تتطور التكنولوجيا كل يوم بشكل مرعب، فما كان في بالك أمنيات خيالية أمس بات واقعاً اليوم بين يديك، وبالتأكيد تحمل تلك التكنولوجيا في إحدى يديها الجانب السلبي بل والكارثي لها، وآخرها المخدرات الرقمية.
يشدد الآباء والأمهات على أبنائهم خوفاً عليهم من تعاطيهم أي من المواد المخدرة أو حتى السجائر العادية، ويراقبونهم ويفتشون في أغراضهم، ويفرضون عليها سيطرة كاملة، ولكن لا يتخيلون أن المخدرات يمكن أن تأتي لأطفالهم عبر هاتفهم، ولا يحتاجون سوى إضاءة خافتة، وعصابة عينين، وسماعات للأذنين، لتسري تلك المخدرات إلى دماغهم.. وهي المخدرات الرقمية.
 


الأسئلة ذات علاقة


ما هي المخدرات الرقمية؟
المخدرات الرقمية هي نوع مختلف من المخدرات الحديثة، والتي يعرفها الكثير من الشباب والمراهقين من مدمني التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وتتمثل في الحصول على قطعة موسيقية أو أغنية  ذات ذبذبات وترددات معينة، من شأنها التأثير على مناطق معينة بالمخ، وتسبب الشعور بالنشوة والسعادة المؤقتة.
وبحسب ما يروج له تجار تلك المواد على الإنترنت، فإن هذه المقطوعات تؤثر على نشاطات بعينها في المخ، فتبث ذبذبات وإشارات كهربائية بالدماغ، وتعطي نفس النشاط الذي تعطيه جرعة المخدر، ويختار المتعاطي التأثير الذي يرغب فيه كوكايين أو الهيروين أو غيرها من المواد المخدرة.

تأثير المخدرات الرقمية على المخ
يتم استخدام المخدرات الرقمية كملفات صوتية، وأحياناً تكون مصحوبة بفيديو أو مواد بصرية تتحرك بشكل معلوم ومدروس، وتتم من خلالها بث ترددين مختلفين من الملفات في كل أذن، ويعمل المخ على توحيد هذه الترددات للوصول إلى المستوى المطلوب، وتسبب نوع من اختلال الكهرباء في الدماغ للوصول إلى نفس تأثير المخدرات.
بعض المواقع تقوم بتسويق تلك الملفات على أنها آمنة تماماً، وشرعية، ويسهل الأمر عدم وجود قوانين رادعة تمتع تداولها، والمخيف في هذا النوع من المخدرات هو سهولة وصول هذه الملفات للمراهقين عبر الهواتف بدون وعي من الأهل.

موسيقى المخدرات الرقمية
الذبذبات الناتجة عن الأصوات تستخدم في علاج بعض الأمراض العصبية والنفسية في القرن التاسع عشر، وتحديداً في عام 1839 حينما حاول الفيزيائي Heinrich Wilhelm Dove تعريض بعض مرضى الصرع والاكتئاب الخفيف والذين لا يستجيبون إلى العلاج الدوائي إلى تلك الذبذبات.
وتعتمد فكرة العلاج بالذبذبات أنه إذا تم تسليط ترددين مختلفين على كل أذن، فإن ذلك يُنشط أجزاء معينة بالمخ لتوحيد التردد، ويُطلق على تلك الحالة binaural beats، ويستخدمها الأطباء لتخفيف الأعراض لدى الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أو القلق، والذين لا يجدي معهم العلاج.
وفي البداية كان يتم تعريض المخ إلى ذبذبات مغناطيسية مختلفة حتى يتم تحفيز المخ على إفراز هرمون الدوبامين، وبالتالي تسريع عملية العلاج، وتحسين الوظائف الحيوية للمريض مثل النوم، وزيادة الشعور بالراحة، لكن سرعان ما توقفت تلك التجارب بسبب ارتفاع تكلفتها، كما أن تأثيرها كان محدود للغاية.

أنواع المخدرات الرقمية
تتنوع المخدرات الرقمية وفقاً لتأثيرها، فهناك أنواع لها نفس تأثير الكوكايين أو الكريستال ميث المعروفة العلمية باسم "ميثاتفيتامين"، ويروج البعض لها بأنها قد تدفعك إلى الهلوسة أو الاسترخاء، بينما يدعي البعض أنها تحسن لديه التركيز.

علامات إدمان المخدرات الرقمية
ربما تكون هناك صعوبة في كشف إدمان المخدرات الرقمية، لذلك يجب الانتباه جيداً إلى حدوث تغيرات في شخصية الابن أو الابنة في المنزل، وهناك بعض العلامات التي يمكن ملاحظتها على المراهقين مثل التركيز لساعات طويلة مع الأجهزة الإلكترونية، والاستماع إلى الموسيقى طوال الوقت، وضعف تركيز المراهق وقلة انتباهه، والشرود الذهني، فقدان الرغبة في الأنشطة التي كانت محبوبة من قبل.
وفي المراحل المتأخرة قد يلاحظ الوالدين ظهور اسمرار الجلد تحت العينين بسبب الأرق والسهر لفترات طويلة، والرجفة وهزال الجسم وعدم الرغبة في تناول الطعام، والعصبية الشديدة بدون مبرر، كما قد يظهر في كثير من الأحيان إصابة الطفل بالتشنجات والنوبات العصبية.

انتشار المخدرات الرقمية في الشرق الأوسط
انتشرت المخدرات الرقمية بين الشباب والمراهقين في الشرق الأوسط، لكنها لم تصل إلى درجة اعتبارها ظاهرة، ولا يزال عدد المدمنين على المخدرات الرقمية منخفض، وهو ما حاولت قناة العربية إلقاء الضوء عليه من خلال عرض تجربة إصابة حالتين لمراهقين في لبنان يقومان بالانعزال لساعات طويلة في غرفتهما ولا يفعلان شيئاً سوى الاستماع إلى الموسيقى
 
علاج إدمان المخدرات الرقمية
إدمان المخدرات الرقمية، يعد نوعاً جديداً ومستحدثاً، لذلك لم يتوصل الأطباء لمدى التأثير النهائي لتلك المخدرات على الإنسان، لذلك يتم إخضاع المريض إلى فحص طبي مكون من أطباء مخ وأعصاب وأخصائيين في المجال النفسي، وذلك لتحديد مدى الإصابة ووضع الخطة العلاجية المناسبة والتي غالباً ما تتضمن جلسات علاج سلوكي وتغير بعض العادات السلوكية.
ويتضمن العلاج الجانب الدوائي، والذي يشمل أدوية تعالج الأضرار التي تحدث بالمخ جراء تعرضه لتلك الذبذبات والترددات لفترات طويلة، وأدوية مضادة الاكتئاب بسبب ما يعانيه المريض من القلق الدائم والذهن الشارد، والانعزال.
ويوصي الأطباء لهذا النوع من الإدمان، بتلقي جلسات الإرشاد الجماعية، والتي تتضمن وجود مجموعة من الأشخاص الذين يعانون من مشكلة الإدمان، ويتحدثون عن كل ما يدور حولهم، وعن تجاربهم، وشعورهم بالإحباط، وكيفية تجاوز أزماتهم.