لطالما أدرك رجال الأعمال وقادة المجتمع من سياسيين ومثقفين وكل من يتحمل المسؤولية أن الشائعات عدوٌّ خطر للاستقرار والنجاح، وخطورة الإشاعات تكمن في سرعة انتشارها وسرعة التفاعل معها وصعوبة نسفها والتخلص منها.
وكثيراً ما وقفت الشائعات وراء حسم حروب طاحنة، حروب اقتصادية وحروب عسكرية وحروب سياسية وغيرها، وبقدر ما عمل أطراف هذه الحروب على مكافحة الشائعات عملوا أيضاً على إدراك كيفية خلق الشائعة والاستفادة منها.
في هذه المادة؛ نناقش تأثير الشائعات على بيئة العمل من زوايا مختلفة، وذلك من خلال تحديد أنواع الإشاعات المتصلة بالعمل، مصادرها وتأثيرها، وكيف يمكننا مواجهة هذه الإشاعات والتقليل من آثاراها الكارثية.


الأسئلة ذات علاقة


ما هي الإشاعة؟

"اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس" جوزيف جوبلز وزير إعلام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية
الإشاعة Rumor هي خبر غير رسمي وغير موثوق يتم تداوله بسرعة، ويتميز بكونه مثيراً للاهتمام مما يساهم بانتشاره السريع، وقد تكون الشائعات مختلقة عمداً لهدف ما وتتم متابعتها ودعمها من الجهة التي اختلقتها، وقد تكون مجرد شائعة مجهولة المصدر تؤدي عمل غير مخطط ونتيجة غير متوقعة.

على من تؤثر الشائعات؟
يعتقد بعضنا أن الشائعات تؤثر على الفئات الاجتماعية الدنيا بشكل أكبر، وأن الدخل والعمر والتعليم وغيرها من العوامل تلعب دوراً بمدى تقبل الفرد للإشاعة والتعامل معها، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذه العوامل لا تلعب دوراً يذكر في تقبل الأفراد للإشاعات والتفاعل معها، حيث يبدو أن الإشاعة تعمل عملها بين الفقراء والأغنياء بنفس القدر، وبين المتعلمين والأميين، والكبار والصغار.
والأغلب أن سياق الإشاعة وتجارب الفرد السابقة المتعلقة بموضوع الإشاعة لها دور واضح في قابلية التصديق، كما أن تقبل الإشاعات في ظروف متوترة يكون أكبر منه في السلام والظروف المستقرة، وذلك ينطبق على مختلف أشكال التوتر بدءاً من النزاعات العائلية وحتى الحروب.

معلومة: تشير الإحصائيات إلى أن القيل والقال Gossip وتبادل الإشاعات يشكل 55% من أحاديث الرجال و67% من أحاديث النساء.
 

ذات علاقة


الإشاعات في بيئة العمل

ما المقصود بمحاربة الشائعات في بيئة العمال؟
فيما يتعلق ببيئة العمل يمكن التعامل مع نوعين رئيسيين من الشائعات، النوع الأول هو الشائعات الداخلية، والنوع الثاني هو إشاعات المنافسة.
فيما يتعلق بالشائعات الداخلية في بيئة العمل فهي ما يتناقله الموظفون من أخبار غير رسمية وغير دقيقة عن شؤون الشركة الداخلية، وعن أحوال الزملاء أو الإدارة أو حتى أرباح الشركة وخسائرها وكل ما يتعلق بالشركة، على أن تبقى هذه الشائعات ضمن نطاق المؤسسة نفسها.
وأمَّا شائعات المنافسة فهي الأخبار غير الرسمية وغير الدقيقة التي يتناقلها الناس عامة عن المؤسسة المعنية، وقد تكون هذه الشائعات صادرة من داخل الشركة نفسها، أو مختلقة من منافس في السوق، وقد تكون مجرد شائعة مجهولة المصدر غير هادفة لكنها فعالة.
وقد أطلقنا على النوع الثاني من الشائعات شائعات المنافسة لأنها سواء كانت مختلقة بفعل فاعل أم كانت شائعة "بريئة" انتشرت بالصدفة فعلى الحالتين يتم استغلالها من قبل المنافسين، وغالباً ما يلعب التعامل مع الإشاعة العامة دوراً كبيراً في تحديد مستقبل العمل.
في الفقرات القادمة سنناقش طريقة التعامل مع الإشاعات الداخلية وإشاعات المنافسة للتخفيف من تأثيرها على سير العمل وسمعة المؤسسة.

ملاحظة: لا يشترط أن تكون الإشاعة معلومة مغلوطة 100%، فقد تنطوي الإشاعات على بعض المعلومات الحقيقية، لكن ما يجعلها إشاعة هو عدم وجود أدلة تؤكدها بشكل قاطع وانتقالها بالقيل والقال، بل يمكن أن تتمتع الإشاعة في بيئة العمل يقدر كبير من الصحة إذا نقلها مصدر موثوق، لتبقى المشكلة في التيقن منها وتجريدها من الزيادات.
 

 تأثير  الإشاعات الداخلية في العمل

هل سمعت آخر الأخبار...؟
كما ذكرنا سابقاً فالإشاعات الداخلية هي ما يتناقله الموظفون بين بعضهم من أخبار غير رسمية، وهذه الشائعات قد تكون متعلقة بالعمل نفسه أو بأشخاص بعينهم.
وللتوضيح يمكن أن نأخذ مثالاً عن هذه الشائعات؛ حيث يسمع الموظف أن المدير أخذ إجازة مفاجئة، فيخبر أحد زملائه بذلك، الذي بدوره يستنتج أن هناك خلافاً بين المدير والمؤسسة، فيقول استنتاجه أمام شريكته في المكتب.
في اليوم التالي وأثناء تناول قهوة الصباح تقول الموظفة لزميلاتها أنها متأكدة من جود خلاف عميق بين الإدارة والمدير الذي أخذ إجازة إجبارية، وعلى الأغلب أن ذلك يتعلق بقضية مالية.
إحدى الزميلات أنشأت مجموعة على واتساب لأصدقائها من موظفي الشركة، فأرسلت لهم على وجه السرعة "هل سمعتم آخر الأخبار؟ المدير اختلس مبلغاً كبيراً وتمت إقالته". ...وهكذا يتطور الخبر وينتشر مع إضافات جديدة، ليتفاجأ الموظفون بعد أيام أن المدير لم يأخذ إجازة أصلاً وكان في مهمة رسمية خارج البلاد.
    
كيف تؤثر الشائعات الداخلية على بيئة العمل
الأكيد أن الشائعات الداخلية ما لم تكن مدروسة ومفتعلة وهادفة فهي ذات تأثير محدود على بيئة العمل يمكن تداركه من الإدارة الحكيمة ببساطة.
عادة ما تؤثر الشائعات المتداولة في بيئة العمل على علاقات الموظفين بالإدارة وعلاقتهم ببعضهم، وقد تؤثر على الإنتاج والأداء عندما تكون متعلقة بالعقوبات والخصومات أو الإجراءات التعسفية، ومن الممكن أن تتسبب الإشاعات بخسارة كفاءات وظيفية إن لم تكن الإدارة تتمتع بقدر كافٍ من المهنية والحكمة.
أما الإشاعات المدروسة أو الهادفة فغالباً ما تؤدي وظيفتها بشكل درامي، وعادة ما تكون الإدارة في الشركات الكبرى متيقظة لمثل هذا الاحتمال، فتقوم بمحاربة أي إشاعات خطيرة تنتشر بين الموظفين بشكل سريع وفعال.
 

الإدارة والشائعات في العمل

كيف تحارب الإدارة الشائعات في بيئة العمل؟
مهما كانت نوعية الإشاعة وتأثيرها لا بد للإدارة أن تمتلك القدرة على التعامل السريع مع كل أنواع الإشاعات والتصدي لها لتجنب آثارها، وكل ما كان التعامل مع الإشاعة سريعاً كل ما كان فعالاً.
ولكل إدارة طريقتها الخاصة بالتعامل مع الإشاعات، كما أن لكل موظف مستوى مختلف من الذكاء الاجتماعي الذي يجعله يجد سبيلاً سليماً للتعامل مع الإشاعات التي تمسه.

الصراحة والتواصل الفعال يقللان من فاعلية الإشاعات
الإدارة المحترمة والمهنية والتي تعرف مصلحتها تلجأ إلى تطوير أساليب تواصل فعال مع الموظفين للتمكن من محاربة أي إشاعات أو مشاعر سلبية مبنية على معلومات غير دقيقة.
هذه المصارحة والشفافية في بيئة العمل تتخذ أشكالاً مختلفة، فيمكن التعامل مع الإشاعة من خلال الاجتماع مع الموظفين وتوضيح الصورة، واستغلال الأشخاص الموثوقين في تكذيب الإشاعة ومحاربتها، وغالباً ما تعتبر الشفافية في بيئة العمل عاملاً للوقاية من انتشار الإشاعات، ودافعاً لدى الموظفين لعدم تصديق كل ما يقال.

إثبات كذب الإشاعة بطريقة رسمية
يجب على الإدارة في بعض الحالات أن تقوم بإصدار تكذيب رسمي للإشاعة لتضع حداً لانتشارها، لنفترض مثلاً أن الإشاعة كانت نية الشركة رفع عدد ساعات العمل إلى 9ساعات بدلاً من 8ساعات، في هذه الحالة يجب على الإدارة أن تصدر بياناً رسمياً يوضح موقفها من هذه الإشاعة.
فإن كانت الإدارة تنوي فعل ذلك حقاً يجب أن تصرح عنه، وإن لم يكن ذلك في حسابات الإدارة يجب أن تصدر تكذيباً رسمياً يتم الإعلان عنه بالطرق المتبعة في المؤسسة.
ويجب أن تحذر الإدارة من تكذيب إشاعة صحيحة، لأنها ستفقد ثقة العاملين لديها وستكون عاجزة عن مواجهة الشائعات الكاذبة مستقبلاً.

التأكيد الدائم على المستويات الإدارية المختلفة بضرورة مراقبة الشائعات
يجب أن يتم نشر التوعية بين الموظفين بخطر الإشاعات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ويجب أن تدرك المستويات الإدارية المختلفة خطورة الإشاعة، كما يجب أن تمتلك الحساسية الكافية تجاه الإشاعات التي قد تؤثر على سير العمل.

تعزيز الانتماء لدى الموظفين
يعتبر تعزيز الانتماء لدى الموظفين من أفضل الطرق التي تتبعاها الإدارة الناجحة في مقاومة العوامل السلبية في بيئة العمل، والموظف الذي يشعر بالانتماء تجاه المؤسسة التي يعمل بها يرفض أن يشارك في التسويق للإشاعات التي من شأنها أن تحدث مشكلة في العمل.

العقوبات آخر الكي لمعالجة الشائعات في العمل
عادة ما تكون مصادر الإشاعة معلومة لدى الموظفين والإدارة، لأن نقل الإشاعات والثرثرة عيب من عيوب الشخصية يظهر عند أشخاص محددين، لذلك يجب التعامل مع هؤلاء الأشخاص بحزم وبالتدريج، وذلك من خلال توجيه الإنذار الشفهي، ثم الكتابي، ثم العقوبات، وإن كانت الإشاعات التي ينشرها هذا الشخص بالغة الضرر قد تلجأ الإدارة إلى طرده في نهاية المطاف.

رسم الحدود للموظفين    
من مسؤولية الإدارة أيضاً أن تمنع الإشاعات الشخصية، أي التي تطال موظفاً من الموظفين، والتي من شأنها أن تخلق جواً من التوتر بين الموظفين، يجب أن تقوم الإدارة برسم حدود واضحة للموظفين بحيث يحافظ كل منهم على احترام الآخرين ولا يساهم في تشويه صورته بطريقة أو بأخرى.

كيف أتعامل مع الإشاعات التي يطلقها الزملاء؟

إن كنت ضحية الإشاعات والقيل والقال اقرأ هذه النصائح
ناقشنا كيفية تعامل الإدارة مع شائعات العمل وننتقل لكيفية تعامل الموظف مع الشائعات التي تتعلق به، وقد تكون هذه الإشاعات متعلقة بحياته الشخصية، وقد تكون متعلقة بمهنته.
غالباً ما تدور الإشاعات التي يطلقها الموظفين عن بعضهم حول علاقة الموظف بموظفين آخرين، أو علاقته بالإدارة، أو كفاءته، أو حياته الشخصية كميوله واعتقاداته ....إلخ.

ومهما كانت الإشاعة هناك بعض الطرق الفعالة مواجهتها:
- لا تتحدث مع أشخاص غير موثوقين عن حياتك الشخصية أو أسرارك كي لا تنتشر بين الزملاء بعد إضافة البهارات لها!.
- تجنب أن تكون طرفاً في نشر الإشاعات، لأن ذلك قد يؤدي إلى دخولك الدوامة، عندما تصل الإشاعة إليك ضع في أذنيك قطناً.
- إذا كنت أنت موضوع الإشاعة واجه مصدر الإشاعة وضع له حداً بحزم.
- يحق لك أن تطلب من الإدارة التدخل لوضع حد لأي إشاعة تمس سمعتك المهنية أو الشخصية.
- لا تغضب من الإشاعة، فالغضب غالباً ما يفسره الآخرون أنه إثبات لصحة الإشاعة.
- لا تلجأ إلى الرد بالمثل، فعندما تطلق الإشاعة بمواجهة الإشاعة ستدخل حرباً مفتوحة لا تحمد عقباها، وهي حرب قذرة قوامها التزييف.
- إذا لم تؤثر الإشاعة عليك وانحسر فعلها ببعض الكلام من هنا وهناك، كن لا مبالياً، فهذه اللامبالاة تساعد أحياناً بقتل الإشاعة في مهدها، لكن التقدير يعود لك.
 

التعامل مع شائعات المنافسة

يقوم بعض رجال الأعمال بإطلاق الشائعات لكسب الحرب مع المنافسين
 كما ذكرنا سابقاً؛ فالمقصود بشائعات المنافسة هي الشائعات التي يتم تداولها عن العمل خارج مكان العمل، وهذه الشائعات تشمل القضايا المتعلقة بسمعة الشركة بشكل أو بآخر، سواء ما يتعلق بسلوك موظفي الشركة أو منتجاتها أو إدارتها أو أرباحها وخسائرها, وغالباً ما يتم استغلال هذه الشائعات من قبل المنافسين إن لم يكونوا هم من أطلقوها.
على سبيل المثال؛ شركة كبرى لتصنيع المواد الغذائية، قام أحد المستهلكين بنشر فيديو عبر موقع فيسبوك يقول فيه أنه وجد حشرات داخل أحد منتجات الشركة، وقام بتصوير العبوة المفتوحة مع الحشرات التي تتحرك داخل المنتج.
عادة ما يتم تداول مثل هذا المقطع بشكل كبير، وغالباً ما تحظى الإشاعات السلبية التي تولد شعوراً بالخديعة لدى المستهلك بقبول كبير، وفي أحسن الأحوال سيقوم المنافس بإطلاق حملة إعلانية لسلعته يؤكد من خلالها على نظافة منتجاته وسلامتها بما أن المستهلكين يعانون من الصدمة تجاه منتج مشابه، وقد يشارك المنافس في ترويج هذه الشائعة إن لم يكن هو من اختلقها.

إذا دققنا بهذه الإشاعة يمكن أن نستنتج ببساطة أن إمكانية وجود حشرات حية في منتج غذائي مستحيلة لأن المنتجات مفرغة من الهواء ومحكمة الإغلاق، هذا يعني أن وجود هذا العيب في السلعة يعود إلى سوء التخزين إن كان حقيقياً!.
 

كيف تتعامل الشركات مع إشاعات المنافسة

أولاً وجب التنويه أن مكافحة الإشاعات التي تطال الشركات يكاد يكون تخصصاً مستقلاً له آلياته ونظرياته، لكننا نقدم بعض الصائح العامة.
- يجب على الشركة أن تتأكد من دقة الإشاعة وحقيقتها قبل أن تتخذ أي تصرف، فإذا عدنا إلى مثال مصنع المواد الغذائية السابق؛ على الشركة أن تقوم بتفقد سريع ودقيق لأجهزة التغليف والمستودعات وتطلب من مورديها وعملائها فحص عينات عشوائية للتأكد من سلامة الإنتاج.
- لا يجب أن تدخل الشركات في حرب الإشاعات، بل يجب أن تفكر بمكافحة الإشاعة التي تطالها فقط، لأن حرب الإشاعات أسلوب عصابات.
- يجب أن تستغل الشركة مصدر الإشاعة نفسه بنفي الإشاعة، لذلك نجد أن البرامج التلفزيونية عندما تعرض إشاعة ما عن شركة تجارية تلجأ إدارة الشركة إلى توضيح الحقيقة عبر نفس الشاشة ونفس البرنامج، وذلك للتعامل مع جمهور الإشاعة نفسه.
- قد تحتاج الشركات لإنشاء حملة إعلانية سخية لمكافحة الإشاعات.
- وعادة ما تلجأ الشركات إلى تعديل شكل المنتجات أو سياسات التسويق أو الأسعار أو كل ذلك لتخلق صورة جديدة عن هذا المنتج لدى المستهلك.
- لا يجب أن تتردد الشركة بمحاسبة مطلق الإشاعة قانونياً وفق الأنظمة المتبعة في البلاد.

أخيراً... في نهاية هذا المقال نؤكد أن تجنب نشر الإشاعات وعدم المشاركة في إطلاقها واجب أخلاقي في بيئة العمل، فعلى كل موظف أن يكون حارساً أميناً لسمعة زملائه وسمعة مكان عمله وإن لم يكن على توافق مع عمله.