرك قيمتها ومعناها ويفهم أن الطمع لا يأتي دائماً في صالحه سوف يقوم بعملية تبديل لسلوكيات الطمع بقيم أخرى مثل الطموح والأحلام، وهذا يعطيه ثقة بنفسه ودافعاً أكبر للنجاح دون المبالغة من حيث الرغبة في الحصول على أشياء غير مفيدة.

- تعلم مفهوم الحقوق والواجبات: الطفل القنوع يعرف ما له وما عليه، ولا يحاول الاعتداء على أملاك الآخرين وأشيائهم الخاصة تلبية لأطماع غير مبررة من جهة ولا يتنازل ببساطة عن حقوقه من جهة أخرى، بل يبدي توازن في هاتين الناحيتين كونه أصبح يفهم أكثر معنى الحقوق والواجبات.

- التقليل من حالات الاكتئاب: بشكل عام ليس بالضرورة أن يتمكن الطفل من الحصول على كل ما يريد أو يصل لتحقيق كل أهدافه وهذه الأشياء تسبب مشاعر الإحباط والاكتئاب، ولكن الطفل القنوع أكثر قدرة على استعادة توازنه في هذه الحالات وبالتالي تخطي المشاعر السيئة الناتجة عنها.
 

كيف أعلم طفلي القناعة؟

كيف يمكن أن نعلم أطفالنا قيمة القناعة والرضا؟
لما لسلوك وصفة الطمع من مساوئ وآثار سلبية من جهة، وما لقيمة القناعة والرضا المختلفة عن الاستسلام والخضوع من إيجابيات نفسية واجتماعية من جهة أخرى، يأتي الاهتمام في تربية الطفل بطريقة تضمن تعليمه قيمة القناعة وإبعاده عن صفة وخاصية الطمع[3]، ويمكن لبعض الخطوات التربوية أن تؤدي هذه المهمة عن طريق مثلاً:
- تعليمه قيم العطاء والمشاركة: سواء في ألعابه أو علاقاته أو حتى أطعمته يجب أن يتعلم الطفل أن يتشارك ويتفاعل مع الآخرين فمن شأن هذه المسائل أن تنمي لديه قيم مثل القناعة والرضا والصبر[4]. 

- إشباع رغباته وحاجاته الأساسية: حيث أن الحرمان يعتبر من الأسباب الأساسية في تنمية سلوكيات وصفات الطمع فإن علاج هذه المسألة عن طريق تلبية حاجاته قدر المستطاع له دور في غرس القناعة كصفة في شخصيته.

- تعليم الطفل أن كل غاية تحتاج جهداً لتحقيقها: فمن جهة يعرف الطفل أنه ولحصوله على ما يريد يترتب عليه واجبات ومسؤوليات يجب أن يؤديها قبل توقع النتائج المرضية بالنسبة له، وهذا يؤدي لتحويل صفة الطمع لديه إلى حافز نحو التطور والعمل والنجاح.

- يجب أن يعرف أنه ليس وحيد في الحياة: فكما هو لديه رغبات وأهداف يريد ويسعى لتحقيقها، فالآخرين أيضاً لديهم هذه الرغبات والأهداف ويجب أن لا تتعارض رغباته هذه مع حقوقهم.

- يجب أن يتعلم الطفل أن كل شخص يحصل على ما يستحق: وأن عدم تحقق بعض رغباته لا يعتبر ظلم من جهة الحياة له، فما يستحقه فعلاً سوف يحصل عليه[5].

إذاً القناعة والرضا بالحال مختلفين كقيم أخلاقية عن الاستكانة والاستسلام لظروف وصعوبات الواقع، فمن جهة ليس من الجيد أن يكون الطفل متصفاً بالطمع والجشع لما لهذه الخصائص من آثار سلبية على شخصيته وعلى محيطه وعلى صورته الاجتماعية، ومن جهة أخرى لا يصلح أيضاً أن يفهم الطفل قيمة القناعة على أنها مبرر للكسل وعدم الرغبة بالتقدم وإيجاد الحلول للمشاكل وبالتالي تعلم الاتكالية واللامبالاة  والخضوع، فالأمر يحتاج لموازنة بحيث يقوم الطفل بكل ما عليه لتحقيق رغباته وأهدافه بإرادة وعزيمة كاملة ويرضى بنصيبه دون طمع أو رغبة في الحصول على ما لا يستحق.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال عالمة النفس سارا ديمرمان بعنوان "هل يشعر طفلك بالغيرة عندما لا تهتم به؟" منشور على موقع (COM.PARENNTS Canada). تمت مراجعته بتاريخ 15/6/2019.
[2] مقال Alexey Tereshchenko  "لماذا يشعر الأطفال بالسعادة بسهولة" نشر على موقع (COM.Quora) تمت مراجعته بتاريخ 15/6/2019.
[3] مجموعة اقتراحات للدكتور joan munson  حول طرق التعامل مع الطفل الجشع نشرت على موقع (COM.EMPOWERING PARENTS) تمت مراجعته بتاريخ 15/6/2019.
[4] مقال حول خطوات تعليم الصبر للأطفال بعنوان "كيف تعلم أطفالك الصبر؟" منشور على موقع imom.COM تمت مراجعته بتاريخ 15/6/2019.
[5] مقال Casey Slide بعنوان "تعليم الاطفال ألا يكونوا جشعين"  منشور على موقع (COM.Quick and Dirty Tips). تمت مراجعته بتاريخ 15/6/2019.