حينما يطرأ على عبور السوائل والطعام من خلال الأمعاء الدقيقة أو الغليظة تغير ما، كأن يتواجد عائق مثلاً يسدّ سبيل مرورها إلى الأمام، أو عندما تقلّ الحركات التمعجية المعويّة التي تدفع بمحتويات الأمعاء نحو الأمام أو تختفي تماماً، حينها يواجه الفرد أعراض انسداد معويّ سنتعرف عليها معاً في هذا المقال مع كيفيّة تدبيرها من قبل الأطباء. 


الأسئلة ذات علاقة


انسداد الأمعاء

تعريف انسداد الأمعاء 
يعرَّف انسداد الأمعاء طبياً (Bowel Obstruction) بكونه حالة مرضيّة تنجم عن توقف مرور محتويات الأمعاء (مواد طعامية وسوائل) واندفاعها نحو الأمام، إلى جانب توقف خروج الغازات وطرح البراز عبر فتحة الشرج، وذلك إما نتيجة وجود عائق يسدّ الطريق أمام محتويات الأمعاء، أو تحت تأثير غياب الحركات التمعجية المعويّة التي نعتبرها مهمة جداً في دفع محتويات الأمعاء نحو الأمام. 
تمرّ السوائل والمواد المهضومة بشكل طبيعيّ عبر الأمعاء الدقيقة كي يحدث امتصاصها ونقلها إلى خلايا الجسم المختلفة، بينما ترتكز مهمة الأمعاء الغليظة على سحب الماء والشوارد بما يتناسب مع حاجة الجسم حينها، إلى جانب تجميع المواد غير المهضومة والتي لم يستفد منها الجسم بغية طرحها إلى الخارج عبر فتحة الشرج.
تجدر الإشارة إلى أن جدران الأمعاء الدقيقة والغليظة تحتوي أليافاً عضليةً ملساء تعتبر مسؤولة بتقلصاتها عن دفع المواد الطعامية عبرها نحو الأمام، حيث نسمّي هذه الحركات المستمرة والدافعة للأمعاء طبياً بالحركات الحويّة التمعجية( تقلصات الأمعاء). 
 

ذات علاقة


أسباب انسداد الأمعاء 

الأسباب والعوامل المسؤولة عن انسداد الأمعاء
تقسم الأسباب والعوامل المسؤولة عن حدوث انسداد معويّ عند الإنسان إلى مجموعتين رئيسيتين: الانسداد الميكانيكي بوجود عائق، الانسداد الشللي يتمثل بغياب الحركات الحوية التمعجية للأمعاء (حركات دفع الطعام في الأمعاء). والآن سندخل في تفاصيل هاتين المجموعتين: 

انسداد الأمعاء الميكانيكيّ 
يحدث انسداد الأمعاء الميكانيكيّ حينما يتواجد عائق أو حاجز في الأمعاء الدقيقة أو الغليظة يحول دون مرور المواد الطعامية والسوائل والغازات بشكل تقدّميّ نحو الأمام، تتنوّع أشكال هذه العوائق السادة بين الأمعاء الدقيقة والغليظة، وفيما يلي نستعرض أنماط هذه العوائق السادة ميكانيكياً للأمعاء الدقيقة والغليظة: 
1- الالتصاقات (تشكلات مفرطة من النسيج الليفيّ) التي تحدث في الأمعاء بعد عملية جراحيّة على البطن أو الحوض أو كاختلاط تالٍ للالتهابات الحادة والشديدة. 
2- انسداد الأمعاء الدقيقة بحصاة مراريّة نزلت عبر الطرق الصفراويّة إلى العفج ومنه إلى الأمعاء الدقيقة. 
3- الأورام الحميدة أو الخبيثة التي تظهر في الأمعاء. 
4- السّدادة العقيّة (Meconium Plug)؛ (عدم النضج الوظيفي في قولون حديثي الولادة)، التي تتجمع في الأمعاء الغليظة لحديثي الولادة وتسدّها بشكل غير طبيعيّ، حيث يحتوي العقي على مجموعة المواد التي هضمت في السبيل الهضمي للجنين أثناء حياته داخل رحم أمه، والتي ينبغي أن تطرح خلال يومين من ولادته نحو الخارج. 
5- الأمراض المعويّة الالتهابيّة التي تنجم عن أسباب مناعيّة ذاتيّة، مثل داء كرون (Crohn's Disease) الذي يصيب الأمعاء الدقيقة أو الغليظة أو حتى أي بؤرة من السبيل الهضمي عند الإنسان، والتهاب القولون القرحيّ(Ulcerative Colitis) الذي يصيب الأمعاء الغليظة بالتحديد. 
6- الفتوق (Hernias)، حالة مرضيّة تنجم عن خروج عروتين معوتين (من الأمعاء الدقيقة) أو أكثر من مكانهما الطبيعيّ وبروزهما عبر جدار البطن، وهي بالطبع حالة مؤلمة للمريض تستدعي إجراء العمل الجراحيّ لردّ العرى المنفتقة إلى مكانها الطبيعيّ. 
7- الرتوج (Diverticula) في الأمعاء الدقيقة، حالة مرضيّة تتمثل بوجود تشكّل كيسيّ يبرز داخل الأمعاء الدقيقة. 
8- انفتال الأمعاء الدقيقة أو الغليظة، بمعنى أن جزءاً من العرى المعويّة تدور حول محورها. 
9- انغلاف الأمعاء، أي دخول عروة معويّة في المنطقة التي تعلوها (انغلاف صاعد) أو في المنطقة التي تتوضع أسفلها (انغلاف نازل). 
10- انسداد الأمعاء الغليظة عبر تجمعات غائطية صلبة القوام. 
11- الأجسام الصلبة (قطع صغيرة من الألعاب مثلاً) التي يبتلعها الأطفال الصغار وتعلق في الأمعاء مسببة انسدادها. 

انسداد الأمعاء الشلليّ 
يحدث هذا الشكل من الانسداد حينما تقلّ الحركات التمعجية التي تعتبر مسؤولة عن دفع محتويات الأمعاء باتجاه الأمام أو حينما تختفي كلياً، وترجع أسباب قلتها أو اختفائها إلى ما يلي: 
1- الأدوية التي تشلّ حركة الألياف العضلية الملساء التي تعتبر مسؤولة بتقلصاتها عن هذه الحركات التمعجية، مثل: الأفيونات المسكنة للألم. 
2- شلل الأمعاء التالي لإجراء العمليات الجراحيّة على البطن أو الحوض.
3- المواد السامة (الذيفانات) التي تطرحها الجراثيم في بؤر داخل البطن، كالتي تتواجد في سياق التهاب الزائدة الدوديّة أو التهاب المعدة والأمعاء. 
4- نقص شوارد البوتاسيوم والصوديوم.
 

أعراض انسداد الأمعاء

يعاني مريض انسداد الأمعاء من أعراض سريريّة مزعجة وحادّة نستعرضها فيما يلي: 
- ألم بطني ومغص (Abdominal Pain)، يمتاز بكونه خفيفاً وبسيطاً ومتقطعاً (يذهب ويعود) في حالات الانسداد البسيطة، وقد يكون حاداً فجائياً وشديداً في حالات الاختناق (قلة التروية الدموية عن الأمعاء المسدودة مما يؤدي لأذية بطانتها وتنخرها). 
- الإقياءات (Vomiting)، يحرضها التوسع المعويّ،تمتاز بكونها باكرة في الانسدادات العلوية للأمعاء ومتأخرة في انسداد الأجزاء البعيدة، تكون الإقياءات بداية لمحتويات المعدة ثم تصبح صفراويّة (محتويات معويّة)، ثم تصبح غامقة اللون وكريهة الرائحة (إقياءات غائطيّة) كونها صدرت من الأمعاء الغليظة. 
- الإمساك (Constipation)، يحدث نتيجة توقف مرور محتويات الأمعاء (مواد طعامية وسائل) وتوقف طرد الغازات عبر فتحة الشرج. 
- انتفاخ البطن (Bloating)، يحدث نتيجة تراكم السوائل والمواد الطعامية والغازات داخل العرى المعويّة المتوسعة. 
 

تشخيص انسداد الأمعاء

كيف يشخص الأطباء حالات انسداد الأمعاء عند المرضى؟ 
يستفسر الطبيب عن الأعراض والمشاكل الهضمية التي واجهها مريضه وساقته لطلب المساعدة الطبيّة، كما يخضع المريض بدوره إلى فحص سريريّ يتأمل فيه طبيبه حالته العامة ليلاحظ وجود التعب العام أو الشحوب أو وجود ندبات عمل جراحي سابقة على بطنه، ويقوم بجسّ بطنه كي يتحرّى الإيلام البطني والكتل الموجودة داخل تجويف البطن (انغلاف أمعاء، فتوق،أورام). 
ليس هذا وحسب، بل يجري الطبيب مسَّاً شرجياً يُدخل فيه إصبعه عبر الفتحة الشرجية للمريض كي يتأكد من خلوّ المستقيم تماماً من الفضلات، وهي مؤشر على وجود انسداد معويّ، أو إحساسه بكتلة متدلية داخل القولون السينيّ أو المستقيم، أو وجود سدادة غائطيّة. 
وبعد أخذ القصة المرضيّة التفصيلية تُسحب عينة دمويّة من المريض كي نبحث فيها مخبرياً عن اضطراب في تركيز الشوارد (انخفاض تراكيز الصوديوم والبوتاسيوم والكلور)، مع وجود فرط في تركيز الدم (ارتفاع قيم خضاب الدم والهيماتوكريت وارتفاع تعداد الكريات البيض). 


التصوير الشعاعي للبطن في تشخيص الانسداد المعوي

من جهة أخرى، يُعتبر الفحص الشعاعيّ مهماً وضرورياً لتأكيد التشخيص السريريّ بانسداد الأمعاء عند المريض، حيث تجرى له صورة بسيطة للبطن بوضعية الوقوف تبدي علامة مهمة لانسداد الأمعاء تتمثل؛ بتعدد السويات السائلة الغازية لتعطي مظهر السّلّم، كما يتمّ تصوير البطن أيضاً بوضعية الاضطجاع التي تبدي انتشار الغازات في الأمعاء مع غياب السويات السائلة الغازية عند مريض الانسداد المعويّ.
ومن الطرق التصويرية الأخرى هنالك التصوير الظليل الذي تُستعمل فيه مادة ظليلة تكثّف البؤرة الانسدادية وتجعلها تبدو بوضوح ودقة أكثر. 
 

علاج انسداد الأمعاء

علاج حالات الانسداد المعويّ الميكانيكيّ 
تحتاج حالات الإنسداد المعويّ إلى العلاج الجراحيّ كونها تعتبر حالة مرضيّة إسعافية ينبغي اتخاذ التدابير الفورية لعلاجها، فمن غير الطبيعيّ أن تُترك الأمعاء مسدودة دون علاج يحرر محتوياتها المتجمعة ويزيل العوائق الميكانيكية التي تمنع عبورها. 
ينبغي بدايةً تحضير المريض وتهيئته قبل إجراء العمل الجراحيّ لتحسين حالته العامّة وجعلها مستقرة، وذلك بوضع قثطرة وريديّة (Intra-venous Catheter) نعطيه عبرها السوائل والشوارد لإصلاح حالة التجفاف (Dehydration) التي يشكو منها، إلى جانب وضع أنبوب أنفيّ معديّ (Nasogastric Tube) يرشف محتويات المعدة لتسهيل إجراء الجراحة، حيث يخفف عبر هذا الأنبوب الضغط داخل البطن ويقلل من إمكانية حدوث الاستنشاق (عبور محتويات المعدة إلى السبيل الهوائيّ) خلال إجراء العمل الجراحيّ، يراقب الطبيب أيضاً الإدرار البوليّ عند مريضه بوضع قثطرة بولية إلى جانب تزويده بالصادات (Antibiotics) واسعة الطيف للقضاء على الجراثيم في بؤرة الانسداد، فمن غير الطبيعي أن تُجرى العملية الجراحيّة قبل القضاء على الجراثيم، وإلا لتجرثم كامل التجويف البطنيّ بمجرد فتح بؤرة الانسداد. 

آلية العمل الجراحي لعلاج الانسداد المعويّ الميكانيكيّ
يقوم الطبيب أثناء الجراحة بإصلاح السبب المسؤول عن الانسداد المعويّ، كأن يردّ العرى المعويّة المنفتقة أو المنغلفة مثلاً لمكانها الطبيعيّ، وفي حالات الالتصاقات الشديدة يتَّجه بالطبع إلى فكِّها، كما يقوم بتسوية حالة الانفتال المعويّ إذا ما اشتكى المريض أساساً من دوران غير طبيعيّ لجزء من أمعائه، ليس هذا وحسب، بل يمكن للجراح أيضاً أن يقوم باستئصال جزء من الأمعاء وإجراء المفاغرات (وصل المنطقة التي تسبق الجزء المستأصل مع المنطقة التالية لها بغية تأمين مرور سليم للطعام والسوائل والغازات). 
لا بد أن نشير إلى أن المريض يناقش مع طبيبه المعالج ما سيخضع له قبل العمل الجراحيّ وأثناءه، كما يوضح الطبيب كافة التوصيات والنصائح التي ينبغي لمريضه أن يتبعها بعد العملية كي يضمن نجاحها التام دون أي عواقب أو اختلاطات تالية لها. 

علاج حالات الانسداد المعويّ الشلليّ
بعد أن يتبيّن الطبيب أن انسداد الأمعاء لدى مريضه شلليّ المنشأ، وبعد أن ينفي كافة الأسباب الميكانيكيّة الأخرى التي تعتبر مسؤولة بدورها عن انسدادات الأمعاء أيضاً؛ فإن المريض يخضع لمراقبة لمدة يومين داخل المشفى، لاسيّما أن أكثر حالات الانسداد المعويّ الشلليّ تتراجع عفوياً دون حاجة لأي علاجات موصوفة من قبل الطبيب، ومن الضروري جداً أن يوصي الطبيب بامتناع مريضه عن تناول أي دواء يعتبر مسؤولاً عن غياب الحركات التمعجية لأمعائه. 
إذا لم ترجع الحركات التمعجية عفوياً إلى مريض الانسداد حينها يصف الطبيب أدوية تحرض تقلصات الألياف العضلية الملساء لأمعائه، وفي حالات نادرة جداً قد يلجأ الأطباء إلى العلاج الجراحيّ في حالات الانسداد الشللي للأمعاء. 
 

مخاطر انسداد الأمعاء

العواقب الناجمة عن انسداد الأمعاء
إذا ما حصل انسداد في بؤرة ما من الأمعاء الدقيقة أو الغليظة يحدث توسّع مهمّ فوق بؤرة الانسداد تماماً، لتتجمع فيه المواد الطعامية والسوائل التي واجهت صعوبة ومنعاً في العبور، هذا التجمع غير الطبيعيّ يشكِّل منطقة مناسبة لتكاثر الجراثيم، حينها تنجذب بشكل سريع نحوها وتنمو فيها وتطرح موادها السامة، من جانب آخر يخلق تجمّع الطعام والسوائل ضغطاً كبيراً فوق بؤرة الإنسداد قد يؤدي إلى تمزّق الأمعاء ومرور المواد الطعامية المختلطة بالجراثيم والسوائل إلى داخل تجويف البطن، مما يؤدي إلى التهاب معمّم في الصفاق (Peritoneum)؛ (الغشاء المصلي الذي يشكل بطانة تجويف البطن)، ويُعد التهاب الصفاق حالة طبيّة إسعافية خطيرة ينبغي تدبيرها فوراً. 

المضاعفات التي تنجم عن حالات انسداد الأمعاء الشديدة والمهملة 
1- التجفاف الشديد (Dehydration) مع اضطراب خطير في تركيز شوارد الجسم.
2- تنخّر الأمعاء (Necrotizing) وتموتها نتيجة قلة التروية الدموية التي تغذيها.
3- انثقاب الأمعاء (Perforation).
4- الإنتان (Infection) الذي يعتبر موضعياً إذا اقتصر على بؤرة الانسداد، وقد يتعمّم ليشمل كامل التجويف البطنيّ (التهاب الصفاق المعمّم)، أو قد ينتشر لمناطق أخرى من الجسم إذا ما وصلت الجراثيم إلى الدوران الدمويّ (إنتان الدمّ). 
5- الفشل الكلويّ (Kidney Failure) الذي ينجم عن حالات التجفاف الشديدة وغير المعالجة.
وفي ختام مقالنا... نشير إلى أن الأطباء يجدون في انسداد الأمعاء حالة مرضيّة قابلة للعلاج ولا تشكل خطراً حقيقياً على صحة المريض إذا تمّ تقصِّيها فور ظهور الأعراض.