لا يبدو أن مشاعر الندم على الزواج مشاعر خاصة تصيب أحد الزوجين أو كليهما في ظروف معينة وحسب، بل الأقرب أن مشاعر الندم على الزواج تصيب معظم المتزوجين في مرحلة ما، وقد يدرك النادم على الزواج أسباب ندمه ويفندها ويحللها، أو أنه يشعر بالندم دون أن يدرك سبباً مقنعاً يغذي عنده هذا الشعور.
فما هو مفهوم الندم على الزواج؟ وهل يعتبر الندم على الزواج شعوراً طبيعياً؟ هل يمكن أن يتحول الندم على الارتباط إلى حالة تنغص الحياة الزوجية أو تنذر بالانفصال؟ وما هي طرق التعامل مع الندم الزوجي وأساليب مواجهته؟ نتعرف إلى إجابات هذه الأسئلة فيما يلي.
 


ذات صلة


مفهوم الندم على الزواج

كما ذكرنا في المقدمة فإن الندم على الزواج شعور يختبره معظم المتزوجين في مرحلة ما من زواجهم، بل أن هذا الشعور يشبه إلى حد بعيد المدَّ والجزر، يعصف بأحد الزوجين أو كليهما في مرحلة ما ثم يختفي، ويعود ثانيةً، ويختفي.
لكن الندم عن الزواج في أغلب الحالات لا يمكن النظر إليه كندم عميق يدفعنا إلى اتخاذ إجراءات حقيقية لتغيير الواقع أو يدخلنا في حالة من الاكتئاب، بل أنه يشبه إلى حد بعيد الندم العابر الذي يصيبنا إذا اشترينا سلعة ما ثم شعرنا أننا لم نكن بحاجتها أو أنها لم تحقق لنا ما نريده بالضبط، لكننا سرعان ما ننسى الموضوع برمته وقد نكتشف أن ندمنا لم يكن في محله، ولذلك يسمى الندم على الزواج مجازاً "ندم المشتري" إلَّا في الحالات الخاصة.
 

ذات علاقة


الندم على الزوج V.S الندم على الزواج

سنتحدث في الفقرات القادمة بالتفصيل الممكن عن أشكال الندم على الزواج وأسبابه ودوافعه، لكن قبل ذلك لا بد من التمييز بين الندم على الزواج نفسه وبين الندم على اختيار الشريك.
الندم على الزواج يتعلق أكثر بمؤسسة الزواج نفسها وما تدخله من تغيرات عميقة في حياة العازب، وهذا الشعور بالندم ليس غريباً في مختلف تجارب الحياة، فعند الانتقال لوظيفة جديدة أو سكن جديد أو إدخال أي تغيير على الحياة مهما بلغت بساطته تهاجمنا مشاعر الندم بدرجات مختلفة حسب تكوين شخصيتنا.
وأما الندم على الاختيار فهو موضوع مختلف تماماً، مشاعر أكثر اختلاطاً وتعقيداً من الخيبة والحزن والشعور بسوء التقدير، والفصل بين الحالتين هو السبيل الوحيد لإيجاد مخرج من عنق الزجاجة، لنتعرَّف أكثر على أنواع وأسباب الندم على الزواج وآليات مواجهته.
 

أشكال الندم على الارتباط

في مقال سابق تحدثنا بالتفصيل عن مفهوم الندم وعلاقته بمشاعر أخرى كالذنب والعار، وعلى الرغم أن الحالة العامة للندم على الزواج أن يكون عابراً مؤقتاً وغير مستقر، إلا أن الفصل بين أشكال الندم على الزواج مهم لفهم حالات الندم المختلفة والتعامل مع كل منها بالطريقة المناسبة:

الندم الطبيعي على الزواج: الحالة التي يختبرها معظم المتزوجين، وقلما ترتبط حالة الندم الطبيعية على الارتباط بأحداث معينة أو صفات سلبية معينة بالشريك أو ظروف خاصة، ولا يترتب على الندم الطبيعي على الزواج والارتباط أي إجراءات على أرض الواقع أو حتى ضغوط نفسية قوية، وغالباً ما يختفي هذا الشعور مع مرور الزمن.

الندم المرتبط بأحدث أو ظروف معينة: في حالات خاصة يكون الندم على الزواج نتيجة مواقف معينة أو ظرف معينة يمر بها الزوجان، مثل الضغوط المالية أو اكتشاف عادات سيئة لكنها ليست كارثية. 

الندم العميق على الزواج: وهو أعمق حالات الندم على الزواج وأكثرها استقراراً وتأثيراً على السلوك، لأنه يرتبط قبل كل شيء بالشريك نفسه، شعور أحد الشركاء أنه مخدوع وأنه يستحق الأفضل، أو وجود تصرفات وسلوكيات غير مقبولة من الشريك وسمات شخصية لم تكن ظاهرة وظهرت بعد الزواج، مثل البخل أو الكذب أو الإهمال أو الخيانة.
 

أسباب الندم على الزواج

فهم أسباب الندم على الزواج أفضل ما يمكن فعله للتعامل مع هذه المشاعر، ويمكن أن نلخص الأسباب الرئيسية التي تولد شعور الندم عند أحد الزوجين أو كليهما كالآتي:

1- فقدان الاستقلالية والحرية: غالباً ما يكون فقدان الاستقلالية والمساحة الشخصية دافعاً من دوافع الندم على الزواج، والرجال أكثر شعوراً بفقدان الاستقلالية بعد الزواج خاصة في المجتمعات المحافظة، لأنهم قبل الزواج كانوا يتمتعون بحرية شبه مطلقة في تخطيط حياتهم، فيما تشعر المرأة في المجتمعات المحافظة باستقلالية أكبر عندما تصبح سيدة منزلها.
وتحت هذا البند يندرج شعور أحد الزوجين بتفويت الفرص في مناحي الحياة المختلفة، كتفويت فرص التعليم أو تطوير المهارات الجديدة أو اتخاذ القرارات المجنونة، وحتى تفويت الفرص الجنسية وفرص العلاقات العاطفية، فترى الزوج يقول "فقط لو لم أكن متزوجاً!".

2- المسؤولية: المسؤولية المادية ومسؤولية تربية الأولاد والعناية بالأسرة ومسؤولية العناية بالشريك والحفاظ عليه وغيرها من المسؤوليات الثقيلة المرتبطة بالزواج، هذه المسؤوليات في لحظات معينة قد تدفع أحد الزوجين للشعور بالندم على الزواج.

3- تحديات الحياة الزوجية: من أنماط الندم على الزواج هو شعور الندم عند مواجهة مشكلة ما، ابن مريض يحتاج لعلاج لا نقدر عليه، ظروف مادية ضاغطة، أحداث غير محسوبة وغير مرغوبة، هي كلها أمور عادية تمر بها كل أسرة، لكنها قد تولد لدى أحد الشريكين شعوراً بالندم.

4- تطور الشخصية: خاصة في حالات الزواج المبكر تمثِّل مراحل تطور الشخصية تربة خصبة للشعور بالندم على الارتباط، الزواج بحد ذاته من التجارب التي تغيرنا إلى حد بعيد، تجعلنا ننظر للعالم بطريقة مختلفة، نبحث عن تفاصيل ونضع أهدافاً غير التي يبحث عنها العازب ويضعها.
في مرحلة منتصف العمر مثلاً خاصة عند الرجال يشعر الزوج أنه أهدر الكثير من الوقت في زواجه وبناء أسرته، ويشعر أن الوقت قد حان لينظر إلى نفسه ويتنعم بحياة شخصية.

5- التوقعات المسبقة: لطالما كانت التوقعات المسبقة فخاً نقع به دون أن نشعر، فعندما نرسم صورة مثالية للحياة الزوجية وللشريك، ثم نكتشف أن الحياة الزوجية أكثر واقعية مما نعتقد، وأن الشريك أقل مثالية مما نريد، ندخل في نفق الندم.
وفي سياق متصل هناك ما يمكن تسميته "صدمة الطعم"؛ هل جربت أن تشرب من كوب تعتقد أن فيه قهوة فيصدمك طعم الشاي؟، المشكلة ليست بمحتوى الكوب بل بتوقعاتك عمَّا يحتويه حتى وإن كنت تحب الشاي أكثر من القهوة!.

6- الصدمة: عندما نكتشف الجوانب السلبية في شخصية الشريك وسلوكه، أو عندما نتعرض للخديعة والكذب، عندما تنهار أربعة أخماس الوعود التي قطعها قبل الزواج، وعندما نشعر أننا ضحية، عندما نتعرض للخيانة، أو نعاني من الإهمال العاطفي....إلخ.
 

متى يصبح الندم على الزواج خطراً؟

بما أن الندم على الارتباط والزواج شعور مألوف لدى معظم المتزوجين، وبما التصريح بالندم على الزواج ليس أمراً سهلاً؛ فإنهم يجاهدون لإبقاء هذه المشاعر داخلية من خلال كبتها وكتمها، لكن وفي حالات معينة تكون مشاعر الندم محركاً للسلوك ودافعاً قوياً للشريك النادم لاتخاذ إجراءات حقيقية.
مشاعر الندم العميق التي ترتبط بالشريك نفسه قبل كل شيء وقد تتعلق بأحداث وظروف أخرى هي الأخطر على الإطلاق، حيث يبدأ الشريك النادم بمحاولة الانفصال العاطفي عن شريكه وعن أسرته، ويحاول أن يبحث عن حياة موازية تعوضه عن حياته الزوجية التعيسة من وجهة نظره، وقد تقوده هذه المحاولات إلى الإهمال واللامبالاة أو الخيانة أو حتى الانفصال الفعلي.
 

مواجهة الندم على الزواج

قلما يتحدَّث الشريكان بصراحة عن مشاعر الندم على الزواج نفسها، قد يعبِّر الطرف النادم عن ندمه بالغضب أو البرود أو الاكتئاب أو الإهمال...إلخ، لكنه قلما يعبِّر عن مشاعره الحقيقية لأنه يدرك بشكل أو بآخر أنها مشاعر مؤقتة قد لا تدوم طويلاً، ولأنه من الصعب الاعتراف بالندم على الزواج لما فيه من إهانة للشريك.
حتى إن كانت مشاعر الندم عميقة راسخة قد لا يعترف الطرف النادم بينه وبين نفسه بهذه الحقيقة لأنه يعتبرها إهانة له قبل أن تكون إهانة للشريك، إنه لا يرغب أن يعترف بخياره الخاطئ أو فشله في تحدي الزواج، لذلك نجده كما ذكرنا يحاول خلق حياة موازية.

ولمواجهة مشاعر الندم على الزواج لا بد من التفكير بالنقاط التالية:
1- الاعتراف بمشاعر الندم
والتفكير بها وتحديد مداها وأسبابها بشكل دقيق، فكبت مشاعر الندم ليس حلاً مثالياً دائماً، خاصة عندما يكون الندم على الزواج مرتبطاً بشعور الاختيار الخاطئ والاعتقاد أننا نستحق شخصاً أفضل.

2- المواجهة الداخلية أولاً؛ فمواجهة مشاعر الندم على الزواج لا بد أن تكون داخلية بالدرجة الأولى، بمعنى أن يتعامل الشريك النادم مع مشاعره الداخلية قبل أن يحدد دور الشريك في توليد مشاعر الندم، فهذه المشاعر تتعلق بتصوره الخاص وتوقعاته الخاصة، وكلما تمكن الشريك النادم من فهم مشاعره الداخلية وتحليلها كلما كان أقدر على تطوير آليات مواجهة الندم.

3- الحديث مع الشريك؛ إذا كان الشريك منفتحاً ومرناً ويستطيع تفهم هذه المشاعر فمن المفيد الحديث معه عن شعور الندم، وليس من الضروري أن يكون الحديث فجاً "أنا نادم على الزواج منك"، بل يمكن أن يكون نقاشاً حول تجديد الحياة الزوجية ومصارحة حول السلبيات والإيجابيات التي يراها كل من الزوجين في حياتهما الزوجية.

4- كسر الروتين وتغيير الأنماط، فالندم يتغذى على الروتين والنمط السائد، وكل محاولة مهما كانت بسيطة لكسر روتين الحياة الزوجية وإعادة خلق الأنماط كفيلة بمواجهة شعور الندم وبقوة.

5- تعزيز المساحة الشخصية، فأكثر ما يعزز مشاعر الندم هو اضمحلال المساحة الشخصية للفرد لصالح العائلة، وإعادة خلق المساحة الشخصية من خلال ممارسة بعض الهوايات وتخصيص وقت شخصي كفيل بمعالجة شعور الندم على الزواج.

6- للأسف فإن حالات الندم العميق على الزواج وخاصة عندما يتعلق الأمر بالخيانة أو ما يوازيها ويماثلها من حيث التأثير؛ قد لا تجد حلاً بسيطاً، وهنا يحين وقت الاختيار الحاسم بين الاستمرار والانفصال.

7- اطلب المساعدة؛ لا نمتلك جميعاً نفس القدرة على التعامل مع مشاعرنا الداخلية وفهمها وترتيبها، لذلك لا تتردد بطلب المساعدة من المعالج النفسي أو المستشار الأسري، ويمكنك دائماً طلب المساعدة من خبراء موقع حلوها عبر خدمة ألو حلوها.

أخيراً... الندم على الزواج شعور مألوف، في الحالة الطبيعية ينتج عن فقدان الاستقلالية المادية والمعنوية وتقلص المساحة الشخصية والشعور بالمسؤولية وانخفاض القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، في الحالات الأكثر تعقيداً يكون ندماً على الاختيار وشعوراً بأن الحياة مهدورة في هذه العلاقة، ومهما يكن الأمر فإن مواجهة شعور الندم على الزواج أجدى من كتمها وكبتها، شاركونا تجاربكم من خلال هذا الرابط.