يقوم ثلاثة من أصل أربعة من أولياء الأمور؛ بالصراخ على أطفالهم أو أبنائهم المراهقين بالمتوسط.. مرة واحدة في الشهر، لسوء تصرف الأبناء أو بسبب غضب الأهل، حيث يؤكد المعالجون وخبراء الأبوة والأمومة بشكل متزايد؛ مدى إيذاء الطفل من خلال الصراخ، كذلك كيفية إيقاف هذا السلوك، لأن الصراخ على الطفل لن يضره الآن فحسب، بل سينعكس هذا الأثر المدمّر على شخصيته كبالغ، بالإضافة إلى الخلل الذي سيصيبه عاطفياً في علاقاته، دعنا نتعرف على مخاطر الصراخ على الطفل، من خلال هذا المقال.


ذات صلة


الصراخ أم الضرب!

لماذا يكون للصراخ تأثير مؤذي على أطفالك؟
كل والدين تقريباً يفقدون السيطرة.. فيصرخون على الأطفال بين الحين والآخر، لكن ماذا لو كنت تفعل ذلك مراراً وتكراراً؟ حيث يشتبه الباحثون في مجال الأسرة وتربية الأبناء، (الذين سنتعرض لهم خلال هذا المقال)؛ في أن "الأهل باتوا يصرخون على الطفل أكثر من السابق"، فمن المشترط وفق التربية الحديثة أن يتجنب الآباء والأمهات الضرب، لذلك بات التنفيس عن غضبهم وإحباطهم بالصراخ هو البديل، مع ذلك فإن رفع صوتك ليس سيئاً دائماً، كما تقول مدربة الأبوة والأمومة أديل فابر (Adele Faber): "إن وصف المشكلة بصوت عالٍ، يمكن أن يلفت الانتباه إليها دون إيذاء أي شخص، على سبيل المثال: لقد قمتُ بتنظيف أرضية المطبخ والآن أصبحتْ مغطاة بآثار الوحل من حذائك"، لكن الصراخ يصبح ضاراً عندما يكون هجوماً شخصياً على الطفل، أو التقليل من شأنه أو إلقاء اللوم عليه؛ وفق فابر بقول عبارات مثل: "لماذا لا يمكنك تذكرها؟" أو "أنت دائما على خطأ في هذا!" 

يفقد العديد من أولياء الأمور السيطرة، لأنهم يتعاملون مع سوء سلوك الأطفال أو تمردهم بشكل شخصي، كما يعتقدون أن تصرفات الطفل تنعكس عليهم بشكل سيئ، فالآباء والأمهات الذين يرون أن عواطف الطفل السلبية غير متوقعة ومزعجة؛ يميلون إلى الشعور بالتهديد والإحباط مع كل فورة جديدة عند الطفل، هذا النمط الذي يُسمى (الفيضان العاطفي)؛ ينتج انهياراً تدريجياً في العلاقة، مما يعطل قدرة الوالدين على حل المشكلات، ويغذي ردود الفعل العاطفية مثل الصراخ.
يقول عالم النفس مينغ تي وانغ (Ming-Te Wang)، الباحث الرئيسي في دراسة أجريت على 976 مراهق ووالديه: "إن الانضباط اللفظي القاسي مثل: الصراخ أو الإهانات اللفظية.. مضرة للمراهق، الذي سيصبح أكثر عرضةً لمخاطر سلوكية ولأعراض الاكتئاب".
كذلك تقول الباحثة واختصاصية الصحة النفسية عند الطفل الدكتورة ستيفاني باريد (Stephanie Parade) التي قادت دراسة استمرت مدة 15 عاماً: "قد يكون للصراخ عواقب على الطفل  تتجاوز عواقب الضرب"، كما أكدت باريد: "أن الأطفال البالغين من العمر ثماني سنوات، والذين قام آباؤهم بتأديبهم من خلال الصراخ؛ كانت لديهم علاقات أقل إرضاءً في المستقبل مع الشركاء العاطفيين والأزواج في سن 23، فالآباء والأمهات الذين يصرخون، قد يفوتون فرصة لتعليم الطفل تنظيم عواطفه مستقبلاً". 

تأثير الصراخ على الطفل أسوء من تأثير الضرب
عند ضرب الطفل واستخدام وسائل الانضباط البدني معه؛ يتم تعويض الآثار السلبية، عندما يمتدح الآباء أطفالهم في أوقات أخرى، أو يحتضنون الطفل المعاقب ويعتذرون منه، إلا أن الآثار السلبية للصراخ لن تُمحى بممارستك الدفء الأبوي، بالتالي فإن الأساليب السلبية التي يتعلمها الأطفال لحل المشكلات؛ عندما يصيح آباؤهم؛ قد ترافقهم كبالغين، كما قد يتوقع الأطفال أيضاً، أن يعاملهم الآخرون بطريقة سلبية، ثم يختاروا دون وعي منهم.. الشركاء العاطفيين، الذين يحققون هذا التوقع.
تقول مدربة تربية الطفل جولي آن بارنهيل (Julie Ann Barnhill): "الصراخ هو المكان الذي يلحق فيه نسبة 90٪ منّا الضرر الأكبر بأبنائهم"، وتوضح بارنهيل: "اعتدت الصراخ مرة واحدة إلى ثلاث مرات في الأسبوع على أطفالي، عندما كانوا في سن ما قبل المدرسة، ثم حصلت على مشورة وتعلمت التحكم بغضبي وتأديب أطفالي بطرق أكثر هدوء وإيجابية وتقنيات اعلمها الآن للأهل"، مثلاً تعلّم أن تبدأ الجمل باستخدام: "أنا" بدلاً من "أنت"، كما يمكن أن تساعد كأحد الوالدين على الانتقال من هجوم غاضب مترافق بالصراخ.. إلى لحظة تعليم.. تضيف بارنهيل: "قل ما لا تحبه، ثم أضف ما تريد قوله أو تتوقعه من الطفل"، بالنتيجة سرعان ما يتعلم الطفل ويضبط سلوكه على توقعاتك إلى حد كبير.

هذا.. وينفجر العديد من الآباء والأمهات بالصراخ، لأن لديهم توقعات غير واقعية! بالمقابل.. عدم توقع أن يكون الأطفال مثاليين، يمكن أن يهدئ إحباط الأهل، بالتالي رؤية فشل الطفل كفرصة لتعليمه، بعد الانتظار لحظة هدوء بعد تصرف الطفل الذي أثار غضبك؛ تخبر طفلك عن السلوك الذي قام من خلاله بانتهاك قاعدة من قواعد المنزل، ثم امنح الطفل خياراً حول كيفية منع حدوث هذا السلوك مرة أخرى، كذلك دعه يقترح حلول يتعلم من خلالها.. مهارات لحل المشكلات.
 

ذات علاقة


الصراخ صفعة مؤذية

الصراخ على الطفل ضارٌ أكثر مما نعتقد
الصراخ طريقة غير فعّالة للتواصل مع أطفالك، لكني أعرف من خلال المحيطين بي بأن الصراخ على الطفل أمر لا مفرّ منه أحياناً، خاصة في بعض المواقف شديدة الخطورة مثل: لعب الطفل بموقد الغاز أو الفرن أو عندما يركض فجأة عبر الشارع؛ تقول الطبيبة النفسية إيفا لازار (Eva Lazar): "إن الصراخ مؤشر على أن الشخص البالغ يفقد السيطرة، كما يسير الصراخ جنباً إلى جنب مع الإدارة المعتدلة لدى البالغين، فعندما نكون غاضبين ونصرخ؛ نحن على استعداد لأن نقول ونعني أشياء قد نندم عليها، وقد يكون ذلك ضاراً جداً للطفل، وفي أكثر الأحيان عندما تصرخ.. يتعلق الأمر بقضايا التنظيم العاطفي لديك، أكثر مما لدى الطفل".

عندما تصرخ فأنت تغمر دماغ طفلك بعواطف مثل: القلق والخوف، بينما تنتهي تلك العواطف ومستويات التوتر مع لحظة التعلم، وتقول لازار: "كل ما يسمعه الطفل هو صوت عالٍ، لكنه لا يعالج المعلومات التي تحاول نقلها إليه"، وعلى الرغم من أن الآباء يشعرون في كثير من الأحيان أن الصراخ هو وسيلة لتأديب طفلهم، وينتهي به الأمر إلى فقدان الاحترام، عندما يكون هناك الكثير من الصراخ في الأسرة، تقول لازار: "الانضباط يتعلق بالتدريس، لكن طفلك لن يتعلم أي شيء إذا كنت تصرخ، لأنه لا يسمع الرسالة"، علاوة على ذلك، عندما يصرخ الأطفال على بعضهم البعض، وأنت تصرخ عليهم بدورك؛ ستحصل على نتائج عكسية، حيث تصبّ الزيت فوق النار! وتصعّد حالة الشجار المتوترة أصلاً.

وبالنسبة لبعض الأهل يكون الدافع للصراخ شعورهم بأن طفلهم لا يحترمهم، كما أن شعور الوالدين بالتعب أو الإرهاق بسبب مهني أو شخصي؛ يؤدي إلى استنزاف عاطفي، لذا يتعلق الأمر ببناء الوعي الذاتي، حتى تعرف ما الذي قد يفجّر غضبك وصراخك على الطفل، راجع مقالنا هذا لتتعرف على كيفية التحكم بدوافع الصراخ على أطفالك، وكيفية تأديب الطفل دون الصراخ عليه.
 

الصراخ يعكس شخصيتك 

يعبّر الصراخ على الطفل عما يحدث في حياة الوالدين
وجد بحث في إيرلندا عام 2009، أن نسبة 7% من أمهات الأطفال بعمر تسع سنوات، قالوا إنهن (لم يصرخوا أبداً) على أطفالهم، في حين أقرت نسبة 52% بأنهن (صرخن مراراً) ونسبة 17%، اعترفن أنهن يصرخن على أطفالهن بانتظام"، بالطبع تتشابه هذه النتيجة مع حالة عامة في معظم المجتمعات، وحيث يمكن أن يكون الصراخ استجابة مناسبة للمواقف الخطرة على الطفل، إلا أنه مقابل كل صرخة مثل "احترس- أو كن حذراً"، قد يكون هناك عشرات الصرخات التي يطلقها الوالدين تحمل معاني قاسية مثل: "لا" و "أسرعوا" و"تعال إلى هنا، الآن".. الخ، تقول خبيرة الأبوة والأمومة ومدربة مهارات الحياة؛ فال موللي (Val Mullally): "قد يعبرّ الصراخ على الطفل، عما يحدث في حياة الأهل؛ كرئيس عمل متنمر ويصرخ كثيراً أو مشاكل يومية، تدفع الوالدين لممارسة دور القوي المتسلط على الطفل، حيث من المرجح أن تصبح عادة عندما يحدث الكثير في حياة الوالدين، عندها يمكن أن يكون سوء السلوك المفترض للطفل؛ هو آخر محفز يدفع الوالدين إلى حافة الغضب من ثم الصراخ".

بطبيعة الحال.. نحن بحاجة إلى حملة توعية عامة حول رعاية الأطفال، ليعرف الأهل أن هناك طرق بديلة لممارسة الانضباط عند الحاجة وبدون الضرب ولا الصراخ، هذا الانضباط هو جزء من الأبوة والأمومة والرعاية ووضع الحدود والقواعد، التي على الطفل أن يلتزم بها في المنزل، ففي أيرلندا بعد سن قوانين تحضر ضرب الطفل بهدف التربية.. منذ عام 2015؛ إلا أن البحث المشار إليه أعلاه وجد أن نسبة 11% من الأمهات يقمن بصفع أطفالهن، ويتم ذلك مع الصبيان أكثر من الفتيات، وتتساءل المديرة التنفيذية لتحالف حقوق الطفل في إيرلندا منذ عام 2012؛ تانيا وارد (Tanya Ward): "عما سيجده بحث مماثل حول الأساليب التأديبية في المنزل"، وتقول وارد: "أعتقد أنه من المهم أن يحصل الوالدان على الدعم، الذي يحتاجونه ويفهمون تأثير الصراخ والاعتداء العاطفي على أطفالهم".

تقول فال مولي: "يمكن أن يأتي الصراخ من أفضل النوايا، حيث يريد الوالدان أن يكونوا آباء جيدين، لكنهم يعرفون أن الأطفال بحاجة لحدود، لكنهم لم يحصلوا على أي بدائل للضرب، ولكيفية فرض الانضباط بفعالية، كما أن الصراخ غير مفيد بل ضار أيضاً، وأعتقد أن صراخك على أي شخص سيخفض مستوى العلاقة بينكما مهما كانت قوية، وأنه أكثر ما يضرّه الصراخ هو احترام الطفل لذاته، وإحساسه بتقديره لشخصيته وما هو عليه فعلياً".

أخيراً.. إذا كنت تتوقع أن يكون أطفالك لطفاء وعطوفين ومحترمين؛ يجب أن تكون لطيفاً وعطوفاً ومحترماً معهم، لا تصفعهم بصوتك كلما غضبت، شاركنا برأيك.. على ما قرأت من خلال التعليقات.