تخلي الأب عن مسؤولياته ومأساة الأب عديم المسؤولية

ماذا يحدث حين يتخلّى الأب عن مسؤولياته؟ أسباب تخلي الأب عن مسؤولياته وتأثير تخلّي الأب عن مسؤوليته على الأطفال؟ كيف تتصرّف الأم مع تخلّى الأب عن مسؤوليته؟

تخلي الأب عن مسؤولياته ومأساة الأب عديم المسؤولية

تخلي الأب عن مسؤولياته

  يحدث في حالات ما أن ينسحب الأب ويتخلّى عن مسؤولياته تجاه الزوجة والأبناء، تاركاً إياهم لرحمة الأقدار، وتتنوّع الأسباب التي قد تدفع بالأب للتخلّي عن مسؤولياته، لعلّ من بينها المرض النفسي لدى الأب أو الانحراف أو الفقر المدقع، بما لا يدع مجالاً له للتفكير في حلّ سوى الهروب.

لعلّ من نافلة القول إن المتضرّر الأول من تخلّي الأب عن مسؤولياته هم الأبناء؛ إذ تنشأ لديهم عدد من الاضطرابات النفسية والسلوكية في أغلب الأحيان، إلى جانب ما ستواجهه الزوجة من متاعب في تصدّيها لمسؤولية البيت والأطفال لوحدها.
 

الأبناء إذاً هم المتضرّر الأكبر من تخلّي الأب عن مسؤولياته، إذ سيعانون من مشاكل عدة أهمها غياب النموذج الذي بوسعهم أن يحذوا حذوه، وبالتالي لن يكونوا في الغالب قادرين على القيام بهذه المسؤولية لاحقاً.
عدا عن كون الأبناء الذين يغيب آباؤهم ويتخلّون عن مسؤولياتهم تجاههم يواجهون مشاكل نفسية وسلوكية شتى من أهمها الانحرافات السلوكية والتعرّض للتنمر والإساءة من قِبل أفراد كثر في المجتمع، وتحديداً حين لا تكون الأم على قدر من القوة والكفاءة لإدارة دفة العائلة بعد تخلّي الأب عن أبنائه وهروبه من مسؤولياته[4].

يحدث كذلك أن يعاني الأبناء الذين تخلّى والدهم عن مسؤولياته من مشاكل تتعلق بتعاملهم وتعاطيهم مع نموذج الأب، وتحديداً الإناث اللاتي كثيراً ما يعانين من التعلّق برجال في عُمر الأب الذي تخلّى عن مسؤولياته، من دون أن يستشعرن السبب، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من احتماليات استغلالهن جنسياً واستنزافهن نفسياً وجسدياً من دون أن يفطنّ لحقيقة الأمر ودوافعه.
كما يعاني الأبناء الذين يتخلّى عنهم والدهم من تدنٍّ في المستوى الدراسي، أي ما يرتبط بالتحصيل العلمي، الذي يرتبط أكثر ما يرتبط بمدى الاستقرار النفسي والمادي الذي يتمتع به الطفل واليافع والراشد[1].

التأثيرات السلبية لتخلّي الأب عن مسؤولياته على حياة الأبناء
تتساوى الإناث بالذكور في حدوث التأثيرات السلبية عند غياب الأب وتخلّيه عن مسؤولياته، ذلك أن كليهما يحتاج وجود الأب بدرجة ما ومن خلال أدوار مختلفة؛ لذا فإن غياب الأب عن الأسرة والأبناء سيكون مدمراً[4].

بالعادة يلعب الآباء دور السلطة في البيت، وليس المقصود بالسلطة هنا فرض القوة أو القسوة، بل أن يكون الأب صمام الأمان للأسرة والقادر على حسم الأمور لصالحها حين تحدث انعطافة ما؛ لكن حين يغيب الأب، فإن كثيراً من الأبناء والبنات يذهبون لإشغال الفراغ الذي تركه الأب بتعلّق من نوع آخر، فيذهبون بالعادة لخلق نموذج يسدّ مكان الأب وتحديداً في حالة الفتيات، ما ينتح عنه في مرات كثيرة علاقات برجال من عمر الأب، أو أن يشغل الأبناء عموماً هذا الفراغ بالانحراف وممارسة العادات الخاطئة مثل التدخين وإدمان الكحول ومصاحبة رفاق السوء[4].

في ما يلي أبرز التأثيرات السلبية المترتبة على غياب الأب عن العائلة وتخلّي الأب عن مسؤولياته[1]:

  1. السلوك السيء والانحرافات السلوكية والاجتماعية، وهو الأكثر ظهوراً لدى الأبناء الذين يعانون من تخلّي الأب عن مسؤولياته وغيابه، حيث تظهر المشكلات السلوكية والاجتماعية مثل التدخين والانحراف والعادات الخاطئة، ولعل من المسلّم به قول إن كثير من الفتيات المنحرفات أتين من عائلات لم يكن فيها الأب موجوداً أو تساوى فيها وجوده وعدمه.
  2. تراجع المستوى التعليمي للأبناء، وهذا من أبرز ما يترتب على تخلّي الأب عن مسؤولياته؛ إذ يتراجع التحصيل الدراسي لدى الأبناء، كما يترك بعضهم التعليم نهائياً، لا سيما إن لم يكن هنالك معيل آخر في حال غياب الأب وتخلّيه عن مسؤولياته.
  3. الانغماس في علاقات غير سويّة، وتحديداً لدى الفتيات اللاتي كثيراً ما يلجأن للاقتراب من رجال بعمر الوالد المتخلّي عن مسؤولياته؛ في محاولة منهن لاستحضار وجوده.
  4. التعرّض للتنمّر والإساءة من قِبل المجتمع، في حال تخلّي الأب عن مسؤولياته فإن كثيراً من الأبناء والبنات يتعرّضون للإساءة والتنمّر، لا سيما في المجتمعات الأقل حظاً، ولا سيما حين تكون الأم ضعيفة الحيلة، وبالتالي فإن منسوب الإساءات مرتفع حيال الأبناء والبنات الذين يتخلّى الأب عن مسؤولياته تجاههم.
  5. خلق نماذج مشوّهة من الآباء والأمهات، يخلق تخلّي الأب عن مسؤولياته نماذج مشوّهة لدى الأبناء والبنات، فيكونون في الغالب أنموذجاً مشوهاً ومضطرباً من الآباء والأمهات؛ ذلك أنهم فقدوا النموذج الصحيح في طفولتهم، عدا عن التأثيرات النفسية السيئة التي ترسّخت لديهم طوال الأعوام بسبب تخلّي الأب عن مسؤولياته.

كثر هم من يطرحون موضوع تخلّي الأب عن مسؤولياته، من دون محاولة النظر في بعض الدوافع التي قد تدفع بعض الآباء للتخلّي عن أبنائهم ومسؤولياتهم تجاه الزواج والأسرة[2].

  1. علاقات الرجل خارج الزواج: لعلّ من أشهر تلك الدوافع الذهاب لامرأة أخرى، سواءً كانت العلاقة في حينها على صورة علاقة في الخفاء أو زواج جديد، فإن الشغف بالجنس بطريقة تفوق الشعور بالمسؤولية هي الدافع الأكبر لحالات كهذه.
  2. الهروب من قيود الأسرة: في حالات أخرى يتطلّع فيها الأب الذي يتخلّى عن مسؤولياته للفكاك من القيد الاجتماعي والمادي الذي وجدّ نفسه عالقاً فيه بعد الزواج، وفي هذا عدم فهم حقيقي لما ينطوي عليه الزواج والإنجاب من مسؤوليات لا بد من الالتزام بها حتى النهاية[3].
  3. الاضطرابات والمشاكل النفسية التي يعاني منها الأب: ثمّة أسباب أخرى قد تدفع بالرجل للتخلّي عن مسؤولياته كزوج وأب، وهي الاضطرابات النفسية وعدم الاستقرار النفسي، ما يدفع برجال كثر للتخلّي عن مسؤولياتهم تجاه الزواج والأبناء، مثل ما يحدث في حالات الاكتئاب المزمن أو ما يتطوّر من سلوكيات منحرفة من قبيل الإفراط في تناول المشروبات الكحولية والإدمان والدخول في علاقات خارج إطار الزواج.
  4. انعدام حس المسؤولية والشعور العالي بالأنانية: وهو المسبّب الأبرز لظاهرة تخلّي الأب عن مسؤولياته، وهو المفضي لحدوث مأساة عائلية واجتماعية من هذا القبيل، وقلما يقدم رجل على ذلك من دون أن يكون لديه إرث ممتدّ من الاستهتار بالاعتبارات الاجتماعية والمسؤوليات الملقاة على كاهله. أي بالوسع القول إن الأمر أطول مما يبدو عليه وفي العادة هو ممتدّ منذ زمن[5].
  5. الندم على الزواج أو الاختيار: قد تجتمع بعض العوامل السابقة مع شعور الأب بالندم على اختياره لشريكة حياته، خاصّةً عندما تكون شخصية الأب معجونة بالاستهتار والتسرُّع الذي يجعله غير واعٍ بما يكفي بخياراته وقدرته على تحمّل مسؤولية هذه الخيارات؛ لذا، فإن حُسن اختيار الشريك منذ البداية هو واحد من الضمانات الأهم لعدم حدوث حالات مثل هذه.

زوجي تخلى عن مسؤولياته كأب وزوج! ... كيف تسدّ الأم مكان الأب والأم معاً حين يغيب الأب أو يتخلى عن مسؤولياته؟

على الرغم من خصوصية كل أسرة واختلاف الظروف المحيطة بتخلي الأب عن مسؤوليته، بل واختلاف شخصية الأمِّ وقدرتها على التعامل مع موقف هروب زوجها من مسؤولياته ببساطة، لكن هناك بعض الأمور التي لا بد أن تفكر بها كل أمِّ تخلّى زوجها عن مسؤولياتها، منها:

  • دور الأم والأب معاً: في الحالات كلها، يجدر بالأم التي تجد ذاتها في موقف تخلّي الأب عن مسؤولياته أن تسعى لسدّ الثغرة التي أحدثها غياب الزوج، على صعيد المسؤوليات العائلية وعلى صعيد الأبناء واحتياجاتهم.
  • ويعتمد التعاطي مع حالة تخلّي الأب عن مسؤولياته على عُمر الأبناء؛ إذ يجدر بكِ إفهامهم حقيقة ما حدث بأسلوب يتناسب مع أعمارهم، مع تذكيرهم بضرورة التعاضد لأجل النجاة من الموقف الذي وقعت فيه العائلة وهو تخلّي الأب عن مسؤولياته.
  • ركّزي على سد احتياجات الأبناء المادية والعاطفية والدراسية والمهنية أكثر مما تركزين على شتم الأب والتحشيد ضدّه. تذكّري أن ما حدث قد حدث، وأن كثرة التسخّط لن تغير الأمر كثيراً.
  • إن كنتِ مؤهلة علمياً ووظيفياً، فكثفي جهودك؛ لتغطية الثغرة المادية التي نتجت عن تخلّي الأب عن مسؤولياته، وإن لم تكوني مؤهلة علمياً، فحاولي اختيار وظيفة جيدة تضمن لكِ ولو دخلاً يسيراً، واطلبي المساعدة من عائلتكِ وعائلة الزوج؛ لمحاولة النجاح في إدارة دفة العائلة من جديد.
  • احرصي على أن يكمل الأبناء تعليمهم بشتى الطرق الممكنة، مثل البحث عن منح دراسية أو طلب مساعدة عائلتك أو عائلة الزوج الذي تخلّى عن مسؤولياته، ولا تشجعي أياً من أبنائكِ على ترك الدراسة لغايات الحصول على الرزق، أو ادعمي في اتجاه أن يكون هذا عملاً جانبياً، عوضاً عن الاكتفاء به وترك التحصيل العلمي.
  • ولعل الأساس هو حرصك على دعم الأبناء نفسياً في موقف عصيب سيترك أثره عليهم لاحقاً، عنوانه الأبرز تخلّي الأب عن مسؤولياته، وترك العائلة والزوجة والأبناء في مهبّ الريح.

كثيراً ما تعاطى موقع حلّوها مع مشاكل تخلّي الأب عن مسؤولياته واختياره الطلاق أو الابتعاد أو حتى بقائه في البيت لكن دون أن يكون له أي دور في تربية الأبناء أو العناية بهم أو حتى تحمّل نفقتهم، وكانت الإجابات في جلّها توصي المرأة بالقوة والثبات والقيام بالمسؤوليات المنوطة بها حيال نفسها والأبناء والبيت، برغم صعوبة الموقف.

وقدّم موقع حلّوها الكثير من النصائح في هذا السياق، الذي يكون فيه الأب قد تخلّى عن مسؤولياته الزوجية وتلك المنوطة به حيال الأبناء والعائلة، مؤثِراً الانسحاب وترك الحِمل برمّته على الزوجة والأبناء، وهو ما يتطلّب القوة والثبات من الزوجة في التعاطي مع الموقف، برغم صعوبته الجسيمة.

في واحدة من الإجابات التي قدّمها حلّوها، قالت المدرّبة ميساء الحموري لزوجة تشكو من تخلّي زوجها عن مسؤولياته ولجوئه لخيار الابتعاد والطلاق، إنه يجدر بها الالتفات لصحتها وتغذيتها ومهامها الحياتية، وعدم الاستسلام لليأس وللموقف الأليم الذي وجدت ذاتها فيه، وإن كان هنالك إقرار بجسامته وصعوبته.

الخبيرة النفسية سراء الأنصاري كانت قد ذهبت لمثل ما ذهبت إليه الحموري في توصية المرأة بالقوة والثبات في مواجهة الموقف، مردفة أنه يجدر بها عدم الالتفات للخلف إن عاد؛ ذلك أنه قد تركها في موقف عصيب يرمز لعدم تحلّيه بالمسؤولية الكافية لإدارة شؤون البيت والحياة الزوجية، كما أن الاحتمالية واردة لاحقاً لحدوث مثل هذا الموقف من جديد.

بدورها، ركّزت الأخصائية النفسية د. هداية في واحدة من الاستشارات التي وصلت لموقع حلّوها، على أن الضرر الأكبر في حياة الطفل هو طلاق والديه، بكل ما يترتب عليه ذلك من مشاكل نفسية وسلوكية واجتماعية لدى الطفل، لا سيما حين يكون اللقاء بأحد والديه لا يتجاوز ساعة أو بضع ساعات في الأسبوع الواحد، وهو ما لا يُعدّ كافياً لتنشئة الطفل تنشئة سليمة وإكسابه شخصية سويّة وسلوكيات متزنة.

لا تترددي بطلب الاستشارة من مجتمع حِلّوها من خلال النقر على هذا الرابط، كما يمكنك التواصل مع خبراء حِلّوها بشكل خاص وسري من خلال خدمة ألو حلوها عبر النقر هنا.

  1. مقال "تبعات الأب الغائب"، المنشور على موقع allprodad.com، تمت المراجعة في 12 فبراير 2020.
  2. مقال Roy F Baumeister "الآباء الذين يغيبون"، المنشور على موقع psychologytoday.com، تمت المراجعة في 12 فبراير 2020.
  3. مقال Clint Edwards "ما يجدر قوله عن الآباء الذين يتخلّون عن مسؤولياتهم"، المنشور على موقع scarymommy.com، تمت المراجعة في 12 فبراير 2020.
  4. مقال Melinda Fowler "حين تركنا والدي وأنا لا أزال طفلة صغيرة"، المنشور عبر موقع scarymommy.com، تمت المراجعة في 12 فبراير 2020.
  5. مقال David Brooks "لماذا يتخلّى أب عن أطفاله؟"، المنشور عبر موقع www.nytimes.com، تمت المراجعة في 12 فبراير 2020.