يعلم الجميع أن موضوع وزن الجسم وشكله المثالي يخضع لرأي كل شخص وانطباعاته المثالية، ويتجلى هذا الأمر بوضوح عند النظر إلى المجموعات البشرية المختلفة في وقتنا الحالي وفي الأزمنة السابقة، لنجد تغيرات كبيرة الصورة المثالية لشكل الجسم البشري، يبدو للكثيرين أن الجسم النحيل هو المفضل حول العالم في الوقت الحالي، وهذا ما فتح المجال للكثيرين بالدفاع عن البدانة باعتبارها تحدياً للصورة النمطية التقليدية، وأن الدهون هي أمر طبيعي وصحي.
لهذا السبب كان من الضروري الاتفاق على معيار عالمي موحد يعطي فكرة واضحة عن وضع الجسم من ناحية النحول والبدانة، وذلك لتجنب الاعتبارات الاجتماعية والثقافية وتحديد المجال الطبيعي من ناحية طبية علمية بحتة.
في المقال التالي، سنتحدث عن مشعر كتلة الجسم، إضافة إلى الفئات التي تندرج ضمنه، والفوائد الصحية التي يضمنها البقاء ضمن فئة الوزن الطبيعي.
 


الأسئلة ذات علاقة


المعيار العالمي لتناسب الجسم مع الطول

أتت الخطوة الأكثر أهمية في سبيل الوصول إلى مقياس عالمي موحد لوزن الجسم في عام 1832 من قبل عالم الإحصاء والرياضيات بلجيكي الجنسية أدولف كيتليه (Adolphe Quetlet)، الذي وضع مقياسه المعروف باسم ’مشعر كيتليه’ الذي اعتبر طريقة سهلة وسريعة لقياس الحجم والطول والتناسب بينهما.
في وقت لاحق تم تعديل اسم المقياس ليعرف باسم مشعر كتلة الجسد (Body Mass Index) أو باختصاره المعروف عالمياً (BMI)، الذي يتم حسابه عن طريق تقسيم وزن الجسم مقاساً بالكيلوغرام على مربع الطول المقاس بالميتر، كما في المثال التالي:
إذا كان طول الشخص 1.85 ميتر ووزنه 85 كيلوغرام، نقسم 85 على مربع 1.85 (أي على 3.42 تقريباً) وهكذا تكون قيمة BMI لهذا الشخص حوالي 24.85
هذا المعيار ليس أدق الطرق لقياس لياقة الجسم بالطبع فهو لا يقيس نسبة الكتلة الشحمية أو العضلية من وزن الجسم، ولكنه يملك عدداً من الجوانب الإيجابية التي جعلته طريقة القياس المفضلة عالمياً، ومنها:
- كونه طريقة سريعة وسهلة الحساب خلال ثوان.
- لا يحتاج إلى اختبارات وقياسات معقدة، إنما يحتاج إلى قيمتين معروفتين لحسابه هما الوزن والطول.
- يفيد في الدراسات الإحصائية العالمية لأنه لا يحتاج إلى تعديل بالنسبة إلى البالغين من جميع الأعراق البشرية، حتى أنه مشترك بين الرجال والنساء على عكس معظم طرق الحساب الأخرى (قياس الوزن لوحده أو قياس قطر الخصر أو نسبة الكتلة الشحمية من وزن الجسم...).
 


توزيع الأشخاص بحسب مشعر BMI

ما هي الفئات الوزنية التي يقسمنا إليها مشعر كتلة الجسم؟
يمكن تقسيم الأشخاص تبعاً لمشعر كتلة الجسد إلى المجموعات التالية:
- النحيلون أو منخفضو الوزن (Underweight): وهم الأشخاص الذين يملكون قيمة BMI تحت 18.5
- الطبيعيون أو ذوو الوزن الصحي (Healthy Weight): يعتبر المجال السليم وفقاً لمشعر BMI من 18.5 حتى 24.9
- زائدو الوزن (Overweight): وهم الذين يملكون قيمة BMI بين 25 و 29.9
- البدينون (Obese): يعرف البدين حسب هذا المشعر على أنه كل شخص يملك قيمة BMI بين 30 و 39.9
- شديدو البدانة (Severely Obese): وهي شكل خطير وحرج من البدانة، يندرج ضمنها الأشخاص الذين تزيد قيمة مشعر BMI لديهم عن 40
ومن الجدير بالذكر أن مشعر كتلة الجسم وجميع القيم التابعة إليه صالحة للاعتماد لدى البالغين فقط، أما تحديد الوزن المثالي خلال سنوات الطفولة فيعتمد على اختبارات النمو ومخططات الوزن والطول التي تقارن الطفل مع الفئة العمرية الخاصة به.
وفي الشكل التالي نجد تمثيلاً واضحاً ومبسطاً نشره موقع خدمة الرعاية الصحية في المملكة المتحدة (The UK NHS):

 

يمكنك تجربة هذا المخطط برسم خط أفقي من القيمة الموافقة لطولك الحالي، ثم رسم خط عمودي من القيمة الموافقة لوزنك، فإذا تقاطع الخطان داخل المنطقة الصفراء يكون وزنك ضمن المجال الطبيعي المناسب لطولك.

فوائد الحفاظ على وزن طبيعي

لماذا ينصحنا الأطباء دوماً بالمحافظة على وزننا ضمن الحدود الطبيعية؟
هناك عدد كبير من الفوائد التي يمكن أن تجنيها من خسارة بعض الكيلوغرامات في حال كنت زائد الوزن أو بديناً، لا يجب أن تقطع الأمل فوراً إذا كان الوزن المثالي بعيداً عن وزنك الحالي لأن كل خطوة في هذا السبيل (ولو كانت خسارة 5% من وزن الجسم فقط) يمكن أن تعطي فوائد صحية كبيرة، وتقلل احتمال الإصابة بالكثير من الأمراض مثل:
- الأمراض القلبية واحتمال الوفاة بهذه الأمراض.
- النمط الثاني من الداء السكري واختلاطاته.
- ارتفاع ضغط الدم.
- ارتفاع الكوليسترول والشحوم الثلاثية في الدم.
- الأمراض الكلوية.
- اضطرابات الشوارد والسوائل في الجسم.
- بعض أنواع السرطانات مثل سرطان الكولون.
- السلس البولي وخاصة عند النساء.
- أعراض التهاب المفاصل التنكسي أو الروماتيزم.
- مشاكل المفاصل المتعلقة بزيادة الوزن (وخاصة مفصل الركبة الذي يحمل وزن الجسم).
- أعراض الحرقة والحموضة المعدية.

إضافة إلى ذلك، يمكن لخسارة الوزن الزائد أن تحسن وظيفة ما يلي:
- الوظيفة التنفسية وصحة جهاز التنفس.
- نوعية النوم، لأن البدانة مرتبطة بالشخير وانقطاع التنفس أثناء النوم (OPA).
- اللياقة البدنية والقدرة على ممارسة الرياضة والنشاطات الجسدية بشكل أفضل.
بعد أن تحدثنا عن الوزن الطبيعي من ناحية طريقة الحساب والفوائد الصحية للحفاظ عليه، علينا الحديث عما يحدث في حال اضطراب هذا التوازن.
 

البدانة وأنواعها

ما هو تعريف البدانة؟ وما هي الأنماط الشكلية للبدانة؟
لا يوجد اتفاق عالمي حول تعريف البدانة كما هو الحال في تعريف الوزن الطبيعي، أما التعريف الأكثر شيوعاً فهو ارتفاع قيمة مشعر الـ (BMI) عن 30 عند الشخص البالغ، هذا التعريف يعطي فكرة جيدة عن كتلة الجسم ولكنه غير دقيق بالنسبة إلى الأشخاص الرياضيين ذوي الكتلة العضلية الكبيرة مثلاً، ولهذا يمكن استخدام طرق أخرى مثل قياس محيط الخصر والأرداف أو قياس سماكة الثنية الجلدية من أجل معرفة سماكة النسيج الشحمي تحت الجلد.
من المعايير الأخرى للبدانة زيادة قياس محيط الخصر عن 94 سنتيمتراً عند الذكر، أما لدى الأنثى فتكون هذه القيمة 80 سنتيمتراً، تذكر إحصائيات منظمة الصحة العالمية (WHO) من عام 2014 أن عدد ذوي الوزن المرتفع وما فوق وصل إلى عتبة 2 مليار شخص حول العالم، أما البدينون (Obese) فوصل عددهم إلى أكثر من 600 مليون، يمكن تقسيم البدانة من الناحية الشكلية إلى نمطين يختلفان في الآلية الفيزيولوجية والهرمونية هما:
- البدانة البطنية أو الجذعية: يعرف هذا الشكل باسم نموذج التفاحة، وهو النمط الشائع لدى الذكور إلا أنه قد يحدث لدى الإناث وخاصة في بعض الاضطرابات الهرمونية مثل تكيس المبايض (PCOs)، وهنا يظهر الكرش وتتراكم الدهون في منطقة الخاصرتين.
- البدانة الحوضية: يعرف هذا الشكل باسم نموذج الإجاصة، وهو النمط الشائع لدى النساء وخاصة بعد الولادة، إذ تتراكم الدهون في منطقة الوركين ويزداد عرضهما.
 

أسباب البدانة والعوامل المؤهبة لها

ما هي آلية حدوث البدانة؟ وما هي أسبابها؟
تكمن الآلية الأساسية للبدانة في عمليات الاستقلاب أو ما يعرف بـ الأيض (Metabolism)، وهو الاسم الذي يجمع العمليات الحيوية التي يجريها الجسم على المواد الغذائية لتحويلها إلى طاقة، تنقسم عمليات الاستقلاب إلى عمليات بناء (Anabolism) يتم فيها استخدم الطاقة في تشكيل أنسجة جديدة مثل عملية النمو أو تخزين الشحوم، والمجموعة الأخرى هي عمليات الهدم (Catabolism) التي يتم فيها حرق السعرات الحرارية المستخلصة من الغذاء من أجل تأمين الطاقة للقيام بالنشاطات الجسدية المختلفة.
تحدث البدانة نتيجة نقص عمليات الهدم وحرق الشحوم والسعرات الحرارية على حساب عمليات البناء، أما نقص الوزن بالرغم من تناول وارد غذائي طبيعي فيحدث في حال تسارع عمليات الهدم وسيطرتها على عمليات البناء، أما عن الأسباب المؤهبة للبدانة فنذكر:
- السعرات الحرارية (Calories): يحتاج الذكر البالغ الطبيعي النشيط إلى 2500 حريرة في اليوم الواحد، أما المرأة فتحتاج وسطياً إلى 2000 سعرة حرارية في اليوم للحفاظ على وزن طبيعي مع استقرار الوظائف الحيوية.
- النظام الغذائي غير الصحي: تحدث البدانة على مدار سنوات بسبب تراكم الكثير من الخيارات الخاطئة من الناحية الصحية، مثل تناول الوجبات السريعة، شرب الكحول بكميات مفرطة، الإفراط في تناول الطعام أو الأكل بدون شعور حقيقي بالجوع.
- نقص النشاط الجسدي: وخاصة بالنسبة إلى الموظفين الذين يقضون معظم ساعات اليوم جالسين خلف مكاتبهم بدون حركة، ينصح الأطباء بـ 150 دقيقة من النشاط الجسدي متوسط الشدة كل أسبوع، ويفضل تقسيم هذا الوقت على مجموعات صغيرة تغطي كل أيام الأسبوع.
- أسباب طبية ووراثية: هناك عدد من الأمراض الوراثية التي تسبب بدانة مرضية يصعب التغلب عليها مثل متلازمة داون، متلازمة برادر ويلي، كما يمكن أن تكون البدانة نتيجة لاضطرابات هرمونية مثل متلازمة المبيض عديد الكيسات (أو تكيس المبايض)، متلازمة كوشينغ، أو قصور الغدة الدرقية.
- بعض الأدوية: مثل الكورتيزون وأدوية الصرع والاكتئاب والفصام.

وفي الختام.. نجد أن فوائد الحفاظ على الوزن الطبيعي تتخطى المزايا السطحية والشكلية، وتصل إلى مختلف أجهزة الجسم وجوانبه الجسدية والنفسية، لذلك علينا محاولة الالتزام بنظام غذائي متوازن، والحرص على تخصيص وقت يومي لممارسة النشاطات الرياضية.