الروائية البريطانية الراحلة أغاثا كريستي قالت يوماً: "من أفضل الأشياء التي يمكن أن تحدث لك في الحياة؛ هي أن يكون لديك طفولة سعيدة"، إنها وقت خاص في حياة المرء، وقت للاكتشاف واللعب والتساؤل والتسلية في هذا العالم، يتعلم خلاله الطفل حول محيطه، وبالنسبة للوالدين يمكن أن يترافق هذا الوقت مع الشعور بالقلق، حيث يسعيان إلى ضمان صحة الطفل وسعادته، التي تأتي أولاً.. لذا وفي هذا المقال سنجمع بين البحث العلمي وسعادة الطفولة، وبشكل أكثر تحديداً، سنتعرف على النصائح المثبتة علمياً لمساعدتك في ضمان طفولة سعيدة وصحية لأبنائك.


الأسئلة ذات علاقة


نصائح علمية لطفل سعيد

نصائح مثبتة علمياً لجعل الطفل أكثر سعادة
منحهم الكثير من وقت اللعب:
المسؤولية الأساسية للطفل هي - أو على الأقل يجب أن تكون – للعب؛ سيحصل الطفل في نهاية المطاف على واجبات مدرسية وفروض علمية وما إلى ذلك؛ لكن من مرحلة حياته كطفل صغير إلى مرحلة المراهقة، ينبغي منحه الحرية لمجرد الاستمتاع.. يقول المتخصص بعلم نفس الأطفال والأستاذ في كلية بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية بيتر غراي (Peter Gray): "يتعلم الأطفال أهم الدروس في الحياة من الأطفال الآخرين، وليس من البالغين... حيث أنه لا يمكنهم التعلم أو هم أقل عرضة للتعلم، في التفاعل مع البالغين"، لذا.. اطلب من أطفالك "الخروج.. واللعب مع الأطفال!".

لا تتجادل أو تثر النقاشات الحادة أمام أطفالك: تتطور أدمغة الطفل بمعدل غير عادي خلال مرحلة الطفولة المبكرة، وعندما يرون ويسمعون مشاكل البالغين، والشكوك التي تدور بين الكبار في علاقاتهم؛ يمكن أن تتأثر الحالة النفسية للطفل، مما يجعله قلق وغير آمن، لذا يجب ألا يسمع الأطفال محادثات مرهقة بين البالغين، فهو بالتأكيد ليس الوقت المناسب.

لا تقارن الطفل بأطفال آخرين: يمكن لضغوط النجاح في مجتمع اليوم أن تجعلك تعمل على غرس الشعور المبكر بالقدرة التنافسية عند طفلك، يقوم بعض البالغين بذلك من خلال مقارنة الطفل بشخص آخر، وفي بعض الأحيان سيشير الكبار إلى سمات شخصية مرغوبة لدى طفل آخر، على أمل أن يعكس طفلهما هذه الصفات أيضاً، يقول الباحثون: "إن مثل هذه المقارنة يمكن أن تؤثر سلباً على ثقة الطفل وشعوره بقيمته الذاتية".

تعليم الطفل فوائد المشاعر السلبية: بالإشارة إلى ما هو واضح وتعليمه أهمية التعبير عن مشاعره مهما كانت، فالطفل ليس ناضجاً بعد، لا تتعامل مع حزنه كما لو أنه بالغ وعليه أن يتحكم بعواطفه! حيث أنه تقريباً سيكون لكل طفل؛ نوبات عفوية من الغضب والحسد والغيرة والحزن وما إلى ذلك، هذا السلوك يمثل فرصة تعليمية جيدة لهؤلاء الصغار، والنزعة الأكثر انتشاراً بين الصغار لمعالجة "سوء السلوك" الذي يدركونه؛ من خلال عواطفهم السلبية بهدف العمل على التخلص من بعض العقوبة، التي يعرفون أنهم سينالونها على هذا السلوك، لا بد من الاستفادة منها كوالدين من خلال إدراك أن أفضل طريقة هي الاعتراف بسوء السلوك، عن طريق تعليم الطفل أن الجميع يواجه مشاعر سلبية، كذلك إيجاد طرق لتعليم الطفل؛ كيفية التعامل مع عواطفه بشكل بناء.

الاعتراف بجهود الطفل: سيصل الطفل إلى العمر عندما يعرف أن العمل الشاق مطلوب للمضي قدماً في الحياة، من المهم إذن أن ندرك متى يدفع الطفل نفسه لإنجاز شيء ما، وبالحديث عن المهام المعرفية أثناء الطفولة، تقول أستاذة علم النفس في جامعة ستانفورد الدكتورة كارول دويك (Carol S. Dweck): "إن رسالتنا إلى أولياء الأمور هي التركيز على العملية التي ينخرط فيها الطفل، مثل المحاولة الجادة أو التركيز على مهمة يقوم بها، وما هي الأشياء المحددة التي يفعلونها، بدلا من تكرار كلام من قبيل: أنت ذكي جداً، أنت جيد جداً في هذا... فما يفعله الصغار في وقت مبكر من أعمارهم هو المهم".

تقييم تقاليد الأسرة: وجود مجموعة متنوعة من الأشياء التي يقوم بها أفراد العائلة معاً؛ هي علامة جيدة.. فمع الاستقرار (كونه جانباً هاماً من تنمية الطفولة)، فإن توفير الوقت العائلي بشكل منتظم يؤدي إلى تحقيق خمس فوائد رئيسية هي:
1- يشعر الطفل بأنه مهم ومحبوب.
2- يلاحظ سمات البالغين الإيجابية.
3- يمكن للبالغين مراقبة ومعرفة المزيد عن نقاط ضعف أطفالهم لإرشادهم بشكل أفضل.
4- يمكن للطفل أن يعبر عن أفكاره ومشاعره.
5- يطور الوالد والطفل رابطة أقوى.

دع الطفل يحصل على الفرص: يحتاج الطفل إلى قدر معين من الإشراف عليه، وحتى الآن يمكن للبالغين أن يبالغوا في مراقبة كل حركة وأن يبالغوا في حماية أطفالهم (Overparenting)، ذلك يأتي بنتائج عكسية للتنمية الحقيقية للطفل، يقول الباحثون: "هل الاهتمام الشديد بالطفل واحتياجاته وتخيلاته، تؤدي إلى أن الطفل نادراً ما يواجه مواقف مزعجة، أو يتعلم كيفية التعامل معها، واكتساب القدرة على التحمل، بالتالي النضج وغير ذلك من المهارات الحياتية الأساسية؟.. الاحتمال المقلق بأن الإجابة هي: نعم".

منحهم حس المسؤولية (الفردية): من المهم السماح للأطفال بإكمال المسؤوليات بأنفسهم (مثل الأعمال المنزلية، والواجبات المدرسية) دون الإحاطة بالتفاصيل الدقيقة لما يقومون به، لماذا!؟.. وفقا لعلماء نفس الأطفال "يمكن أن يطور المقدار المفرط من الرقابة على الطفل موقفاً ثابتاً عنده بأن يقول دوماً: لا يمكنني القيام بهذا بمفردي"، في حين أن بعض الاهتمام وحتى الانضباط؛ أمر ضروري بالنسبة للطفل؛ لأن يدرك عواقب التخلي عن المسؤولية، بالنتيجة فإن الإشراف المفرط غير فعال.

إنشاء ذكريات سعيدة: فإذا كان الكبار يمتلكون ذكريات جميلة عن الطفولة، هذا يعني أنه باستطاعتهم استدعاء أحاسيس أكثر عمقاً، ويشير الباحثون إلى أن أحكام الشخص على الآخرين وقدرته على العطاء وفعل الخير؛ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى سعادة طفولته، كذلك على قوة ذكرياته التي يحملها عن مرحلة الطفولة، لذلك فإنك بتربية ذكريات سعيدة لطفلك؛ سيكون مستعداً ليصبح سعيداً في حياته، وفي الوقت نفسه ترتبط حالات القلق والكآبة، التي تصيب الكبار بمرحلة طفولة صعبة تعرض خلالها المريض لحالات من المضايقة، ويحمل ذكريات عن طفولة غير سعيدة كما يقول العلماء.

كن أنت سعيداً: يتعلم الأطفال من خلال ما يرونه ويسمعونه.. للأفضل أو الأسوأ، فإذا أظهر الشخص البالغ سلوكاً إيجابياً، من المرجح أن يُعامل الطفل بالمثل، وفقا لأستاذة علم النفس بجامعة كاليفورنيا الدكتورة لكارولين كوان (Carolyn Cowan): "لا يستطيع الأطفال أن يحسنوا التصرف، إذا كان الكبار لا يهتمون بأنفسهم وعلاقاتهم وطريقة تصرفهم أمام أطفالهم".
 



عائلة الطفل السعيد

الطفل السعيد لديه أم وأب يفعلون هذه الأشياء!
من الصعب عليك كأحد الوالدين تبني طريقة واضحة، أو اتباع قواعد بعينها؛ تضمن أن يكون أطفالك سعداء الآن وبعد 20 عام، إذ يمكن أن يكون من الصعب معرفة كيفية جعل أطفالنا سعداء، لكن الأهم من ذلك هو تعليمهم القيم، التي ستجعلهم أكثر سعادة طوال حياتهم، ولحسن الحظ تم إجراء الكثير من الأبحاث حول هذا الموضوع على مدى العقد الماضي، حيث بدأت الدراسات إلقاء الضوء على العادات والسلوكيات، التي يمكن للوالدين تبنيها لتربية أطفال سعداء، ويمكن أن نذكر أهمها تالياً:

1- أن يكون للوالدين علاقة قوية مع بعضهما البعض: وكيف يتفاعل الوالدان مع بعضهم البعض.. وفقاً لدراسة حول تأثير الطلاق على الأطفال: "فإن الأطفال الذين ينشؤون في عائلات تعاني من صراع؛ يميلون إلى أن يكونوا أسوأ في الحياة عند مقارنتهم بالأطفال، الذين ينشؤون ضمن العائلات التي يتواجد فيها الوالدان معاً"، حيث يلعب الطلاق دوراً كبيراً في سعادة الطفل، بطبيعة الحال.. هذا لا يعني أنه يجب تجنب الطلاق بأي ثمن، ففي بعض الأحيان يكون الانفصال هو الحل الوحيد للمشاكل الزوجية المتفاقمة، لكننا نتحدث الآن عن تربية طفل أكثر سعادة، ومن الضروري فعل ذلك في ظل رعاية زوجين متحابين ويعملان معاً كشريكين حقيقين.

2- أن يكون للوالدين علاقة قوية مع أطفالهما: هنا ستفكر على الأرجح في النقطة التي يكون فيها الطفل قد بلغ من العمر ما يكفي للتحدث معك وفهمك، مع ذلك اتضح أن هذا المفهوم يبدأ في مرحلة مبكرة جداً من عمر الطفل، حيث وجدت دراسة أن الأطفال الرضع والأطفال الصغار (دون الثالثة من العمر) الذين تلقوا الرعاية الكافية (يلبي الوالدان جميع احتياجات الطفل أثناء نشأته)؛ كانت علاقاتهم أكثر صحة وهم كبار، وحتى أنهم أفضل من الناحية الأكاديمية"، هذا يشير إلى "أن الاستثمار في العلاقات المبكرة بين الوالدين والطفل؛ قد تؤدي إلى عوائد طويلة الأجل تتراكم في حياة الفرد على المدى البعيد".

3- والدان أقل تشدداً: وفق دراسة كندية فإن "مقدار الوقت الذي تقضيه مع أطفالك لا يؤثر على كيفية تطورهم!"، في الواقع إن أحد أهم السلوكيات التي يمكن أن يكون قضاء الوقت مع الأطفال فيها ضاراً بالفعل؛ هو عندما يتم التشديد من الوالدين، حيث وجدت نفس الدراسة أن "الوقت مع الأطفال يمكن أن يكون له تأثير سلبي عند الوالدين ولا سيما الأمهات وتحديداً يزداد قلقها، هذا على الأرجح بسبب الأثر المعدي للعواطف ويشار إليها باسم "العدوى العاطفية"، فكلما تم الضغط على الأم والأب وازدادا قلقاً، كلما تأثر رفاه الطفل وسعادته أيضاً.

4- يعطيان الأولوية للمهارات الاجتماعية وتنمية ذكاء الطفل الاجتماعي: حيث تؤثر المهارات الاجتماعية على كل شيء ستواصل القيام به من أجل حياة أبنائك؛ من صداقاتهم وعلاقاتهم الرومانسية إلى حياتهم المهنية مستقبلاً، إن المهارات الاجتماعية التي يتعلمها المرء في مرحلة الطفولة، سيكون لها تأثير ملحوظ على نجاحه ورفاهه بعد عقدين من الزمن، حيث يُظهر الأطفال ذوو المهارات الاجتماعية المحدودة احتمالية أكبر للتعرض للمشكلات في وقت لاحق من الحياة، مما يؤكد أن مساعدة الأطفال على التطور المهارات الاجتماعي والعاطفي، هي واحدة من أهم الأشياء التي يمكننا القيام بها لإعدادهم لمستقبل صحي، ومنذ سن مبكرة، يمكن أن تحدد هذه المهارات أين سيكون مستقبل هذا الطفل.

5- تعليم الطفل قيمة الفشل:  فإما تربي الطفل بعقلية ثابتة (من خلال الاعتقاد بأن صفاته ثابتة وأن النجاح هو تأكيد لتلك الصفات، لهذا السبب يتجنب الطفل والراشد فيما بعد الفشل بأي ثمن)، أو تربي أبنائك بعقلية النمو (بمعنى يمكننا تغيير وتحسين الفشل والترحيب به، لأنه جزء من حياتنا ويعلمنا الدروس ويساعدنا على النمو)، فكيف تغرس هذا النوع من العقلية؟... إذا علمتهم أنهم حققوا شيئاً ما بسبب ذكائهم أو قدراتهم الرياضية مثلاً؛ فسينشئون بعقلية ثابتة، في حين إذا علّمتهم بأن إنجازهم هذا جاء بسبب الجهد الذي بذلوه ليصبحوا أفضل فيما يفعلونه، فإنهم سيطورون عقلية النمو.

ختاماً.. سواء كنت أحد الوالدين أو تريد أن تكون أحد الوالدين أو شخصاً مثلي.. يحب الأطفال فحسب، نأمل أن يوفر ما قرأته بعض الأفكار الرائعة حول جعل الطفل أكثر صحة وسعادة، شاركنا رأيك من خلال التعليقات.