من مبدأ أن الأطفال هم أغلى وأثمن ما في الوجود بالنسبة لذويهم، ومن منطلق العمل على تربيتهم وفق ظروف أفضل من التي عاشها الأهل ودوافع أخرى عديدة يلجأ بعض الآباء إلى المبالغة في تدليل أطفالهم وتسخير كل مقدراتهم وإمكاناتهم لتوفير رغباتهم وتحقيق كل ما يريدون، والحقيقة أن هذه مسألة بديهية بل وواجب على الأهل تجاه ابنهم، ولكن حين يصبح الأمر مبالغ فيه ويتجاوز الحدود الطبيعية لحاجات الطفل الفعلية وعلى حساب راحة وحياة الوالدين في بعض الأحيان أو على حساب حقوق الأطفال الآخرين مثل الأشقاء أو حتى على حساب شخصية ومستقبل الطفل نفسه، يتحول هذا الأمر إلى مشكلة متعددة الآثار على شخصية الطفل وطبيعة رؤيته وإدراكه لمفاهيم  الحقوق والواجبات.


ذات صلة


لماذا يدلل الأهل أطفالهم؟

العناية بالطفل ورعايته بطريقة تضمن أفضل ظروف معيشية لحياته هي جوهر العملية التربوية والعلاقة الغريزية الفطرية بين الآباء وأبنائهم، ولكن بحكم الطبيعة النفسية والاجتماعية الخاصة للجنس البشري من ناحية، وبحكم الوسائل والأهداف والمناهج التربوية السائدة في هذا العصر من ناحية أخرى، يلجأ بعض الأهل للسعي أكثر من اللازم لتحقيق كل ما يرغب فيه أبنائهم وذلك للعديد من الأسباب منها الضروري والمحق ومنها الذي يعتبر غير مقنع ولا يوجد له مبرر فعلي ومن هذه الأسباب:

- تعويض مشاعر الحرمان الذاتية للأهل: يعني أن الوالدين قد يكونوا متربين بطرق أو ظروف معينة جعلتهم يحرمون من الكثير من رغباتهم وأمنياتهم أو حتى حاجاتهم البسيطة، وهم في هذه الحالة يدللون أطفالهم ظناً منهم أنهم يجنبوهم المرور بنفس الظروف الصعبة التي تربوا هم بها.

- إصابة الطفل بمرض معين: من مبدأ التعاطف مع الطفل المريض وتعويضه عن مشاعر الاكتئاب أو النقص الناتجة عن إصابته بمرض ما، يلجأ الأهل إلى المبالغة في تلبية طلباته ورغباته، من منطلق المسايرة والتعامل معه بصبر وتعاطف. 

- العادات الاجتماعية السائدة: حيث أن بعض الأوساط الاجتماعية تلجأ لتدليل جنس معين من الأطفال على حساب الجنس الآخر، مثل تدليل الطفل الذكر والاهتمام به أكثر من الأنثى باعتباره وريث الأسرة، أو عدم إلقاء أي مسؤوليات على الطفلة الأنثى كون دورها الاجتماعي لا يتطلب منها مسؤوليات صعبة مثل العمل المجهد أو الأشياء التي تحتاج لقوة عضلية.

- حالة الطفل الوحيد: وهي الحالة الأكثر شيوعاً حيث يرى أهل الطفل الوحيد أنه محروم من الأشقاء وأن ما لديهم مسخر له، فلا يرفضون له أي طلب ولا يحملوه المسؤوليات ولا يعاقبوه على أخطائه، وبهذا يعتقدون أنهم يعوضوه عن الحرمان من الأخوة ويقدمون له كل ما لديهم كونه أثمن ما في حياتهم.

- التأخر في إنجاب الطفل: بعض الأسر ولأسباب عديدة تتأخر في إنجاب المولود الأول، وفي هذه الحالة يكون الوالدين قد مروا بالكثير من المعاناة قبل إنجابهم وعندما يرزقون به لا يوفرون أي شيء في تلبية طلباته وحصوله على كل ما يريد ومسايرته وذلك تعبيراً عن فرحتهم به.

- العواطف المبالغ فيها: الطبيعة النفسية للأهل في بعض الأحيان تجلهم عاطفيين أكثر من اللازم في علاقتهم وتعاملهم مع أطفالهم، ويخافون عليه وعلى مشاعره بشكل مبالغ فيه وهذا يجعلهم بالتالي يبالغون في دلاله وتلبية كافة متطلباته.

- الجهل بالنتائج: يعتقد البعض من الأهل أن قيامهم بتدليل طفلهم وتلبية جميع رغباته، فهم بذلك يربونه بطريقة تقربهم منه[1] تبعده عن مشاعر الحرمان أو الغيرة أو حتى الحسد أو تعلم سلوكيات البخل والطمع والانتهازية أو السرقة، وهو اعتقاد صحيح ولكن عند المبالغة فيه فإن الدلال يؤدي لسلبيات أخرى قد لا يقدرها الأهل مثل تعلم الأنانية والعناد واللامبالاة وعدم تحمل المسؤولية.

- الوضع المادي والاقتصادي للأسرة: فالأسر الميسورة الحال من الناحية المادية والاقتصادية يرى الوالدين فيها أنهم إذا كانوا يستطيعون تقديم كل ما يريده أبنائهم فما المانع من ذلك، وهكذا يلجؤون إلى بذل ما لديهم في سبيل إسعاد طفلهم واشباع رغباته أي كانت. 
 

ذات علاقة


أثر المبالغة بالدلال على شخصية الطفل

أثناء ممارسة الحياة الطبيعية واليومية والدلال الذي يحصل عليه الطفل خلالها لا يبدو الأمر أكثر من مجرد محاولة من قبل الولدين لتأمين شروط وظروف حياة أفضل لطفلهم وتلبية أكبر قدر من الرغبات له وإظهار محبة وعواطف والديه تجاهه، ولكن على المدى الطويل وبشكل غير ملاحظ دائماً، قد تؤدي هذه المسألة إذا ما ترافقت مع بعض الحلات الخاصة إلى غرس صفات وخصائص في شخصية الطفل قد لا تكون جيدة أو إيجابية دائماً[2]، ويمكن تلخيص بعض الآثار التي يساهم الدلال في إظهارها:

- نمو مشاعر الغيرة: فالطفل المدلل لم يعتاد ولا يرغب برؤية أي طفل آخر يحصل على اهتمام والديه حتى لو كان شقيقه، وبمجرد ملاحظة هذا الاهتمام فإنه سوف يشعر بالغيرة وبأن مكانته تتهدد وهناك من ينافسه في الدلال والاهتمام الذي يرده أن يكون حكراً عليه.

- بروز علامات الأنانية: وهي مسألة ناتجة في معظم الأحيان عن مشاعر الغيرة نفسها، فالأطفال المدللين يتعلمون الأنانية أكثر من غيرهم كونهم يرون أن كل شيء لهم ومسخر لتلبية احتياجاتهم ولا يرغبون بمشاركة أو تقاسم أي شيء مع الآخرين.

- تنمية صفة التذمر وكثرة الشكوى: مثل بعض سلوكيات الغضب والعدوانية والتمرد بالإضافة لرفض كل ما يقدم له إذا لم يتناسب بشكل كبير مع رغباته، فيتذمر إن لم يعجبه الطعام أو ويرفض ارتداء الملابس التي لا تعجبه، أو يحتج على مواعيد النوم والاستيقاظ وقد يرفض الذهاب للمدرسة.

- ضعف التفاعل الاجتماعي: وهو يعني عدم القدرة على بناء العلاقات الجيدة مع الآخرين حيث أن الغرباء لا يعاملوه بنفس الطريقة التي اعتاد عليها من قبل والديه ولا يسايروا جميع رغباته وقد يحصل خلاف في كثير من الأحيان بين مصالحه ومصالح الآخرين كونه لم يعتد على التعاون أو التنازل عن أي شيء.

- عدم تحمل المسؤولية: الأهل الذين يدللون أطفالهم ولا يعودوهم على احتمال المسؤوليات ولا حتى في أشيائهم الخاصة، ولذلك تجدهم غير مبالين بنتائج تصرفاتهم وأفعالهم وعدم مسؤوليتهم مثل عدم الحصول على علامات جيدة في الامتحان.

- تعلم الاتكالية: فالطفل المدلل معتاد على أن هناك دائماً من يلبي حاجاته ويمكنه الاعتماد عليه، فلا داعي لأن يعتمد على نفسه، كل شيء حاضر له وجاهز أمامه ولا حاجة لأن يقوم به بنفسه حتى في أبسط وأصغر الأمور.

- ضعف الخبرة والمهارات في حل المشاكل أو الدفاع عن النفس: وهي أيضاً من أوجه الاتكالية فكل ما يعترض الطفل المدلل من صعوبات أو مشاكل سوف ينتظر علاجها من قبل والديه، حتى أنه لن يدافع عن نفسه وسوف ينتظر من والديه القيام عنه بهذه المسؤولية نظراً لعدم خبرته أو تعلمه مهارات حل المشكلات.

- التعلق المرضي بالوالدين: وما لهذه المسألة من مساوئ على مستوى نمو شخصية الطفل مثل عدم القدرة على بناء شخصية مستقلة بالإضافة لإشغال الوالدين عن القيام بواجباتهما أو شعورهما بالراحة.
 

أشكال وطرق تدليل الأهل لأطفالهم

الدلال كمفهوم عام غير مرتبط بطريقة محددة وخاصة يتعامل فيها الأهل مع طفلهم تختصر معنى الدلال بأشكاله المختلفة، حيث أن هذا المفهوم ولعوامل وظروف متغيرة وعديدة يعتبر أكثر شمولية وعمومية من حيث أنماط ونماذج السلوك التربوية التي يمكن الحكم عليها بأنها نوع من أنواع الدلال، وفي هذا الإطار يمكن تقسيم الدلال من حيث أشكاله إلى مجالين أساسيين:

الدلال المادي والذي يشمل
- المبالغة في المصروف الذي يعطى للطفل المدلل:
ويعتبر هذا الشكل من الدلال الأكثر شيوعاً وضرراً في نفس الوقت فصحيح أن إعطاء مصروف كافي للطفل يعتبر ضروري لتلبية حاجاته المختلفة ورغباته المتنوعة ولكن عند زيادة هذه المبالغ عن الحدود الفعلية لحاجة الطفل فمن المحتمل أن يلجأ لاستخدامها في سلوكيات ضارة مثل شراء الألعاب المؤذية أو التبغ أو الممنوعات بأشكالها المختلفة.
- توفير أشياء زائدة عن حاجات الطفل: مثل الألعاب والملابس وهذا عادةً ما يرتبط بالوضع المادي الميسور لأسرة الطفل فتجدهم يبالغون في شراء كميات كبيرة من هذه الأشياء مما يجعل الطفل لا يشعر بقيمتها أو صعوبة الحصول عليها وبالتالي لا يحافظ عليها.
- كمية ونوعية الغذاء التي يحصل عليها: من منطلق الرعاية الغذائية والعناية بالصحة الغذائية للطفل يلجأ الأهل في بعض الأحيان للمبالغة في إطعامه وتقديم أنواع مختلفة من المأكولات وبكميات مبالغ فيها، هذا بالإضافة لشراء المأكولات غير المفيدة مثل المثلجات والبسكويت والشيبس بأنواعها، وهذه المسألة تعرض الطفل للكثير من المشاكل الصحة مثل السمنة وأمراض جهاز الهضم والطرح.

الدلال المعنوي والعاطفي ويشمل:
- كثرة المديح غير الواقعي:
وهنا يلجأ الأهل للإطراء على سلوك طفلهما حتى ولو لم يكن بالضرورة سلوك جيد ومقبول بدافع الضحك من تصرفاته أو قيامه بأشياء لا تناسب سنه، وهذا يسبب غرور الطفل وشعوره بأن جميع استجاباته جيدة ومرغوبة من جهة وتعلم سلوكيات سيئة مثل توجيه الشتائم أو الكلام البذيء من جهة أخرى.
- إبداء العواطف بشكل مبالغ فيه: مثل الاحتضان المبالغ فيه وكلمات وأسماء الدلع والتعاطف أكثر من اللازم وإشعاره بأنه دائماً على حق وكل هذه الأشكال من الدلال لها آثار سلبية فقد تؤدي مثلاً لتنمية شخصية ضعيفة غير معتادة على المواقف الصعبة وحساسة تجاه أي انتقاد.
- عدم وضع حدود تربوية: مثل العقاب على الخطأ ووضع نظام معين يجب أن يلتزم فيه الطفل في المنزل مثل مواعيد الخروج من المنزل أو أوقات وجبات الطعام أو الخلود إلى النوم وترك الطفل بدلاً من ذلك يفعل ما يحلو له واحتمال ذويه لعواقب أفعاله مرجع[3].

لا أحد منا إلا ويرغب بإعطاء طفله كل ما لديه من عواطف المحبة والحنان وبرؤيته سعيد وراضي عن حياته ويحقق كل ما يتمناه ويصبو إليه، فالأطفال هم أهم وأثمن ما في الوجود بالنسبة لآبائهم وهي مسألة لا جدل فيها ولا اعتراض عليها، ولكن نقاشنا هنا وطرحنا لمسألة أو فكرة تدليل الأطفال على أنها مشكلة ويجب عدم المبالغة فيها، يهدف لوضع الحدود التي من شأنها التفريق بين تقديم المحبة والحياة الجيدة لأطفالنا، وبين التسبب دون قصد في غرس صفات سلبية ومرفوضة في شخصياتهم فهذا سوف يعيق أدائهم وتطور قدراتهم ونموهم في المستقبل.
 

المراجع والمصادر

[1] مقالMookie Spitz،  "أطفالي مدللون وهذا خطأي" منشور في blog.usejournal.com، تمت مراجعته بتاريخ 17/6/2019.
[2] مقال للباحث Holly Royce "هذا ما يحصل للأطفال المدللين عندما يكبرون" منشور على nowtolove.com.au، تمت مراجعته بتاريخ 17/6/2019.
[3] مقال Gina Shaw "هل طفلك مدلل؟" منشور على موقع webmd.com، تمت مراجعته بتاريخ 17/6/2018.