يعتبر البهاق من الأمراض الجلدية الشائعة التي تعتبر مشاكل موضعية وغير مخيفة في طب الجلدية، ولكنها مع ذلك تؤدي إلى تأثيرات نفسية لا يمكن الاستهانة بها مثل غياب الثقة بالنفس، أو حتى الانعزال وتجنب الاختلاط بالآخرين لأن المريض يعتبر مظهره شاذاً ومشوهاً حتى لو لم يكن بهذا السوء.
في هذا المقال سنتحدث حول الأسباب والعوامل المؤدية إلى تطور البهاق، إضافة إلى أشكال المرض والعلاجات المتوفرة حياله.
 


الأسئلة ذات علاقة


لمحة عامة حول البهاق

ما هو البهاق؟ وكيف يحدث؟
البهاق (Vitiligo) هو مرض جلدي من مجموعة الأمراض المناعية الذاتية، يؤدي إلى فقدان اللون الطبيعي للجلد في بقع معينة، مؤدياً إلى تشكل بقع متعددة من الجلد الفاتح يختلف عددها وانتشارها بين فرد وآخر، فتتراوح من نقاط صغيرة حول الفم أو الأصابع مثلاً، إلى بقع كبيرة تغطي معظم سطح الجسم.
يمكن أن يصيب البهاق أجزاء أخرى من الجسم وليس فقط الجلد، إذ قد يظهر على شكل خصلة شعر بيضاء، أو بقعة فاتحة اللون في قزحية العين أو باطن جوف الفم.
كما يعتبر البهاق إصابة مزمنة نادراً ما تزول بشكل كامل، لذلك يعتبر التعايش مع المرض والتأقلم مع المظهر الجديد جانباً أساسياً من جوانب العلاج حتى لا يفقد المريض ثقته بنفسه ويسقط في فخ الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وهنا يعتبر الحصول على بعض المعلومات الأساسية عن المرض خطوة من خطوات التأقلم معه.
 

ذات علاقة


أعراض وعلامات البهاق

ما هي مظاهر الإصابة بالبهاق؟ وهل له أكثر من نوع؟
العلامة الأساسية للبهاق كما نعلم هي فقدان اللون بشكل بقع على الجلد، غالباً ما تبدأ عملية زوال اللون في المناطق المعرضة للشمس مثل اليدين والقدمين والوجه والشفتين، يمكن أن تشمل مظاهر البهاق ما يلي: 
- زوال الصباغ البقعي: أي غياب اللون عن مناطق متعددة من الجسم بشكل بقع فاتحة اللون.
- شيب مبكر: أي تحول بقع من شعر في فروة الرأس، الحاجبين، الرموش واللحية إلى اللون الرمادي أو الأبيض.
- إصابة الأغشية المخاطية: أي فقدان اللون من الطبقة المبطنة للفم أو الأنف.
- إصابة العين: يمكن أن تصاب العين بالبهاق، وقد يؤدي زوال الصباغ من مناطق معينة في العين إلى إصابة بصرية تختلف شدتها تبعاً لمساحة المنطقة المصابة وأهمية تلك المنطقة بالنسبة إلى القدرة البصرية.

يمكن أن يحدث البهاق في جميع الأعمار، ولكنه يعتبر مرض المراهقين والشباب، كما يمكن تصنيفه إلى مجموعات تبعاً لشكل الإصابة الذي قد يأخذ واحداً من الأنماط التالية:
- إصابة مناطق متعددة من الجسم:
وهو أكثر الأشكال شيوعاً، ويدعى طبياً باسم البهاق المعمم (Generalized Vitiligo)، ويغلب أن يصيب الجسم بشكل متناظر (أي تكون البقع الفاقدة للون متشابهة بين اليمين واليسار.
- إصابة جانب واحد أو جزء واحد من الجسم: يدعى هذا الشكل باسم البهاق القطعي (Segmental Vitiligo)، ويميل للحدوث في عمر مبكر، حيث يتطور ويتقدم لمدة عام أو عامين ثم يتوقف ويستقر.
- إصابة منطقة واحدة أو مناطق قليلة: يدعى هذا النمط باسم البهاق الموضعي (Localized) أو البؤري (Focal).
من الصعب أن نتنبأ بالشكل الذي سوف يتخذه البهاق منذ البداية، ففي بعض الحالات يتوقف تشكل بقع جديدة بدون استخدام علاج، وفي حالات أخرى تمتد الإصابة لتشمل معظم أجزاء الجسم رغم استخدام العلاج، وفي حالات نادرة تكتسب المناطق المصابة لونها مرة أخرى بعد أن تكون قد فقدته.
 

أسباب حدوث البهاق

الأسباب وعوامل الخطر المؤهبة لحدوث البهاق
يحدث البهاق نتيجة نقص أو غياب صباغ الميلانين من منطقة ما من الجلد، والميلانين (Melanin) هو صباغ تفرزه خلايا حاصة موجودة في البشرة، وهو الذي يعطي الجلد لونه، أما في البهاق فيكون عدد الخلايا المنتجة للميلانين في المنطقة المصابة غير كاف لإعطاء اللون الطبيعي، والسبب ليس واضحاً تماماً حتى اليوم.
يعتقد الباحثون أن البهاق المعمم مرض من أمراض المناعة الذاتية، وهي أمراض تحدث عندما لا يعمل جهاز المناعة بشكل طبيعي، ويهاجم خلايا الجسم الطبيعية (الخلايا المفرزة للميلانين في هذه الحالة) بدلاً من مهاجمة الخلايا الشاذة أو الكائنات الممرضة.

أما عن عوامل الخطورة التي قد تزيد فرصة إصابة الشخص بالبهاق:
- قصة عائلية للبهاق:
وخاصة وجود شخص مصاب من أقارب الدرجة الأولى.
- قصة عائلية لأمراض المناعة الذاتية: بعض هذه الأمراض المناعية تسبب التهاب الغدة الدرقية، وبعضها الآخر يسبب شكلاً خاصاً من فقر الدم يعرف باسم فقر الدم كبير الكريات، استشر طبيبك في حال حدوث هذه الأمراض لدى واحد أو أكثر من أفراد الأسرة.
- الإصابة بالأمراض المناعية الذاتية: وهي عامل خطر أكبر من إصابة فرد آخر في العائلة نفسها.
- بعض أنواع سرطان الجلد: مثل الميلانوما (وهو ورم يحدث على حساب الخلايا المنتجة للميلانين في الجلد) أو اللمفوما الجلدية.

هناك عدد من الحوادث والعوامل المطلقة للبهاق، والتي "تقدح زناد المرض" أي تسبب انطلاقه لدى الشخص المعرض له وراثياً مثل:
- الأزمات النفسية.
- بعد الولادة أو الإجهاض.
- أذية الجلد مثل الإصابة بحرق شمسي أو جرح.
- التعرض للمواد الكيميائية المؤذية للجلد.
كما يجدر بنا الإشارة إلى أن البهاق ليس مرضاً معدياً ولا يدل على عدم الاعتناء بالنظافة الشخصية كما هو شائع، إنما هو بكل بساطة إصابة مناعية في الخلايا المولدة للصباغ.
 

اختلاطات الإصابة بالبهاق

بعض المشاكل التي قد تصيب مرضى البهاق
يكون المصابون بالبهاق أكثر عرضة لحدوث ما يلي:

- المشاكل النفسية والاجتماعية مثل الاكتئاب والقلق الاجتماعي.
- الحروق الجلدية وسرطان الجلد.
- المشاكل العينية مثل التهاب القزحية.
- نقص السمع.
 

العلاجات الممكنة للبهاق

الوسائل التي يستخدمها الأطباء لعلاج البهاق
يعتمد اختيار الخطة العلاجية على مساحة المنطقة المصابة، مكان الإصابة، العامل المسبب إذا كان معروفاً ورغبة المريض بالعلاج، وتهدف معظم الوسائل العلاجية إلى تقليص مساحة الإصابة والحد من تطورها إلى مناطق أخرى، ومن هذه الخيارات:
- عدم استخدام أية أدوية: بدلاً عن ذلك تستخدم مساحيق التجميل وصبغات البرونزاج الصناعية، فهي تخفي مناطق البهاق بدون آثار جانبية هامة لذلك تعتبر خياراً آمناً لدى الأطفال، ولكن الجانب السلبي هو كونها علاجاً غير فعال لا يؤثر على سير المرض.
- المستحضرات الطبية الموضعية: يعتبر هذا العلاج مفيداً عندما يصيب البهاق منطقة صغيرة من الجلد كما أن فعالية هذه المراهم تكون أكبر عند أصحاب البشرة الداكنة، تعتبر مجموعة الستيرويدات الموضعية (Corticosteroids) أكثر هذه المجموعات الدوائية استخداماً، إذ تشير معلومات الأكاديمية الأميركية لطب الجلد أن 45% من المرضى أبلغوا عن حدوث تحسن لدى استخدام هذه الأدوية.
- العلاج الضوئي: تعتمد المعالجة الضوئية على تحريض عمل الخلايا المولدة للميلانين عن طريق تعريض الجلد المصاب للضوء عبر أجهزة خاصة، وهي فعالة بشكل خاص على الوجه، لكن نتائجها الإيجابية تتراجع مع الزمن، وهي تحتاج للالتزام والصبر لأن العلاج قد يحتاج جلستين أو 3 في الأسبوع لمدة عدة أسابيع.
- العلاج الضوئي الدوائي PUVA: واسمه الكامل (Psoralen \ Ultraviolet A) ويعتمد على استخدام الدواء (Psoralen) بشكل موضعي على شكل مرهم أو عام على شكل حبوب، بالإضافة إلى التعرض للأشعة فوق البنفسجية من النمط A، وهو من العلاجات المفضلة في حالات البهاق المنتشر بشكل واسع، ويحتاج إلى جلسات متكررة (مرتين في الأسبوع عادة) في المشفى أو في مراكز خاصة لمدة تقارب العام الكامل، كما يتم مراقبة المريض بشكل دقيق بسبب احتمال ظهور أعراض جانبية للدواء أو الأشعة.
- الجراحة: تعتبر خياراً مطروحاً عندما لا تجدي المعالجات السابقة نتائج مرضية، ويشترط لإجرائها أن يكون المريض بالغاً، كما يجب أن يكون البهاق لديه مستقراً بدون زيادة أو نقصان لمدة 6 أشهر على الأقل، ويعتمد على تطعيم الجلد المصاب بقطع صغيرة مأخوذة من المناطق السليمة، وهي وسيلة فعالة بشكل كبير ولكنها معقدة وتحمل عدداً من الاختلاطات والآثار الجانبية مثل تشكل الندوب أو التهاب مكان العملية، لذلك لا تعتبر خياراً منطقياً لبدء العلاج.
- إزالة الصباغ (Depigmentation): يعتمد هذا الإجراء على إزالة اللون في المناطق التي بقيت سليمة، ويصبح المريض أبيض اللون في كامل أنحاء جلده، يعتبر خياراً مطروحاً عندما يكون البهاق منتشراً بشكل معمم في معظم أنحاء الجسم، ويفيد في إعطاء الجلد لوناً متناسقاً بدون وجود بقع، تأخذ عملية إزالة التصبغ عادة عدة سنوات، وتعتمد على تطبيق كريم مزيل للصباغ مرتين في اليوم.
 

نصائح وتعليمات للمصابين بالبهاق

تعليمات صحية مفيدة لحماية الجلد في البهاق
يميل الجلد المصاب بالبهاق التعرض للحرق بسهولة لأن صباغ الميلانين يلعب دوراً في حماية الجلد من أشعة الشمس، كما أن التعرض لحرق شمسي قد يزيد من أعراض البهاق، لذلك ينصح أطباء الجلد مرضى البهاق باتخاذ التدابير التالية:
- استعمال الكريم الواقي من الشمس كل يوم: ضع كمية كافية من الواقي على جميع المناطق من الجلد التي ستكون معرضة للضوء خلال النهار (وليس فقط بقع البهاق)، كما يجب تطبيق الكريم الواقي قبل الخروج من المنزل بـ 15 دقيقة.
- ارتداء ملابس تحمي من أشعة الشمس: ليست جميع الملابس متشابهة في قدرتها على الوقاية من أشعة الشمس، فالجينز أفضل من القطن مثلاً في حجب الأشعة فوق البنفسجية الضارة عن الجلد، كما أن القطن الأخضر مثلاً أفضل من الأبيض في هذه المهمة.
- الوقوف في الظل: وخاصة في ساعات الظهيرة (إذا كان طول ظلك أقصر منك فأنت معرض للحرق بدرجة أعلى).
- تجنب الوشم: لأن الحصول على وشم يؤدي إلى حدوث ما يعرف باسم ظاهرة كوبنر الجلدية (Koebner Phenomenon) وهي ظاهرة مميزة في بعض الأمراض الجلدية مثل البهاق، والتي تحدث فيها بؤر إصابة جديدة عند تعرض الجلد لرض ما (ضربة، جرح، وشم..)
- تجنب استخدام الأشعة للبرونزاج: ويشمل هذا استخدام سرير البرونزاج في مراكز التجميل، أو الحصول على الاسمرار بشكل طبيعي عبر الاستلقاء تحت أشعة الشمس، لأن الوسيلتين تؤديان إلى إحداث حروق في الجلد الفاقد للحماية ضد الأشعة.

وفي الختام.. نوجه كلمة للمصابين بالبهاق وخاصة الإناث منهم لأنهن أكثر عرضة للوقوع في اضطرابات نفسية نتيجة البهاق؛ تذكر دوماً أن شخصيتك وحضورك الاجتماعي أهم بكثير من مظهر جلدك، لا تجعل القلق حول هذه المشكلة التافهة يسيطر على تفكيرك، وتذكر أن عدداً كبيراً من العلاجات متوفر للمساعدة فلا تيأس، التزم بالخطة وتحلّ بالصبر فهو ركن أساسي من أركان العلاج.