الكيل بمكيالين.. مصطلح لا يختص فقط بالسياسة، لكنه أسلوب عيش الحياة لدى الكثيرين، فالنفاق منتشر في بيئات العمل والعلاقات الخاصة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، فما هو الدافع وراء النفاق؟ ولماذا ننتقد النفاق وننتقده جميعاً رغم تورطنا معه غالباً؟!


ذات صلة


علم النفاق الاجتماعي!

تحليل النفاق الاجتماعي في المختبر!
ينطوي النفاق عادة على انتقاد أو إدانة الأفعال اللا أخلاقية للآخرين في حين أن المتحدث يكون منخرطاً في تلك الأعمال بنفسه، الأمر الذي قد يبدو غريباً.. لكن هل تفضل أن يشارك شخص ما أو يتورط في سلوك غير أخلاقي وينتقده؟! الغوص في ماهية النفاق يمكن أن يجعلك تشعر أنه أكثر منطقية لعيش هذه الحياة!
هدفت تجربة في عام 2001 إلى تحويل الناس إلى منافقين في المختبر!.. كان على المشاركين تعيين مجموعة من المهام لأنفسهم ولمشارك ثانٍ غير معروف بالنسبة لهم، كان أحد أنواع المهام مثيراً ويقدم مكافآت بينما كان الآخر محايداً وبدون مكافآت، وجرت التجربة بوضع تعليمات مكتوبة إلى جانب المشاركين؛ توضح أن معظم الناس يعتقدون أن قلب العملة سيكون طريقة عادلة لتوزيع المهام، في الواقع اتفق جميع المشاركين عملياً على أن قلب العملة لتخصيص المهام لأكثر الأمور "أخلاقية" أو غير المثيرة، عندما وصل الأمر إلى ذلك، فإن نصفهم قلب العملة، في حين كان الجميع في النصف الذي لم يُعطى عملة من المشاركين؛ يقومون بإعطاء أنفسهم المهام المثيرة.
من بين الأشخاص الذين قاموا بقلب العملة، التي كانت تحمل كلمة "أنا" على وجه و"آخر" على الوجه الثاني؛ بنسبة 85٪ إلى 90٪ من المشاركين كانوا قادرين على تعيين المهمة المثيرة اللا أخلاقية لأنفسهم لكنهم لم يفعلوا!.. بالنتيجة أراد المشاركون أن يبدو نزيهين باستخدام عملة معدنية لاتخاذ قرارتهم، لكن وراء الكواليس، كانوا أنانيين مثل الأشخاص الذين لم يستخدموا العملة على الإطلاق، (معظمهم وافقوا على أن استخدام العملة سيكون الأكثر نزاهة ولكن لم يفعلوا ذلك).. هذه التجربة كانت مثال مهم على النفاق الأخلاقي.
 

ذات علاقة


ما هو الدافع وراء النفاق؟

المصلحة الذاتية هي السبب الأكثر وضوحاً لأي منا كي يتصرف بنفاق، فعندما يتم سؤال الناس حول سبب تصرفهم في تناقض مع معاييرهم الأخلاقية المعلنة، سيقول الكثيرون إن التكاليف الشخصية كافية لتتغلب على نية العمل الأخلاقي! وبشكل أساسي نريد جميعاً أن نتصرف بطريقة عادلة حتى نواجه عواقبنا الشخصية، على سبيل المثال من السهل تبرير العديد من رغباتنا التي لم يتم الوفاء بها؛ للتبرع للجمعيات الخيرية وفشل الميول لمساعدة أحد الغرباء المحتاجين، من خلال إقناع أنفسنا بأننا لا نستطيع أن نفعل ذلك في الوقت الحالي.

نفاقنا يساعدنا هذا أمر مؤكد، لكننا نستخدمه أيضاً في علاقاتنا، وفي كثير من الأحيان، عندما نقيّم عدالة أو أخلاقية تصرفات الأشخاص الآخرين؛ نحكم عليهم بقسوة أكبر من الحكم على أنفسنا لتنفيذ نفس التصرفات! وفي تقرير عام 2007 حكم المشاركون على مدى نزاهتهم، كذلك نزاهة الآخرين على مقياس من 1 (غير عادل للغاية) إلى 7 (عادل للغاية)؛ سجل الأشخاص لأنفسهم 4 في المتوسط ولكنهم قيّموا نزاهة الآخرين عند 3 فقط في المتوسط! 
ومن المثير للاهتمام أن أحكامنا الصادرة على أشخاص آخرين؛ تميل إلى أن تكون أكثر تفضيلاً إذا كان هؤلاء الأشخاص يقعون ضمن دائرتنا الاجتماعية (حتى لو كانت مجموعة تتميز بخصائص عشوائية)، فغالباً ما نحكم على سوء سلوك أحد أعضاء هذه المجموعة ليكون عادلاً مثلنا، حيث يكون لدينا مستوى أكبر من كراهية السلوكيات السيئة للأشخاص الآخرين، عندما يقع هؤلاء الأشخاص خارج دائرتنا الاجتماعية التي رسمناها لأنفسنا.
 

كراهية النفاق الاجتماعي

لماذا يكون النفاق مقيتاً ونحب الكذب بينما نكره النفاق!؟
تحدثنا حول ما يبدو عليه النفاق وما الذي يحفزه، لكننا لم نتعامل مع السبب الذي يجعلنا نكرهه كثيراً! هناك تفسير واحد قوي يتعلق بالإنذار الخاطئ (الإشارة الزائفة)،حيث يستخدم المنافقون في الأساس طبقة مزدوجة من الخداع في أفعالهم غير الأخلاقية؛ واحدة بأن يقولوا ببساطة إنهم تصرفوا أخلاقياً عندما يفعلون العكس، وأخرى عندما يدينون سلوك لا أخلاقي ومنافق لشخص ما، فنحن نخفي سلوكنا السيئ من خلال حجاب الإقناع أو التلاعب، على الرغم أنه من الأسهل رؤية الكذب المباشر من إدانة المنافق.
 علاوة على ذلك يجلب المنافق شخصاً آخر إلى هذه اللعبة، بدلاً من استنكار فعلهم غير الأخلاقي، حيث يوحي المنافق بأنه شخص جيد بمحاولة تقييم أخلاق شخص آخر، وهذه "وصفة لكراهية النفاق" عندما تتصرف على أساسها.
وفي دراسة عام 2017 حول كيفية الحكم على الناس في قصص عن أنواع مختلفة من الكذابين والمنافقين؛ توصل الباحثون إلى أربعة نتائج:
- عندما يدين الشخص سلوك الآخرين ونحن لا نعرف شيئاً آخر عن ذلك الشخص، نعتقد عادة أن حكمه هذا ينبع من صلاحه الأخلاقي.
- إن إدانة السلوك السيئ هي إشارة أقوى؛ على الصلاح الأخلاقي عند الشخص المُدين.. من ادعاءاته حول كيفية تجنبه السلوك السيئ شخصياً.
- عندما يدين الشخص فعلاً غير أخلاقي يرتكبه هو نفسه (منافق)، نقوم بتصنيفه على أنه أسوأ بكثير من الشخص، الذي يقول إنه لا يرتكب هذا الفعل عندما يكون حقيقة يسلكه (كاذب).
- نحن نتعرف بشكل أفضل على المنافقين إذا اعترفوا في بعض الأحيان بالانخراط في السلوك السيئ، أكثر مما نتعرف عليهم؛ لو لم يقدموا مثل هذا الاعتراف.

بشكل عام تدعم هذه النتائج أن لدينا قدرة للتسامح مع الكذابين؛ أكبر مما لدينا لمسامحة المنافقين، على الرغم أن هؤلاء يشبهون نوعاً ما الكذابين مع بذل جهود إضافية لإخفاء سلوكهم السيئ، وفي نفس الوقت يرسل لنا (إشارات زائفة) حول تفوقه الأخلاقي، وهذه (الإنذارات الخاطئة) هي ما يدفعنا إلى ازدراء النفاق والمنافقين.
بينما إذا كان المنافق صادقاً بشأن نفاقه.. (إذا تخلص من الإشارات الرائفة حول سمو أخلاقه بالاعتراف بما تدينه)؛ فإن نظرتنا إليه يمكن أن تتغير للأفضل وبشكل ملحوظ! لكن من ذا الذي يعترف بالنفاق؟! ربما هذا درس يمكننا تعلمه.. فإذا كنا سنكذب، هذا سيء بما فيه الكفاية.. لذا لا تحاول أن تخدع الناس بالنفاق، وفي بعض الأحيان، من المقبول أن تكون شفاف حول عيوبك، حيث لا يوجد أحد مثالي، لكن النقد الذاتي الصادق والقدرة على الاعتراف عندما تفشل في الالتزام بمعاييرك الخاصة؛ قد يكون أساساً جيداً للنزاهة، فالمنافقون أشخاص فظيعون.. وأحياناً أنت وأنا أحدهم!
 

مسرح النفاق الاجتماعي!

وسائل التواصل الاجتماعي.. مسرح للنفاق
مرحباً بكم في مسرح النفاق... حيث تكون وسائل التواصل الاجتماعي هي مسرحنا، وجمهورنا هو فقط الأشخاص الذين يتفقون معنا، وويل لمن لا يتفق مع منشور قمت بنشره على حائطك في موقع فيسبوك، فالنفاق هو تلبية للاستمرار على نفس المسار بلا هوادة.. ربما شهدت مثل هذا الموقف شخصياً، في هذه الحالة من التنافر المعرفي، الذي يكون لدى شخص لا يدرك أن أفعاله تتناسق مع قيمه، لكن لماذا تفعل ذلك؟ لماذا يجد الكثيرون أنفسهم مضطرون للنفاق على مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الشكل؟ مثلاً: أحدهم يذرع الفيسبوك بمنشورات حول تأيده للزواج المدني؛ لكنه لن يتزوج في الحقيقة إلا بطريقة تقليدية، لأن مسرح النفاق الاجتماعي هذا.. يصنع المعجزات: 
- إنه يجعلنا نشعر بالرضا.. بأننا أفضل وأكثر ذكاءً وصدقاً، ومتفوقين أخلاقياً - بالمقارنة مع "هؤلاء" (أياً كانوا فهم ليس منّا).
- نحصل على مكافأة لممارسة الحق بإبداء الإعجابات والنقرات وغيرها من الأشياء، التي يصعب تمييزها عن التقدم أو النمو في الواقع الحقيقي.
- إنه يشوه هدفنا الحقيقي، ويضع في اعتبارنا أن التشهير بالأشخاص الآخرين السيئين هو "فعل خير".

فما هي الآثار التي يولدها النفاق الاجتماعي الافتراضي:
- نحصل على موافقة الأشخاص الذين يتفقون معنا بالفعل، على حساب الآخرين.
- من المقبول أن نفكر في شخص آخر، وأن نتجاهل قيمه في نفس الوقت، بل أن نرفضها تماماً.. "فنحن لا نحتاجهم".
- يبعدنا عن أهدافنا أو معرفة التصرفات التي يمكن أن تتماشى مع قيمنا، لأنها أكثر راحة وسهولة وأماناً؛ للإشارة فقط إلى ما يفعله الآخرون بطريقة خاطئة.
- هذا المسرح من النفاق موجود في كل مكان وطوال الوقت.. هنيئاً لنا!
 

النفاق والحيرة التي يولدها

التعامل مع الآثار التي يتركها النفاق في النفسية


يشعر معظمنا بالحرج عندما يقع في حالة عدم اتساق بينه وبين نفسه بسبب النفاق الاجتماعي، الذي نشرح من خلاله أنفسنا لإنقاذ القناع الذي رسمناه أمام المجتمع.. كقوة دفاعية تساعدنا على الشعور بالتحسن! وفقط لأن معظم الناس يتصرفون بطريقة ما، لا يعني أنه يجب علينا ذلك... في نفس الوقت لا يعني أنك لا يجب أن تنافق، فالحياة صعبة وتفعل الكثير من الأمور لعيش يومياتك، إذا انتقدت الآخرين لشيء تُدان به، فقد تدعي أن وضعك مختلف.. حتى وإن كان هو نفسه في الغالب، لكن يمكنك التعامل مع الآثار النفسية التي يتركها النفاق عليك من خلال الطرق التالية: 

تراجع عن سلوكك أو كلماتك المنافقة إذا كنت تستطيع ذلك: إذا قمت بإلقاء القمامة في الشارع وأنت عادة تنتقد هذا السلوك عند الآخرين، فارجع وخذها إلى صندوق القمامة، إذا انتقدت شخصاً لسلوك تفعله أو بسبب شيء لم يكن مذنباً به فعلياً، يمكنك التراجع عن النقد. 

الاعتراف بما فعلته والتعهد أن تفعل ما هو أفضل (بل والقيام بعمل أفضل): إذا أخفقت في اتباع قراراتك للسنة الجديدة في غضون أيام من بداية السنة؛ فذكّر نفسك أنه لا يزال هناك المزيد من الأشهر.

اعترف بأنه خطأ أو اعتذر: قد يكون الأصعب، لكن هناك ما قد يساعدك، مثل أن تكون "شخصاً صادقاً" للاعتراف عندما تكون مخطئاً.

العثور على وسيلة للمضي قدماً: سواء كنت تعترف علنا بأي شيء أو تتراجع عن نفاقك، فإن مشاعرك السلبية يمكن أن تستمر، لكن في هذه الأثناء يمكنك محاولة تشتيت انتباهك أو البحث عن طرق لتأكيد الذات، "فكر في نقاط قوتك أو تحدث مع أشخاص مثلك". 

الجميع يخطئ: هذا صحيح حتى إذا كان من غير المحتمل أن يكون الجميع قد فعلوا الشيء الذي تحاول فعله الآن! ولا يوجد أحد لا يتغير لكن قد يكون الكثير من الناس أقل قدرة على التغير للأفضل مثلك، فلا يجب أن يخجل المرء من أن يكون مخطئاً، وبكلمات أخرى أنك أكثر حكمة اليوم مما كنت عليه بالأمس.

في النهاية.. من الطبيعي أن تكون غير متوازن في الحياة المعقدة التي يعيشها معظمنا، فعلى الرغم من أن الاستجابات المتحيزة والنفاق أمر طبيعي، إلا أنه يمكننا محاولة الإقرار بالمسئولية عن أفعالنا وأقوالنا عندما نخطئ.