كان اليوم الأول في العيد، وجميعنا يعلم ما الذي يعنيه هذا اليوم بالنسبة للأطفال، إجازة من المدرسة وملابس جديدة وزيادة في المصروف والعيديات وانتشار الألعاب والأطعمة اللذيذة ومظاهر المرح في كل مكان، بينما كنت مرتدياً ملابسي الجديدة وأحمل عيديتي في محفظتي الجديدة متنقلاً بين الألعاب في ساحة العيد ولا أعلم كيف سقطت مني محفظتي والتي كنت أحمل فيها كل مصروفي وعيدياتي وضاعت في مكان ما هناك، ومع ضياع المحفظة شعرت أن العالم ينهار من حولي وبطريقة ما ضاعت معها كل أفكاري ورغباتي ومخططاتي حول ما كنت أنوي القيام به لباقي أيام العيد.


ذات صلة


من أين تنشأ مشاعر الخسارة والفشل عند الطفل؟

مواقف الحياة ومتطلباتها، حاجاتنا بها ورغباتنا، آمالنا أمانيا توقعاتنا أحلامنا، وغيرها كثير من المواقف التي من الممكن أن تضعنا في مواجهة مشاعر مثل الفشل والخسارة عندما يحصل شيء ما يحول دون تحقيقنا لها، الجميع يمر بتجربة الخسارة أو الفشل ويشتعل بداخله الكثير من مشاعر الكبت والحرمان أو الإحباط والاكتئاب وخيبة الأمل بسببها، فمن أين تنشأ هذه المواقف وما أسبابها:

مواقف التحدي والصراعات: يمر الطفل خلال أيامه العادية بالكثير من المواقف التي تتضمن تحدي شيء أو شخص أو الصراع معه، كحالة الشجار والمنافسات مع الزملاء، وفي هذه المواقف قد يكون الطفل هو الطرف الخاسر وبالتالي سوف يشعر بهذه الخسارة أو يمثل هذا المواقف فشلاً بالنسبة له.

فشل التوقعات: يبني الطفل الكثير من الآمال في حياته ويحلم بتحقيق العديد من الأمنيات، ولكن من البديهي أن لا تكون تلك الأمنيات جميعها قابلة للتحقق وأن لا تأتي دائماً التوقعات متوافقة مع الواقع، وهذه المسألة تمثل موقف محبط وخيبة أمل بالنسبة للطف.

فقدان الأشياء الهامة: كل منا يملك أشياء وأغراض خاصة به ويراها غالية بالنسبة له، وتتثمل هذه الأشياء بالنسبة للطفل في ألعابه مثلاً أو ملابسه المفضلة أو حصالة نقوده وخسارة أي من هذه الممتلكات مهما كانت بسيطة بسبب الضياع أو التخريب تمثل موقف يشعر به الطفل بالخسارة والفقدان.

فقدان الأعزاء: وخاصة بالنسبة للأهل أو بعض الأصدقاء المقربين فهؤلاء يمثلون مجتمع الطفل ومحيطه وتربطه معهم علاقات عاطفية، وفقدانه لأي من هؤلاء بسبب موت أحد الوالدين مثلاً أو مرضه أو سفره، أو انتقال الصديق من الحي السكني أو المدرسة، كلها تعتبر مواقف خسارة بالنسبة للطفل وتكوّن لديه مشاعر سلبية.

الضعف بالدراسة: قد يؤدي ضعف الطفل في بعض دروسه ومواده التعليمية أو جميعها إلى رسوبه بالامتحان أو تحصيل درجات ضعيفة بالمدرسة، وهذا قد يسبب له الشعور بالإحراج أو التوبيخ أو الغيرة من الأقران الأكثر اجتهاداً، وهذه الأشياء تسبب له الشعور بالفشل أو النقص وبالتالي خيبة الأمل أو الإحباط.

الخسارة في الألعاب: وخاصة الألعاب التي تختبر بعض قدرات الطفل مثل المسابقات المتنوعة أو الألعاب التي تحتوي على المنافسة والتحدي مثل الألعاب الرياضية ككرة القدم وحتى ألعاب الفيديو، فالطفل يرغب دائماً بالفوز والانتصار والربح وعند خسارته في هذه الألعاب سوف يحزن وربما يشعر بالإحباط والفشل.

مواقف الغيرة: مواضيع الغيرة المحيطة بالطفل كثيرة ومتنوعة مثل وجود أشقاء أصغر منه ويلقون عناية أكثر من قبل ذويه، أو غيرته من أقرانه الذين يتميزون عنه بشيء ما، فهذه الغيرة من الممكن أن تجعله يرى أنه أقل من الآخرين ويفشل دائماً بالمقارنة معهم، وهذه الأشياء تمثل خسارة كبيرة بالنسبة له، فهو يرى أنه يخسر مكانته وقيمته.

الشعور بالضعف: أسباب الشعور بالضعف كثيرة وقد لا تحصى وحتى نحن الكبار نمر بتلك المواقف التي نجد فيها أننا عاجزين عن القيام بأي شيء تجاهها، والأطفال بسبب طبيعتهم النفسية التي تتميز بالحماسة والاندفاع بالإضافة لقلة خبراتهم وامكاناتهم، يمرون بالكثير من هذه المواقف وبالتالي يشعرون بضعفهم وأنهم فشلوا في تحقيق مبتغاهم.

ضعف الثقة بالنفس: حيث أن الطفل الغير واثق بنفسه معرض أكثر للخسارة والفشل فهو لا يجد بنفسه كفؤ للقيام بالكثير من الأشياء وأنه سوف يفشل في محاولاته، وهذه المسألة تعتبر من أهم أسباب الشعور بالخسارة والفشل.
 

ذات علاقة


آثار الفشل والخسارة على شخصية الطفل

ربما الخسارة في بعض الأحيان هي التي ساعدتنا في إدراك حدودنا وقدراتنا بالإضافة لتقوية إرادتنا وزيادة وثبات عزيمتنا على المحاول من جديد والنجاح، وهكذا هي الخسارة بالنسبة لمعظم الأطفال تمارس دوراً في تعليمهم وصقل شخصياتهم ورسم طموحاتهم وتهذيب شغفهم وأحلامهم وربما طباعهم، ولكن الخسارة والفشل من الناحية العاطفية تحمل معها الكثير من المشاعر السلبية والنتائج السيئة ويمكن تلخص بعضها:
يجب أن يشعر الطفل بالخسارة في بعض الأحيان[1]: فهذا الشعور بالخسارة يساعده في فهم حدوده بالإضافة لإدراك واجباته تجاه بعض الأشياء كي لا يفقدها، وهذا من جهته يساعده في السعي نحو تنمية قدراته وتطوير إمكاناته.

الاحباط وخيبة الأمل: وتعتبر هذه من أسوء نتائج الشعور بالخسارة أو الفشل، حيث يشعر الطفل بعجزه وضعفه بالإضافة لفقدان آماله وأمنياته وتدمير أحلامه وطموحاته، فيحبط ويكتئب ويشعر بالضعف وخيبة الأمل.

الغضب والعدوانية: عندما يشعر الطفل أنه فشل في تحقيق هدف ما أو خسر شيء غالي بالنسبة له، فكثيراً ما يشعر بالغضب والنقمة تجاه أسباب خسارته وفشله وربما يلجأ لبعض السلوكيات العدوانية تعبيراً عن رفضه لهذا الواقع أو دفاعاً عن نفسه وتعويض النقض الذي يشعر به.

البكاء والشكوى والتذمر: وهي من الطرق الأكثر شيوعاً بين الأطفال في التعبير عن خسارتهم ورفضهم لنتائجها، وكأنهم يستجدون التعاطف أو قيام الآخرين بتعويض خسارتهم ومواساتهم.

الاكتئاب والتشاؤم: وهذا يحصل غالباً عند تكرار مواقف الخسارة والفشل حيث يرى الطفل أنه لا يوجد أمل من تحقيق هدفه ويشعر بالتشاؤم تجاه أي شيء يقبل عليه أو عمل يقوم به، وهذه مسألة خطيرة تتسبب في تنمية شخصية غير متفائلة ولا تقوى على تحمل صعوبات الحياة والظروف.

المبالغة في تصرفات التحدي والعناد: وهذا ينتج عن رغبة الطفل واصراره على تحقيق ما يريد ورفضه لواقع خسارته وفشله وقيامه بأي شيء لتغيير هذا الواقع مهما كلفه الأمر، ولكن دون الاعتماد على فهم أسباب الخسارة الأولى وإعادة المحاولة بعد تجاوزها، وإنما فقط من دافع العناد نفسه والتحدي وإثبات الذات.

الشعور بالضعف والعجز: فالطفل الذي يرى نفسه فاشلاً وخاسراً تتشكل لديه مشاعر النقص والدونية وأنه ضعيف وغير قادر على إنجاز شيء، وهذه مسألة بحد ذاتها لها الكثير من السلبيات مثل فقدان الثقة بالنفس وتنمية الشخصية الاتكالية الضعيفة.

لوم النفس وكره الذات: فعندما يرى الطفل أنه هو المتسبب في خسارته وفشله وأنه لم يحسن التصرف ويبالغ في لوم نفسه، قد يشعر الطفل بكره ذاته وفقدان احترامه لها.
 

التعامل مع مشاعر الفشل لدى الأطفال

طرق التعامل مع مواقف الخسارة والفشل لدى الأطفال وجعلهم أكثر تقبلاً لها
مهما كان الوقت الذي يمر به الإنسان عصيب وسيء أو رائع جميل سوف يمر وينتهي، وكما يقال كل شيء في الحياة يبدأ صغير ثم يكبر إلا المصائب تبدأ كبيرة ثم تصغر، يجب أن يتعلم الطفل هذه القيمة التي سوف تساعده دائماً في التغلب على مواقف فشله والوقوف بثبات أمام خساراته ويمكن تحقيق هذا من خلال بعض الخطوات التربوية:
تنمية وتعزيز ثقة الطفل بنفسه: حيث أن الطفل الواثق بنفسه والمقدر لإمكاناته وحدوده يعتبر أكثر تأقلماً مع ظروف الخسارة وأسرع في تجاوزها والفوز عليها في المرات القادمة.

استبدال وتحويل سبب خسارة الطفل وموضوعها إلى ما هو أكثر تلاؤماً مع قدراته: ويقصد هنا أنه عند ثبوت فشل الطفل في مجال أو هدف معين لأسباب متعلقة بالطفل نفسه وقدراته كالقدرات البدنية مثلاً، فيجب تحويل نشاط الطفل وسعيه نحو مواضيع أكثر تناسباً مع ما يملكه من إمكانات فقد يفشل في الرياضة مثلاً ولكن ينجح في أحد أنواع الفنون.

تعليم الطفل التعامل مع مواقف الخسارة بروح رياضية: بمعنى أن يتقبل هذه الخسارة ولا تجعله يشعر بالاسى أو الإحباط[2] وإنما يجب أن يتعلم أن الخسارة مؤقتة كما الربح مؤقت، وإذا فشل في شيء معين هذا لا يعني أنه سوف يفشل حتماً بأشياء أخرى.

التشجيع والتحفيز المستمر: فعندما يفشل الطفل في أحد محاولاته لا يجب أن يترك وحيداً يواجه نتائج ومشاعر هذا الفشل والخسارة، وإنما يجب استخدام كافة وسائل التحفيز مثل الإطراء او الكلام المشجع وتعويض مشاعر النقص الناتجة عن الخسارة ولكن دون المبالغة.

لا مانع من ترك الطفل يخسر بعض الأشياء البسيطة في بعض الأحيان: فليست كل آثار الخسارة سلبية وإنما يمكن من خلالها تنمية معاني العزيمة والاصرار فمع المشاعر السيئة التي تثيرها مواقف الخسارة والفشل في أعماق النفس إلا أنها لها دور في تقوية الإرادة وصقل وتهذيب بعض نواحي الشخصية.

التعلم من الخطأ الذي أدى للخسارة: فهناك دائماً أسباب تقف وراء الخسارة والفشل ويجب أن يتعرف عليها الطفل ويحددها ويدركها بشكل جيد حتى يتمكن من تجاوزها والتغلب عليها في وقت لاحق[3].

رغم الشعور المؤلم الذي تسببه مواقف الخسارة والفشل بالنسبة للطفل إلا أنها قد تمارس دوراً هام في تعليمه الكثير من دروس الحياة ومعانيها، ونحن دائماً في عملية التربية التي نمارسها مع أطفالنا نبحث باستمرار عن منهج تربوي يشبه عملية جراحية يمكننا خلالها استئصال ما نراه سلبي وسيء في شخصياتهم وعلاجهم ووقايتهم من الأضرار التي قد تسببها الحياة لهم، بالإضافة لسعينا لغرس القيم والأفكار والمعاني التي نراها مناسبة وجيدة وإيجابية، وهذا ما حاولنا شرحه في هذا المقال حول كيفية التعامل مع مشاعر الخسارة والفشل عند الأطفال.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال  AVIVA PATZ"الفشل هو خيار خيبة الأمل الصغيرة يمكن أن تفيد الطفل" منشور في parents.com. تمت مراجعته في 20/7/2019.
[2] مقال Catherine McCall  "كيف تساعد طفلك في التعامل مع الخسارة" منشور في Psychologytoday.com. تمت مراجعته في 20/7/2019.
[3] مقال الكاتب Robin McClure "كيف تعلم أطفالك أن يتعلموا من الفشل" منشور في verywellfamily.com تمت مراجعته في 20/7/2019.