نعلم أن البدانة أصبحت واحدة من أهم المشاكل العالمية وخاصة على الصعيد الصحي، وذلك بسبب المشاكل الصحية العديدة التي تساهم في إحداثها مثل الداء السكري والأمراض القلبية والوعائية والسكتات الدماغية، إضافة تأثيرات نفسية مثل الاكتئاب والعزلة وفقدان الثقة بالنفس، لذلك تعتبر مجالات علاج البدانة من علوم التغذية والرياضة أموراً ضرورية في هذا العصر، كما يبدو أننا على موعد مع إنجازات جديدة في المستقبل القريب.


الأسئلة ذات علاقة


دواء جديد قد يقضي على البدانة
يبدو أن الباحثين في جامعة فليندرز (Flinders University) في أستراليا وصلوا إلى طريقة تجعلك قادراً على تناول الكمية التي ترغب بها من الطعام دون اكتساب أي وزن إضافي، ويكمن السر خلف هذا التأثير في التعديل على مورثة (جين) اسمها (RCAN1)، وهي تلعب دوراً في عملية تركيب الشحوم.
لم يتم إنتاج دواء قابل للاستخدام على البشر حتى اليوم ولكن التجارب المخبرية على الحيوانات تخبرنا بأن الأمر ممكن، فعندما تم استخدام دواء مثبط للمورثة (RCAN1) على فئران التجارب، ومن ثم تمت تغذية هذه الفئران بحمية غذائية غنية بالشحوم، لم تكتسب هذه الحيوانات أي وزن زائد حتى مع استمرار النظام الغذائي الغني بالشحوم لفترة طويلة، وبما أن هذا الجين موجود لدى البشر ويلعب وظيفة مشابهة في عملية تخزين الشحوم، يعتبر إيجاد مرادف بشري للدواء مسألة وقت ليس أكثر.


كيف تم تطوير الدواء الجديد للقضاء على البدانة؟
تم الإشراف على هذه الدراسة من قبل البروفيسور داميان كيتينغ (Damien Keating)، وأجرى الفريق دراسة وراثية كبيرة للحيوانات القارضة من أجل تحديد الجينات التي تؤثر على البدانة، والتي يمكن تطوير أدوية من أجل حصارها وإيقاف عملها.
قال الدكتور كيتينغ عند سؤاله عن سبب تطوير الدواء: «نعلم أن الكثير من الأشخاص يجدون صعوبة في فقدان الوزن أو التحكم في وزنهم نتيجة العديد من الأسباب المختلفة، أما نتائج الدراسة الجديدة فقد تعني تطوير حبة دوائية تستهدف عمل المورثة RCAN1 مما ينتج عنه خسارة في الوزن».
وحتى نفهم آلية عمل الدواء، يجب أن نتعرف إلى نوعي الدهون الموجودة في جسم الإنسان، وهي الشحم الأبيض (White Fat) أو الشحم البدين الذي يعتبر وسيلة الجسم لتخزين الطاقة على شكل سعرات حرارية، وهو يوجد في جميع أنسجة الجسم تقريباً ما عدا أماكن قليلة مثل الأجفان، والشحم البني (Brown Fat) أو الشحم النحيل الذي يوجد بكميات قليلة، ووظيفته الأساسية هي استهلاك الطاقة وحرق السعرات الحرارية الموجودة في الجسم.
يذكر الدكتور كيتينغ أن تثبيط عمل المورثة RCAN1 يساعد على تحويل الدهن الأبيض الضار إلى دهن بني صحي، وهذا ما يجعله وسيلة فعالة في معالجة البدانة، كما قال: «لقد نجحنا بالفعل بتطوير سلسلة من الأدوية التي تستهدف البروتين الذي تتحكم هذه المورثة بإنتاجه، ونحن الآن بصدد تجريب هذه الأدوية لمعرفة فعاليتها في كبح RCAN1، وبالتالي إمكانية أن تصبح هذه الأدوية علاجاً للبدانة في المستقبل».


مستقبل علاجات البدانة والسمنة
لعل الأمر المميز في الدواء الذي يتم تركيبه هو تجاوز المبدأين الأساسين الذين تقوم عليهما الغالبية العظمى من خطط تخفيف الوزن وهما الحمية الغذائية والنظام الرياضي، من الصعب أن نجزم بكون هذا التغيير إيجابياً أو سلبياً منذ الآن، ولكن الرغبة بتخفيف الوزن لطالما كانت دافعاً كبيراً للقيام بالرياضة لدى الكثيرين، لذلك فالوصول إلى حل لتخفيف الوزن بدون ممارسة النشاط الجسدي قد يدفعنا للتكاسل عن الرياضة، بغض النظر عن فوائدها الصحية العديدة التي لا تقتصر على تخفيف الوزن بكل تأكيد.
على أية حال ليس من المتوقع أن يتم السماح بتعاطي هذا الدواء بشكل عشوائي لتخفيف الوزن وخاصة قبل التأكد من أعراضه الجانبية وتأثيراته الصحية على المدى البعيد، إنما سيستهدف الأشخاص الذين يعانون من بدانة مفرطة لأسباب وراثية أو هرمونية بشكل مستعصٍ على العلاجات التقليدية، أو البدينين ممن لا يمكنهم القيام بالرياضة لأسباب صحية مثل أمراض المفاصل والأمراض القلبية.
أما عن مستجدات الدراسة البحثية فيبدو أنها تسير بشكل جيد، إذ وافق المجلس الوطني الأسترالي للدراسات الصحية والطبية على تمديد مدة تمويل الفريق من أجل "الاستمرار في اكتشاف الخيارات المتاحة" كما ذكرت صحيفة (The Australian)، ويعلق الدكتور كيتينغ على الموضوع بقوله: «النتيجة المثالية هي الوصول إلى إنتاج حبة دوائية تجعلك غير محتاج إلى اتباع نظام غذائي أو ممارسة الرياضة، قد يبدو هذا الأمر كحلم بعيد في الوقت الحالي، ولكن النتائج التي وصلنا إليها في فئران التجارب تشير إلى وجود طريق يمكننا اتباعه للوصول إلى هدفنا لدى البشر».


وفي الختام.. لا أحد يعرف بشكل مؤكد متى سوف يصبح علاج البدانة ممكناً بحبة دواء يمكنها شراؤها بدون أي جهد، ولكن هذا الاكتشاف المبهر سوف يؤدي بالتأكيد إلى تغيير بعض المفاهيم الاجتماعية مثل نظرة المجتمع إلى البدانة، بالإضافة إلى مجالات العمل التي تعمل على تسويق صورة الجسم المثالي باعتباره نتيجة سنوات من الالتزام اليومي والتعب، كما قد تكون جميع الأمراض التي أتعبت الإنسانية خلال التاريخ في طريقها إلى ملاقاة نفس المصير، ليس من المتوقع أن يكون هذا المستقبل قريباً، ولكن المعطيات الحالية تشير إلى كوننا نمشي على هذا الطريق يوماً بعد يوم,