استفاق العالم صبيحة الثلاثاء الخامس من آذار/ مارس 2019 على خبر جديد غطى واجهات الكثير من المواقع الطبية والإعلامية العالمية، فقد أصدرت المجلة العملية العالمية (Nature) دراسة سريرية لحالة مريض من لندن يبدو أنه قد دخل في حالة من الهجوع المستقر للعدوى بفيروس النمط الأول من العوز المناعي البشري (HIV I) المسؤول الأول عن الوباء العالمي بالإيدز.
كما يزعم عدد من العلماء الذين تابعوا المريض أن الحقيقة أفضل مما نشر في التقرير حتى، إذ يتوقعون أن ’مريض لندن’ قد شفي تماماً من الفيروس الذي يصيب حوالي 37 مليون شخص حول العالم.
يأتي هذا الخبر بعد حوالي 12 سنة من تحقيق أول حالة شفاء مؤكدة للمرض، دعي المريض في الحالة الأولى باسم ’مريض برلين’، وحققت حالته نجاحاً مدهشاً حاول الأطباء والباحثون في مختلف المراكز العالمية تكراره دون جدوى إلى أن أتى النجاح الجديد المفاجئ مما يؤكد على وجود إمكانية لتوفير علاج شاف للإيدز، بالرغم من كون هذه الرحلة ما زالت في بدايتها حسب ما يقول الباحثون.
 


كيف تم علاج المريض؟ وهل يمكن تطبيق العلاج على جميع المرضى؟
تم الوصول إلى هاذين الإنجازين عن طريق تطبيق تقنية زرع نقي العظم (Bone Marrow Transplant) على الشخص المصاب، بالرغم من أن هدف استخدام التقنية كان علاج السرطان وليس العدوى بفيروس (HIV).
نقي العظم أو نخاع العظم (Bone Marrow) هو نسيج طري شبه سائل يوجد في مركز العظام ويلعب دور تركيب العناصر الدموية كافة من كريات الدم البيضاء والحمراء والصفيحات الدموية، أما عملية زرع نقي العظم فمن المستبعد أن يتم اعتمادها كإجراء علاجي نموذجي للإيدز بسبب الاختلاطات والتأثيرات الجانبية الخطيرة وطويلة الأمد الناتجة عنها، إضافة إلى توفر الأدوية الحديثة الكفيلة بالسيطرة على فيروس (HIV) حتى لو لم تحقق شفاء حقيقياً.
المميز في عملية زرع نقي العظم التي تعرض لها كل من مريض برلين ومريض لندن الجديد هي أن النمط الوراثي للنقي المزروع من المتبرع ذو نمط وراثي خاص فهو يحمل الطفرة المدعوة باسم (CCR5 delta 32) التي تشكل خلايا مناعية قادرة على مقاومة فيروس (HIV)، فقد بقيت حالة مريض لندن مستقرة ودخل في هجوع مستقر للمرض حتى بعد مضي 18 شهر على إيقاف الأدوية المضادة للفيروسات.
 

تعليق الباحثين على نتائج العلاج 
قال الباحث رافيندرا جوبتا (Ravindra Gupta) الكاتب الرئيسي للدراسة البحثية والبروفيسور في قسم الأمراض المعدية وعلم المناعة من جامعة لندن تعليقاً على نتائج الدراسة: «عبر تحقيق الهجوع المستقر في مريض ثانٍ باستخدام مقاربة علاجية، أثبتنا أن مريض برلين لم يكن حالة استثنائية في الحقيقة إنما كانت التقنية العلاجية هي ما قضى على فيروس HIV عند كل من المريضين».
أضاف جوبتا أن هذه الطريقة ليست عملية بالنسبة إلى جميع المرضى لكنها تفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة مثل المعالجة الوراثية على وجه الخصوص، وأضاف أنه وفريقه سوف يستمرون في مراقبة حالة مريض لندن لأن الوقت مبكر على إعلان كونه شفي بشكل كامل.
في كل عام يموت حوالي مليون شخص حول العالم بسبب متلازمة العوز المناعي المكتسب والاختلاطات الناتجة عن الإصابة بفيروس العوز المناعي البشري، أما علاج المرض فيحتاج إلى تناول أنواع خاصة من الأدوية التي تعمل على كبح هذه المجموعة من الفيروسات، تدعى هذه الأدوية باسم مضادات الفيروسات القهقرية (Anti Retroviral Medications) ويحتاج مريض (HIV) إلى تناول هذه الأدوية طوال حياته حتى يبقى المرض تحت السيطرة.
 

مريض آخر دخل في حالة الشفاء
مريض لندن الجديد هو رجل مقيم في المملكة المتحدة يفضل إبقاء هويته سرية في الوقت الحالي، تم تشخيص إصابته بفيروس العوز المناعي البشري عام 2003 وبدأ بتلقي العلاج الدوائي النوعي عام 2012، في وقت لاحق تم تشخيص إصابته بمرحلة متقدمة من الورم السرطاني المدعو باسم لمفوما هودجكن (Hodgkin’s Lymphoma)، وهو من سرطانات الدم التي يتضمن علاجها في كثير من الأحيان عملية زرع نقي العظم التي تلقاها عام 2016 ثم استمر مواظباً على العلاج الدوائي المضاد للفيروسات مدة 16 شهر تقريباً.
للتحقق من كون المريض شفي من المرض ودخل في حالة هجوع طويل الأمد، قام مريض لندن بإيقاف الدواء المضاد للفيروسات نهائياً، وهو الآن في حالة طبيعية بعد انقضاء 18 شهراً على إيقاف العلاج الدوائي وإجراء التحاليل المستمرة التي أكدت عدم وجود كميات قابلة للكشف من الفيروس في الدم.
وفي سياق متصل كان مريض برلين المدعو تيموثي براون مصاباً بفيروس (HIV) ويتلقى العلاج المضاد للفيروسات بشكل منتظم حتى أصيب بمرض سرطاني آخر يدعى باسم ابيضاض الدم النقوي الحاد أو اللوكيميا النقوية الحادة (Acute Myeloid Leukemia)، خضع براون لعمليتي زرع نقي العظم واعتبر بعدها سليماً من العدوى بفيروس (HIV I)، تم كشف آثار من الفيروس في دم براون بعد إيقاف العلاج المضاد للفيروسات بعدة سنوات لكنه ما زال يعتبر سليماً من الناحية الطبية لأن الكمية القليلة من الفيروس غير قادرة على التسبب بأي أعراض أو اختلاطات لديه.
خلال عقد من الزمن حاول العلماء في مختلف أنحاء العالم تكرار نجاح تجربة مريض برلين دون أي نجاح حقيقي مما دفع الكثيرين للاعتقاد أن هناك مشكلة ما في الطريقة وأن زرع نقي العظم لا يملك قيمة في علاج الإيدز حتى جاء مريض لندن الجديد ليثبت الارتباط بين الوسيلة العلاجية والنتيجة المرغوبة.
 

مستقبل علاج الإيدز في ظل النتائج الجديدة
الدكتورة شارون ليوين (Sharon Lewin) مديرة معهد الأمراض المعدية والمناعة وأستاذة الطب البشري في جامعة ملبورن وصفت الهجوع المستقر الذي وصل إليه مريض لندن بـ ’أمر مشوق’ وأضافت:

«بعد أكثر من 10 سنوات على أخبار مريض برلين، هذه الحالة الجديدة تثبت أن زرع نقي العظم من نمط وراثي محدد يمكن له أن يقضي على الباقي من الفيروس ويكبح الكمية القليلة الباقية عن عودة التكاثر والانتشار، هناك عاملان من المرجح أنهما يعملان سوية لإنجاح العلاج: نقي العظم الجديد مقاوم لفيروس HIV، إضافة إلى ذلك تنشيط نقي العظم المزروع للقضاء على الخلايا المصابة بالفيروس».

يقول الباحثون إن طريقة زرع نقي العظم ذي النمط الوراثي الخاص للقضاء على فيروس العوز المناعي البشري لا تعتبر وسيلة ناجحة تماماً أو آمنة أو مجدية من الناحية الاقتصادية، لذلك سوف يتم الاحتفاظ بها في الوقت الحالي لعلاج مرضى (HIV) الذين يحتاجون إلى زرع نقي العظم لأسباب أخرى خصوصاً سرطانات الدم بأشكالها المختلفة.

أما الجانب المشرق فقد عبر عنه الدكتور تيموثي هينريك (Timothy Henrich) من جامعة كاليفورنيا قائلاً: «في الواقع يوجد في الوقت الحالي العديد من الاستراتيجيات المطروحة، منها ما يرتبط ارتباطاً مباشراً بمريض برلين ويحتاج إلى عمليات زرع، مثل عمليات التعديل الوراثي على سبيل المثال، أنا شخص متفائل لأنني عالم، ولدي أمل بإيجاد علاج فعال وآمن وقابل للتطبيق على غالبية المرضى، لكن أمامنا الكثير من العمل لنقوم به».
 

وفي الختام.. نجد أن ما نشر اليوم هو خطوة هائلة في سبيل علاج مرض الإيدز الذي أرعب البشرية لعقود، لكن الوصول إلى هذا الهدف ليس سهلاً ومن المؤكد أنه يحتاج إلى كثير من الاجتهاد والإبداع.
 

ذات علاقة