تعمل النواقل العصبيّة المسؤولة عن شعورنا بالسعادة - بعد أن تتحرّر من مخازنها - على نقل الرسائل والإشارات بين الخلايا العصبيّة، ليتوّلد بالنهاية ذلك الشعور الجميل، فالسعادة جوهر الحياة وهدفها حيث كل الأمور التي تقوم بها (مثل تفانيك بالعمل حتى تحصل على الترقية أو دراستك بجد حتى تنال درجة ممتازة في الامتحان وغيرها) ماهي إلّا أفعالٌ تقوم بها طمعاً بجرعة الدوبامين التي وعدك بها دماغك في حال فعلت حسناً، وبالطبع قد تختلف الوسائل ولربّما تكون وسائل غير شرعيّة في بعض الحالات، لكن تبقى النتيجة واحدة لدى الجميع. سنتعرّف في المقال التالي على أهم الهرمونات التي تعطينا الشعور بالسعادة Happiness Hormones.


الأسئلة ذات علاقة


ما هو هرمون السعادة الدوبامين (Dopamine) وآلية عمله؟

يُعتبر من النواقل العصبيّة ذات الفعل التثبيطي، أي أنه  يقوم  بسد الطريق أمام الإشارات القادمة باتجاه مستقبلاته ، كما يُعدّ أحد أقرباء الأدرينالين.
يرتبط الدوبامين بعلاقة وثيقة مع عمل آليّة الثواب في الدماغ فمعظم أشكال المكافآت كالخوض في تجارب جديدة أو تحقيق إنجاز ما ترفع من تركيز الدوبامين، وبنفس الوقت تعمل معظم المواد المسبّبة للإدمان (المورفين، التدخين، المخدّرات، الكحول، إلخ..) وأيضاً بعض العادات السلوكيّة ذات الطابع الإدماني على الرفع من مستوى هذا الهرمون.
 يعطي تفعيل الدوبامين شعوراً بالطمأنينة والسعادة، فغالباً ما يتم الإشارة للدوبامين باسم "هرمون السعادة"، إلّا أنّه وبالإضافة لتحكّمه بالوظائف العقليّة والشعوريّة فهو يلعب دوراً مهما في العديد من فعاليات الجسم الأخرى كالذاكرة، الانتباه، التعلّم، النوم، المزاج، بالإضافة لتأثيراته على الجهاز الحركي.

ماذا سيحصل لو ارتفع أو انخفض تركيز الدوبامين بشكل كبير؟
ككل الأمور في الحياة يشكّل التوازن سرّ جمالها، فلا يعني كون الدوبامين هرموناً للسعادة أنّ زيادته الكبيرة تعطيك شعوراً رائعاً ومميزاً لا مثيل له، حسناً ربّما تفعل ذلك لكن بطريقة لن ترغب بها، فقد وجد أنّ التراكيز المرتفعة من الدوبامين تسبّب الإصابة بالهوس وهو مرض نفسي يختبر فيه المريض فترات من الإثارة والنشوة الشديدتين والأوهام التي غالباً ما تتمحور حول كونه شخصاً شديد الأهميّة لهذا العالم (كأن يعتقد أنه ملاكٌ أو آله)، بالإضافة إلى فرط النشاط الحركي (مريض الهوس يحبّ التجوّل كثيراً)، كما قد يصاب بمرض الفصام أو ما يُعرف بالشيزوفرينا.
بينما يؤدي إنتاج كميّة قليلة من جزيئات الدوبامين للإصابة بداء باركنسون وهو أحد الأمراض العصبيّة التنكّسيّة التي تخرّب الخلايا العصبيّة بشكل تدريجي وبطيء.

ما الطرق الطبيعية التي ترفع بها من تركيز الدوبامين؟
يوجد العديد من الطرق التي يمكنك باتباعها أن ترفع من مستوى الدوبامين مثل:
1- التعرّض للضوء.
2- ممارسة الرياضة.
3- التأمّل.
4- اليوغا.
5- الاتصال الجسدي.
6- المسّاج.
7- الموسيقى المبهجة.

بعض الأطعمة التي تحفز هرمون السعادة:
تُعد المواد التالية مثالية لترفع من مستوى الدوبامين لديك:
1- الحمية الغنيّة بالبروتين للحصول على التيروزين (Tyrosine) وهو الحمض الأميني الذي يُصنع منه الدوبامين، وكذلك لاحتواء الطعام البروتيني على الفينيل ألانين (Phenylalanine) وهو الحمض الأميني الذي يُصنع منه التيروزين (Tyrosine) وبالتالي زيادة الدوبامين.
2- الطعام البحري لاحتوائه على الأوميجا -3 (Omega-3)، تشير الأبحاث التي أجريت على الحيوانات بوجود علاقة ما بين نقص الأوميجا3 عند الحيوانات وانخفاض الفعاليّة الدماغيّة المرتبطة بالدوبامين، إلّا أن هذه العلاقة ليست مثبتة، ونحتاج مزيداً من الدراسات لإثباتها.
3- الخضراوات الحاوية على المغنزيوم، الألياف المنحلّة أو الفولات، حيث يملك المغنزيوم تأثيراتٍ مضادة للاكتئاب كما يمكن ربطه بشكل جزئي مع زيادة الفعاليّة الدوبامينيّة في الدماغ.
4- الطعام ذو المصدر الحيواني أو الغذاء الغني بالكولسترول.
5- بعض البهارات مثل الكركم والبردقوش، ترفع هذه البهارات من تركيز الدوبامين عن طريق تثبيط أنزيم الـ(MAO)  المسؤول عن تفكيك الدوبامين.
6- الموز.
7- الحمية منخفضة السكر.
8- بعض الزيوت
، مثل زيت الزيتون والأفوكادو باحتوائهما على الشحوم الدسمة غير المشبعة.
9- الشاي الأخضر والكافيئين.


ما الأمور التي تنقص من تركيز الدوبامين؟
تعمل بعض الأدوية والهرمونات على خفض مستوى الدوبامين وبالتالي توليد الشعور بالحزن والكآبة مثل:
1- مضادات الذهان: وهي أدوية توصف في بعض الأمراض النفسيّة لإنقاص مستوى الدوبامين، كأدوية الفصام.
2- الميلاتونين: يعمل هرمون الغدّة الزعتريّة على كبح الفعاليّة الدوبامينيّة.
3- الليثيوم: يتم استعماله لعلاج هجمات الهوس في الاضطراب ثنائي القطب (اضطراب نفسي يتناوب فيه مزاج الشخص بين الهوس والكآبة) وذلك لإنقاص الدوبامين.
4- تناول المغنزيوم لمدّة طويلة.
5- الالتهاب: ينقص الالتهاب من الدوبامين، ولهذا نشعر أنّنا أقل حيويّة عندما نمرض.
6- الطعام الغني بالشحوم المشبعة: كمشتقّات الحليب، السجق وجلد الدجاج وشحم الخنزير.
7- تناول السكّر لمدّة طويلة: في الحقيقة إن السكرّ يزيد من الدوبامين، مما  يقود مع مرور الزمن إلى انخفاض في أعداد مستقبلات الدوبامين من النمط 2 وحتى أن ينقص الدوبامين نفسه، لا تحدث هذه التغيّرات كنتيجة لتناول الكثير من السكر دفعة واحدة وإنما خلال أسابيع أو أشهر من تناوله.
8- عوز الحديد.
 


هرمون السيروتونين

ما هو السيروتونين (Serotonin) وكيف يعمل لتحريض السعادة؟
السيروتونين ناقل عصبي أميني يدعوه الكيميائيون أيضاً بـ 5-هيدروكسي تريبتامين (5-hydroxytryptamine) الذي يعمل على إطلاق إشارات بين الخلايا العصبيّة لتتفعّل حينها، يُعتقد أن السيروتونين يلعب دوراً مهماً في أداء الجهاز العصبي المركزي لوظائفه، وبنفس الوقت فهو يمارس تأثيراته على جميع أجزاء الجسم بشكل عام وعلى الجهاز الهضمي بشكل خاص.

وفيما يلي بعض الحقائق المهمّة عن السيروتونين:
1- غالباً ما يتم وصف السيروتونين بأنّه مادّة كيميائيّة مسؤولة عن بقاء المزاج في حالة من الشعور الجيّد.
2- يتم تصنيع السيروتونين في الدماغ وفي الأمعاء أيضاً، ويتواجد معظم سيروتونين الجسم (80- 90%) في الجهاز الهضمي.
3- السيروتونين الذي يمارس تأثيراته على الدماغ هو ذلك الذي ينتجه الدماغ نفسه، وليس الجهاز الهضمي.
4- يقع على كاهل السيروتونين مجموعة كبيرة من الوظائف ليقوم بها، مثل دوره في تنظيم المزاج والسلوك الاجتماعي، الشهية والهضم، النوم، الذاكرة، الاستقلاب، إنتاج الحليب لدى المرضعات، الانقسام الخلوي، التجدّد الكبدي، الرغبة والوظيفة الجنسيّة وغيرها من الأمور.
5- تم إثبات وجود علاقة بين نقص السيروتونين والاكتئاب. لكن يبقى العلماء غير قادرين على تحديد من هو الذي بدأ هذا الرابط، أي هل نقص السيروتونين يسبّب الاكتئاب أم أن الاكتئاب هو من يسبّب نقص السيروتونين.
6- الارتفاع الكبير في تركيز السيروتونين يؤدي للإصابة بالهوس.
7- تفيد الأدوية التي ترفع من السيروتونين في علاج الاكتئاب والغثيان والشقيقة.

ما الطرق الطبيعية التي ترفع بها من تركيز السيروتونين؟
من الممكن رفع تركيز السيروتونين عن طريق أخذ بعض الأدوية المستخدمة في علاج الاكتئاب أو عن طريق تلك الأدوية غير الشرعيّة والمؤذية بالصحة، لكن وبدلاً عن ذلك يمكنك أن تلجأ للطرق الصحية التالية:
1- كن إيجابيّاً: قم بإجراء تعديلات على أفكارك، سواء بمساعدة العلاج النفسي أو باعتمادك على نفسك، الأمر الذي سيرفع من تركيز السيروتونين لديك باعتبار أن السيروتونين والمزاج الجيّد صديقان حميمان.
2- التعرّض للضوء: دوماً ما يتم ربط الشتاء بالاكتئاب والمزاج السيء، لكن هل تساءلت ما السبب وراء ذلك؟ على ما يبدو فإنّ الضوء يساهم في الرفع من مستوى السيروتونين ما يفسّر الأمر.
3- ممارسة الرياضة: تملك الرياضة تأثيراً مضاداً للاكتئاب، وقد اقترحت بعض الأبحاث إمكانيّة ممارستها على رفع مستوى السيروتونين لديك.
4- الغذاء: تقترن الأطعمة الحاوية على مستويات أعلى من التربتوفان (حمض أميني يدخل في تركيب السيروتونين) بالمزاج والإدراك الجيّد، قد يعود سبب ذلك لكون هذه الأغذية ترفع من مستوى السيروتونين.

وهنا لائحة بأهم الأغذية التي ترفع من تركيز السيروتونين:
1- البيض:
يمكن للبيض أن يزيد من التربتوفان (طليعة السيروتونين) بحسب الأبحاث الأخيرة، ولا تترك الصفار لاحتوائه على معظم التربتوفان.
2- الجبن: مصدر رائع للتربتوفان.
3- الأناناس.
4- سمك السلمون.
5- الحبوب والمكسّرات.
6- البقوليّات مثل الحمّص.
 

هرمون الأوكسيتوسين

ما هو هرمون الحب الأوكسيتوسين (Oxytocin) وآلية عمله؟
يُطلق على هذا الهرمون اسم "هرمون الحب" لكون إفرازه يزداد بشكل ملحوظ عندما يدخل الشخص في علاقة حب، وكذلك عند الوصول للنشوة الجنسيّة، وقد وجد أن تركيز هذا الهرمون ينخفض عند المرور بالمواقف الاجتماعيّة السلبية كالإهانة والتفكير السلبي.
يُنصح بتناول الأطعمة الغنيّة بالبروتين، الزيوت الحاوية على مستوى عالٍ من الكولسترول الجيّد (HDL)، الفاكهة كالأفوكادو الموز لقدرتها على زيادة تركيز هذا الهرمون. قد تملك زيادة تحرّر الأوكسيتوسين التالية للمرور بمواقف اجتماعيّة إيجابية؛ تأثيراً على شفاء الأمراض.
 

الإندروفينات 

الاندروفينات (Endorphins) وتأثيرها على السعادة
تعطينا هذه المواد الكيميائيّة شعوراً جيّداً وتُنقص من الألم والقلق، تلعب الإندروفينات دوراً مهماً في السيطرة على التوتر النفسي والمزاج المعكر ومشاعر الألم، كما أنّها مسؤولة عن النشوة التي يختبرها العدَّاؤون بعد بذل الجهد الفيزيائي لفترة طويلة، وأيضاً يتم تحرير الإندروفينات عند القيام بالحركات الإيقاعيّة وأثناء ممارسة النشاط الجنسي.
تملك الإندروفينات تأثيرات مشابهة لتلك التي يمارسها المورفين، لذلك فتدعى هذه المواد الكيميائيّة بالأفينوات الذاتيّة (محلية الصنع).


وفي النهاية.. السعادة عبارة عن حالة من حالات العقل، ففي كلّ جزء من الثانية تحدث في دماغنا مجموعة هائلة من التفاعلات الكيميائيّة المعقّدة التي تولّد لديك شعورك الحالي، لتعتمد نتيجة هذه التفاعلات على الطعام الذي تأكله وعلى عوامل البيئة الخارجيّة، وبرأيي أن السعادة الحقيقة ليست بدوامها وإنّما بالتوازن، فقد بيّنت الأبحاث أن المزاج المتقلّب قد يحمل فائدة صحيّة أكبر من البقاء في حالة من السعادة الكبيرة بشكل متكرّر، فبعد كل جبل يوجد وادٍ.