ما أن يغادر الأبناء مرحلة الطفولة حتى يجد الآباء والأمهات أنفسهم أمام العديد من التحديات، فهم يتوقعون أن النضج الجسدي للأبناء، وازدياد مهاراتهم  يصاحبه نضج انفعالي وإحساس بالمسؤولية واحترام الآخرين، ولكن ما يحدث غالبًا هو العكس، فمرحلة المراهقة تعني طوفان من المشاعر والانفعالات المتضاربة، وصعوبة تحكم المراهق في ردود أفعاله، فضلا عن اتخاذه للقرارات بشكل سليم.


ذات صلة


تحديات تربية المراهقين

قبل أن نتحدث عن الأخطاء التي يقع فيها الوالدين خلال تعاملهم مع أبنائهم المراهقين، من المهم أن نلقي نظرة سريعة على التحديات التي يمر بها الآباء والأمهات:

1- يكتشف الوالدان أن أدواتهم التربوية السابقة لم تعد مجدية، أو ربما أصبحت تسبب المشكلات.. فالابن أو الابنة الذين كانوا يحبون تدخل آبائهم ومشاركتهم أصبحوا راغبين بشدة في الاستقلال والمخالفة.

2- يجد الوالدان أنفسهم أمام حزمة جديدة من المسؤوليات مختلفة كثيرًا عما تعودوا عليه سابقًا، وأن عليهم مسؤوليات تحتاج إلى جهد وتعلم، مثل: التربية الجنسية والعاطفية، والتعامل مع تقلبات المزاج، وتحمل مظاهر قلة الاحترام، وحماية الأبناء من أصدقاء السوء، والانتباه للسلوك بشكل عميق.
على الوالدين أن يدركوا حاجتهم إلى تعديل مهارات الأبوة والأمومة للتعامل مع المراهقين حتى لا يدخلوا معهم في مشكلات وجدالات هم في غنى عنها.

3- مشكلات التواصل من أصعب ما تتعرض له علاقة الوالدين بأبنائهم المراهقين، حيث يبدو واضحًا للآباء أن أبناءهم أصبحوا أكثر استقلالاً ورغبة في الابتعاد عن جو الأسرة، بينما يحتاج المراهقين إلى وجود الوالدين واهتمامهم، ولكن بشكل يحترم عقولهم وليس كأطفال يتسمعون إلى النصائح والقصص.
التواصل مع طفلك لم يعد طفل صغير بعد الآن. إنهما مراهقان أو مراهقان - وحان الوقت لتعديل مهارات الأبوة والأمومة لمواكبة هذه المهارات.

4- يصعب على بعض الآباء تقبل مرحلة المراهقة وتفهمها، فيصرون على أن يعاملوهم كأطفال، متشبثين باعتقاد متوارث أن "الطفل مهما كبر فإنه لا يكبر على والديه"، وهذه الجملة قد تكون صحيحة عاطفيًا، أي أن عاطفة الأبوة والأمومة تظل كما هي داخل الوالدين، أما من الناحية التربوية وعلى مستوى العلاقة فإن الإصرار على التعامل مع المراهق كطفل ينتظر الأوامر والتوجيه يؤدي إلى عواقب سيئة.

5- من الصعوبات في تربية المراهقين والتي تنتشر بشكل خاص في العالم العربي هي إصرار الآباء والأمهات على فرض القيم، وتحديد الأساليب التي كان تتبعها أسرهم قبل عقود، متناسين الجملة العبقرية المنسوبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه "لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".
 

ذات علاقة


أهم الأخطاء في التعامل مع المراهقين

تعرف على أبرز خمسة أخطاء يقع فيها الآباء والأمهات في تربية المراهقين[1]:

1- توقع الأسوأ من مرحلة المراهقة
يقول ريتشارد ليرنر، مدير معهد الأبحاث التطبيقية في تنمية الشباب بجامعة تافتس بمدينة بوسطن الأمريكية، إن الكثير من الآباء يتعاملون مع مراهقة أبنائهم كأزمة، ويقفون موقفًا سلبيًا ينتظرون دومًا ما هو أسوأ، ويبدؤون في شاهدة أبنائهم يتحولون من أطفال محبوبين إلى وحوش! مما يضع الآباء والمراهقين في علاقة غير سعيدة وغير مرضية لسنوات.
ويوضح ليرنر أن الرسالة التي يوجها الآباء لأبنائهم المراهقين هي أن كل ما يتمنونه أن يتجنبوا الأشياء السيئة، مثل التدخين، وتعاطي المخدرات، ومصاحبة أصدقاء السوء، أو الوقوع في علاقة غرامية غير أخلاقية.
والمشكلة في هذا الأسلوب في التفكير والتربية أنه يتحول بالفعل إلى واقع، فهذه التوقعات السلبية تعزز السلوك الذي يخشاه الآباء، وهو ما أظهرته دراسة أجرتها جامعة ويك فورست أن المراهقين الذين توقع آباؤهم أن يشاركوا في سلوكيات خطرة، حققوا مستويات أعلى من هذه السلوكيات بعد عام واحد.
وينصح الخبير التربوي المربين بالاهتمام بهوايات الطفل واهتماماته، حتى ولو لم تكن مثار إعجاب وفهم للأب والأم، وفتح طرق جديدة للتواصل مع الطفل عن طريق المشاركة في شيء جديد محبوب، ويلفت الانتباه إلى أن المراهقين في المدارس المتوسطة خاصة يواجهون أوضاع اجتماعية جديدة، ويحتاجون إلى فهم الأبوين وقربهما للحديث عن مشكلات دقيقة مثل ضغط الأقران، والثقة بالنفس، والشعور بالتميز، والعلاقات العاطفية وغيرها.

2- الإفراط في قراءة كتب التربية 
لاشك أن قراءة كتب التربية، والاطلاع على خبرات المربين أمر هام وعامل مساعد على تجاوز صعوبات المراهقة، ولكن المشكلة عندما يفقد الآباء والأمهات الثقة بأنفسهم تماما، ويتشككون في قدرتهم الطبيعية على احتواء أبنائهم، ويستمعون إلى الكثير من النصائح والتوجيهات والتي قد تكون متضاربة أحيانا.
يقول روبرت إيفانز مؤلف كتاب "المسائل الأسرية: كيف يمكن للمدارس التغلب على الأزمة في تربية الأطفال"[2] : "إذا لم تكن النصائح الموجودة في الكتب واسلوبها ملائمين، فإن سعي الوالدين لتطبيقها سيجعلهم أكثر قلقًا وأقل ثقة مع أطفالهم".
اقرأ الكتب المهمة، واستمع إلى نصائح خبراء التربية، ثم انطلق في علاقتك بأبنائك بثقة، وحدد بنفسك الأمور الأكثر أهمية لك ولعائلتك، واتفق معهم على طريقة التطبيق.

3- الاهتمام الكبير بالأمور الصغيرة
قد تستفزك الكثير من تصرفات ابنك/ ابنتك المراهقين، قد لا تعجبك قصة شعر ابنك، أو يضايقك كون ابنتك لا تبدي اهتماما بهواية أنت تعلم أنها تتقنها، إلى غير ذلك من التفاصيل، ولكن.. قبل أن تتدخل وتجادل وتحاول انظر إلى الصورة الكبيرة.
إذا لم يتعرض طفلك للخطر، فامنحه الفرصة لاتخاذ القرارات، واتركه يتعلم عواقب خياراته.
يقول إيفانز: "يسعى الكثير من الآباء أن يجنبوا أبناءهم الألم وخيبة الأمل والفشل، ولكن حماية طفلك من واقع الحياة يهدر فرصًا قيمة للتعلم قبل أن يكبر ويستقل".
ولا يعني هذا أن دورك في التوجيه غير مهم، لا إطلاقًا، كل ما في الأمر أنك تحتاج إلى التراجع في الأمور الصغيرة، وأن تدع طفلك يتعلم وهو يعرف أنك موجود من أجله.

4- تجاهل الأمور الكبيرة
إذا راودتك الشكوك حول تعاطي ابنك للكحول أو المخدرات، فلا تصرف انتباهك، ولا تتظاهر وكأنك لا تعرف بالأمر، حتى وإن كان الأمر بسيطًا أو قليلًا، وحتى وإن ذكرك هذا ببعض أخطائك في مثل سنه، يجب عليك اتخاذ إجراء حاسم الآن قبل أن تصبح المشكلة أكبر.
تقول الدكتورة إميليا أريا مديرة مركز جامعة ماريلاند لصحة وتنمية الشباب البالغين إن في السنوات من 13 إلى 18 يجب على الوالدين أن يبقوا منتبهين، وأن يأخذوا المخاطر بجدية.
وتنصح بمراقبة التغيرات في سلوك المراهق، ومظهره، وأدائه الأكاديمي، وأصدقائه، والانتباه بشكل خاص إلى كل ما قد يؤدي إلى خطر الإدمان، وليس فقط المخدرات غير المشروعة المعروفة، حيث إن بعض الأدوية المتوفرة في المنزل مثل أدوية السعال والأقراص المسكنة والمهدئة قد تمثل خطرا، لذا فمن المهم حصر الأدوية في المنزل، والانتباه في حالة وجود علبة دواء مفقودة، أو أقراص غير مألوفة، أو لفافات في القمامة.

5- الصرامة أو التراخي في التربية
كثيرا ما يقع آباء وأمهات المراهقين في أحد الخيارين عند شعورهم بفقدان السيطرة على سلوك المراهق، إما أن يتخذوا إجراءات صارمة للغاية في كل مرة يخطئ الابن فيها، أو يتجنبوا النزاع تماما ويتركوا الحبل على الغارب خوفًا من الصدام أو رد فعل المراهق.
ومن المهم في هذه النقطة الانتباه إلى قاعدة تربوية هامة: وهي التوازن بين الطاعة والحرية.
إذا ركزت كثيرًا على الطاعة، فقد تكون قادرًا على جعل المراهق أن يلتزم بالسلوك المنشود، ولكنك في المقابل ستخسر أمورًا هامة على المدى، فالمراهق الذي ينشأ في بيئة جامدة يخسر فرصة تطور مهاراته في حل المشكلات ومواجهة الظروف، فضلا عن تنمية الروح القيادية لديه، وشعوره بالثقة والحفاظ على الأمانة والالتزام بالمسؤولية إذا لم يكن عليه رقيب.

التربية الصارمة على الطاعة بدون حرية تفقد الابن بوصلته الداخلية، نعم ربما يكون سلوكه الظاهر جيدًا ولكن إذا فقد التوجيه والرقابة غالبًا ما سيتغير سلوكه.
أما الحرية الواسعة بدون توجيه وعواقب فإنها لا تساعد المراهقين والمراهقات على النضج، يحتاج المراهقون إلى الحزم كما يحتاجون إلى الحرية، يحتاجون إلى وجود قواعد واضحة، والشعور بأن الأسرة لها قوانين وآداب يجب احترامها.

تقول الخبيرة النفسية والتربوية في موقع حلوها د. هداية ردًا على سيدة تسأل عن طريقة إبعاد ابنها المراهق عن أصدقاء السوء:

"قد يتبنى المراهق في تفاعله مع المحيط الخارجي جملة من الأفكار السلبية وغير السوية والتي تعتبر مبادئ لا يمكن له الاستغناء عنها كون أنها معتقد راسخ في ذاكرته يساعده على بناء هويته وشخصيته المستقلة عن الوالدين، ولكن لا يمكن القول أنه لا يعترف بالسلوكيات الغير السليمة ويعتبرها جيدة بغض النظر عن المنطلق، فلو تعلم مبادئ وقواعد وقيم وعادات وتقاليد من الأسرة لن يكون بالسهل الانجراف إلى عادات سيئة من الأصدقاء، ولكن لو وجد هناك تذبذب في العادة وازدواجية سيجد بالفعل متنفسا له من رفقاء السوء كون أن كل مرغوب مسموح به من طرفهم لدى كل ما يجب عليك في هده الحالة هو الاعتماد على النصائح التالية من أجل تغيير الأفكار السلبية التي يتبناها الطفل مع رفقاء السوء : 
- ترك الحرية للطفل للإبداء بآرائه وافكاره من أجل قراءة ما بداخله.
- تفنيد الأفكار السلبية التي يتبناها عن طريق مقارنتها بالواقع وتقديم تبريرات حول ذلك.
- التحدث عن أهداف مستقبلية للطفل حتى يسعى إلى تحقيقها بعيدا عن تضييع الوقت مع رفقاء السوء.
- التحدث عن المبادئ العامة التي تكون شخصية الفرد.
- غرس روح التعاون والحب والتشارك داخل الأسرة من أجل التعديل المستمر في الأفكار والسلوكيات.
- تحسيس الطفل بمكانته الأسرية والاجتماعية عن طريق السماع له وأخذ رأيه في بعض الأمور. 
لا تتجاهلي الاحتواء لأن له تأثير بالغ على نفسية الطفل وهو سر من أسرار التغيير لأن التأثير على الطفل لا يكون بالمخاصمة والعتاب بل بفهم ميوله واحتوائه لكي يكون هناك دافع داخلي للتغيير".

وختامًا فإن معرفة هذه الأخطاء الرئيسية في تربية المراهقين، يساعد على تجنبها، وإنشاء علاقة متوازنة مع الأبناء في هذه المرحلة الهامة في حياتهم.
 

المراجع والمصادر

[1] مقال Joanne Barker "خمسة أخطاء يقع فيها الوالدين مع المراهقين" منشور في webmd.com، تمت مراجعته في 4/11/2019
[2] كتاب Family Matters : How Schools Can Cope with the Crisis in Childrearing" Robert Evans "، رابط الكتاب في موقع امازون، تمت المراجعة في 5/11/2019