ابني كثير التذمر والشكوى، طفلي لا يعجبه شيء، كيف أتخلص من تذمر طفلي الدائم، أشعر بالتوتر لأن ابني يشتكي باستمرار وهو كثير البكاء والتذمر؛ كثيراً ما يقول الأهل هذه العبارات وغيرها تعبيراً عن انزعاجهم وشعورهم بالتوتر من أطفالهم كثيري الشكوى والتذمر، وهم أحياناً لا يعرفون كيف يجب التصرف حيال هذه المشكلة ويشعرون بالعجز ونفاذ الصبر، فيقفون مكتوفي الأيدي مستسلمين للأمر الواقع.
في الحقيقة الأطفال بحسب طبيعتهم النفسية ودرجة وعيهم وخبرتهم في الحياة لا يملكون الكثير من الأدوات والطرق في الحصول على ما يريدون والتعبير عن مشاعرهم، ولهذا يلجؤون لوسائل مثل التذمر والشكوى والبكاء، ولكن في بعض الحالات قد يتحول الأمر لمشكلة فعلية وحقيقية تحتاج لعلاج، وهنا يجوز السؤال لماذا يتذمر الأطفال؟ وكيف يجب أن نتعامل مع الطفل المتذمر؟
 


ذات صلة


تعريف ومعنى مفهوم التذمر

يمكن القول أن التذمر هو شكل من أشكال الاحتجاج والرفض وتوجيه الانتقاد، يصاحبه سلوكيات مثل الشكوى المبالغ بها والبكاء تعبيراً عن حالة عدم قبول الواقع، وهو يشتمل على عدة مشاعر مثل الغضب والاستياء وعدم الرضا، وقد لا يكون التذمر دائماً واضحاً، خاصة عند الأطفال حيث يكون التذمر من شيء ما تعبيراً عن رفض شيء آخر.
 

ذات علاقة


صفات وسلوكيات الأطفال المتذمرين

لكل طفل صفاته الشخصية المختلفة التي تميزه عن غيره من الأطفال، ولكن هناك بعض الصفات العامة التي قد تكون إيجابية أو سلبية وتطغى على الصفات الشخصية الباقية للطفل، وتميزه بعدة خصائص يتشارك فيها مع الأطفال الذين لديهم الصفة العامة ذاتها، وبالحديث عن الأطفال المتذمرين يمكن ذكر بعض الخصائص التي يشتركون فيها ومنها:

- كثرة الشكوى والإلحاح: ربما هي الصفة الأكثر إزعاجاً في شخصية الطفل المتذمر وهي المظهر العام المعروف عن تصرفات هذا النوع من الأطفال، فتجده يشتكي دائماً وغير راضي عن كل شيء ويلح جداً في طلباته وشكاويه.

- البكاء بلا مبرر: وهي طريقة من قبل الطفل يعبّر من خلالها عن سخطه واستيائه، ومحاولة منه لاستجداء اهتمام وتعاطف الآخرين أو إزعاجهم في حال لم يحققوا له ما يريد، وهي من أكثر الصفات التي تزعج الآخرين في شخصية الطفل المتذمر.

- الغيرة وعلاقتها بتذمر الأطفال: وهي صفة من صفات التذمر ونتيجة له، فحين يشعر الطفل بالغيرة من اقتراب أحد من الأشياء التي يعتبرها ملكه مثل  ذويه أو ألعابه، أو دخول طفل حديث إلى العائلة، فتجد الطفل يلجأ للتذمر من كل شيء باستمرار وخاصة بما يتعلق بموضوع غيرته، وهو بهذا يحاول جذب الاهتمام والانتباه عن طريق تذمره.

- يتصف الطفل المتذمر بالعصبية وسرعة الغضب: فحتى عندما يكون الأمر بسيط ولا يستدعي الانزعاج، فإن الطفل المتذمر لا يرضخ للأمر الواقع بسهولة، ولهذا نلاحظ عند عدم تحقيق إحدى رغباته من قبل ذويه يستشيط غضباً بطريقة مبالغ فيها ودون مبرر يستحق ذلك، وهو في الحقيقة  لا يشعر بالغضب بشكل فعلي بقدر ما يحاول إظهار هذا الشعور في محاولة لإجبار الآخرين على قبول طلباته.

- الشخصية السلبية: دائماً ما تلاحظ أن طفلك المتذمر يعبر عن استيائه ورفضه لأي شيء، فهو يستاء من الذهاب إلى المدرسة ومن الخلود إلى النوم في مواعيده أو من طلبات ذويه، ولا يوفر فرصة ليعبر فيها عن استيائه وشعوره بالإحباط.

- توجيه الانتقاد الدائم لكل شيء: إلى درجة غير مقبولة يوجه الطفل المتذمر الانتقاد لكل شيء، فلا يعجبه الطعام الذي يقدم له، ولا تعجبه تصرفات الآخرين معه، وينتقد تصرفات ذويه وتوجيهاتهم وأوامرهم ونصائحهم وربما يحاول البحث عن مبررات منطقية لانتقاداته هذه.
 

أسباب التذمر عند الأطفال

سلوكيات التذمر عند الأطفال لا تأتي من فراغ، وإنما هي حاصل اجتماع مجموعة من الظروف والأسباب والعوامل التي تؤدي بالطفل لهذا السلوك، فالتذمر هو نتيجة، ومن العوامل التي عادة ما تنشأ عن تجمعها صفة التذمر عند الأطفال، يمكن أن نذكر:

- الشخصية الاعتمادية (الاتكالية): فالأطفال غالباً ما يعتمدون على ذويهم وبالأخص أمهاتهم في إنجاز أي شيء، مثل الطعام واللباس وحتى إنجاز بعض الأعمال المدرسية، وهم إذا لاحظوا أن ذويهم قد انشغلوا عنهم بأنفسهم أو بشيء آخر أو أن ذويهم يلقون عليهم بعض المسؤوليات، فهم يشعرون بالإحباط ويبدؤون بالتذمر والشكوى وكثرة الطلبات.

- الأنانية: حيث أن الأطفال عموماً يتصفون بالأنانية، فكل ما هو موجود يجب أن يكون ملكاً لهم ومن أجلهم، وعندما يلاحظون أن أحد ما يشاركهم ما يملكون أو يقوم بأشياء لا علاقة لهم فيها، فنجدهم يتذمرون ويرفضون الواقع، ويبحثون عن وسائل لجذب الاهتمام نحوهم. 

- المراهقة والتذمر: في مرحلة المراهقة ترتفع نسبة سلوكيات التذمر ورفض الواقع، فالطبيعة النفسية للمراهق تجعله يرغب برؤية كل الأشياء مثالية بحسب مفهومه ورأيه، ولهذا يلاحظ على المراهقين عموماً أنهم كثيرو الشكوى، وتوجيه الانتقاد لذويهم، وكثيراً ما ينعتونهم بالرجعية وأنهم لا يستطيعون فهمهم والشعور بهم.

- التذمر والتقليد: قد يكون تذمر الأطفال ناتج عن تقليده لسلوكيات نموذج في محيطهم مثل أخ أكبر سناً أو أحد الوالدين، فإذا كان الأب متذمراً لا يعجبه شيء فغالباً سوف ينقل هذه الصفة لأطفاله عبر التقليد والمحاكاة، فمن وجهة نظر الطفل فإن تقليده للكبار سوف يجعله يبدو كناضج ويكسبه احترام الآخرين.

- العلاقة بين الدلال والتذمر: الطفل المدلل معتاد على أن يحصل على ما يريد، وسعي الآخرين الدائم لإرضاء رغباته وتحقيق كل ما يطلبه، وهو لم يعتد على مواقف الإحباط أو خيبة الأمل، فنجده عندما يمر بهذه المواقف حتى ولو كان بدرجة بسيطة ينزعج بشدة ويتذمر تعبيراً عن احتجاجه واستيائه.

- الحرمان والتذمر: في كثير من الأحيان تتسبب ظروف الحياة الصعبة بعدم قدرة ذوي الطفل عن تلبية جميع احتياجاته وتحقيق رغباته، وهو حين يعقد مقارنة بسيطة بين وضعه هذا وأوضاع أطفال آخرين قد يكونون من نفس عائلته أو مدرسته، سوف يجد فارق كبير دون أن يدرك مبرر منطقي لذلك، وهذا سوف يشعره بالإحباط والنقص ويلجأ للتذمر والشكوى ورفض الواقع تعبيراً عن شعوره بالظلم وفي هذه الحالة يجدر الحذر من القسوة في كبت ما يحاول أن يعبر الطفل عنه فهو في كثير من الأحيان قد يكون محقاً في تذمره واحتجاجه.

- إثبات الوجود وفرض الرأي: الأطفال عموماً يرغبون برؤية الآخرين مهتمين بهم، وهم محور أي حديث أو لقاء، وهو في إطار رغبته هذه يحاول باستمرار لفت الانتباه نحوه عبر كل الوسائل المتاحة حتى ولو اضطر إلى اللجوء للتذمر والبكاء في سبيل تحقيق غايته.

- التخفيف من مشاعر القلق والتوتر: الشكوى والاحتجاج والتعبير عن المشاعر له فائدة في التنفيس وتخفيف الضغط الذي يشعر به الإنسان، والتذمر عند الطفل يعد من الطرق القليلة التي يجيد استخدامها ليتخلص مما لديه من مشاعر سلبية وضغوط وتوتر.
 

سلبيات صفة التذمر عند الطفل

عادةً ما تأخذ صفة التذمر معنى سلبي وغير مقبول، كون اتصاف الطفل بها يعود بنتائج سيئة عليه وعلى محيطه وذويه على وجه التحديد، فمن جهة يتسبب الطفل المتذمر بإزعاج الآخرين وشعورهم بالتوتر وعدم القدرة على التفاهم مع الطفل المتذمر، ومن جهة أخرى فالتذمر هو طريقة في التفاعل تنعكس سلباً على شخصية الطفل نفسه واستقراره العاطفي، ومن سلبيات التذمر مثلاً:

- إزعاج الآخرين: تذمر الأطفال باستمرار وعدم إيجاد طريقة لإرضائهم يسبب إزعاجاً للآخرين وبالأخص ذويه، فهو يجعلهم يشعرون بالتوتر جراء احتجاجه الدائم وطلباته الكثيرة التي يعجزون على إدراكها أو التخلص من تذمرهم هذا.

- حضور سلبي وغير مرغوب: حيث أن الطبيعية البشرية تنجذب عادة نحو الأشياء التي تشعر الشخص بالسعادة والتسلية والراحة، وما يتسبب فيه سلوك التذمر من إزعاج وتوتر يجعل صاحبه يبدو كشخص غير مرغوب بوجوده وغير مريح في التعامل معه.

- تنمية شخصية مهملة لدى الطفل: فالطفل المتذمر لا يضع قيمة للأشياء التي لا علاقة مباشرة لها به وبرغباته، فهو لا يهتم بمشاعر الآخرين ورغباتهم ولا يرى أن أحداً يشعر بالضيق مثله، فكل شيء يجب أن يكون في سبيل إرضائه.

- التأثير على الصفات الشخصية العامة وتنمية شخصية سلبية: فالتذمر الدائم يعود من حيث أثره السلبي على شخصية الطفل ذاته، وينمي لديه صفات سلوكية سيئة مثل سرعة الغضب والعناد والأنانية.
 

طرق التعامل مع الطفل المتذمر

في إطار العملية التربوية، والعمل على بناء شخصية مستقرة وجيدة تحمل صفات مقبولة لدى الطفل، يهتم الأهل كثيراً بإيجاد طريقة للتخلص من تذمر أطفالهم المبالغ به والتقليل من شكاويهم، دون كبت مشاعرهم وحاجتهم للتعبير عن رغباتهم، وهنا يمكن ذكر بعض الخطوات التي قد تساعد الأهل في هذه الغاية ومنها:

- عدم الرضوخ دائماً لرغبات الطفل المتذمر: يجب أن يعرف الطفل أن ليس كل ما يريده متاح، وأن كل من حوله لديهم رغباتهم ومشاعرهم ويجب عليه احترامها وتقديرها، وبالتالي ليس بالضرورة أن ننفذ دائماً كل ما يريد إلا إذا كانت رغبته حاجة فعلية له.

- علم طفلك مبادئ القناعة والصبر: فالطفل القنوع والصبور لا يلح على تنفيذ رغباته ويستطيع أن ينتظر ريثما تتاح الفرصة لذلك.

- دعه يجرب القيام ببعض المسؤوليات التي لا يعجبه أداؤك لها: فالطفل المتذمر ينتقد كل شيء كونه لم يجرب أن يكون المسؤول عنه، وإذا ما أحس بقدر من هذه المسؤولية سوف يفهم أكثر أن ليس كل شيء متوفر بسهولة وبالطريقة التي تعجبه.

- تنمية صفات حب التعاون والمشاركة عند الطفل: فمن شأن هذه الصفات أن تجعل شخصيته أكثر تقبلاً للآخرين وتعاوناً معهم ويخفف من حدة تذمره وشكاويه.

- عود طفلك على احترام مشاعر ورغبات الآخرين: فلا يتصرف بأنانية ولا يتذمر من عدم تحقيق رغباته إذا لم يقم هو بواجباته تجاه الآخرين.

- لا تهمل طفلك دعه يعّبر عن مشاعره ولكن دون المبالغة: ففي بعض الأحيان تعد الشكاوي والتذمر من الواقع أشياء ضرورية ليتاح للطفل التنفيس عن مشاعره وتخفيف توتره.

التذمر وكثرة الشكوى وعدم الرضا، سلوكيات سلبية ومزعجة وتثير مشاعر التوتر والانزعاج سواء لدى الطفل المتذمر ذاته أو في محيطه، ولا يتوقف أثرها على الإزعاج بل قد تنعكس على شخصية الطفل وطبيعته النفسية إذا ما خرجت عن حدود الطبيعي والمألوف، ولكنها من جهة أخرى قد تكون ضرورية بحدود معينة لتنفيس الضغوط النفسية عن الطفل والتعبير عن مشاعره، ولهذا لا يجوز كبتها نهائياً، وفي هذا المقال حاولنا توضيح المفهوم العام لسلوك التذمر والبحث في أسبابه وأشكاله والإضاءة على الطرق الأفضل للتعامل مع الطفل المتذمر.