إن تقنية مكافأة الطفل على سلوك جيد؛ قديمة قدم علم النفس التربوي، فأنت تعطي الحلوة التي يحبها طفلك إذا تناول العشاء، وتعطيه ساعة إضافية في مشاهدة الرسوم المتحركة، إذا وافق على الذهاب إلى طبيب الأسنان من دون اعتراض وسجال وصراخ، وغيرها من السلوكيات التي تتوقعها من الطفل والمرتبطة بنظام التحفيز عبر المكافآت، لكن كيف يمكن أن تحفز الطفل وتعمل على تشجيعه بدلاً من المكافأة المادية؟



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- مخاطر مكافأة الطفل
2- شجع ولا تكافئ الطفل
3- تقنيات تشجيع الطفل 
4- مراجع ومصادر


مخاطر مكافأة الطفل

كيف يمكن أن تقلل  المكافآت من تحفيز الطفل؟
هناك مخاطر محتملة بسبب نظام مكافأة الطفل، في النهاية إذا اعتاد الطفل عليها فإنه قد يرد عليك إذا طلبت منه شيئاً بقول: "ماذا تعطيني مقابل ذلك" أو "ماذا سأستفيد إذا فعلت ذلك؟" تقول عالمة النفس الدكتورة فانيسا لوبو (Vanessa LoBue): "تقديم مكافآت جسدية، أو ما يسميه علماء النفس الدافع الخارجي لفعل شيء ما، يقوض تطور أي دافع داخلي أو جوهري لفعل الشيء نفسه، بمعنى آخر.. إذا تمت مكافأة الطفل على أدائه الجيد في المدرسة مثلاً، قد يكون الدافع وراء التعلّم مبنياً بالكامل على تلقي المكافآت، وليس فيه أي تقدير للمعرفة"[1].

من أبرز الدراسات الكلاسيكية حول ذلك[2]؛ طلب الباحثون في المختبر من عينة طلاب جامعيين على قسمين حل لغز، قالوا لأول قسم أن حلّ اللغز سيكون مدفوعاً، أما القسم الثاني من الطلاب لم يعلموا بموضوع الأجر مقال حلّ اللغز، وتُرك طلاب الكلية للقيام بكل ما يريدون، كان لديهم خيار الاستمرار في العمل على اللغز أو القيام بشيء آخر... فبرأيك.. أية مجموعة تعتقد أنها عملت على اللغز لفترة أطول؟ إنهم الطلاب الذين لم يتم وعدهم بالأجر والمكافأة على العمل لحل اللغز، وظلوا يعملون طواعية على الحل، وخلص الباحثون إلى أن "دفع الطلاب من خلال مكافأة مادية خارجية لعملهم؛ قلل من دوافعهم الذاتية للقيام بالمهمة المطلوبة".

وهذه التجربة تمت أيضاً على الأطفال في سن ما قبل المدرسة[3]، حيث  قدم الباحثون نشاط رسم ممتع وتم السماح للأطفال باللعب بمجموعة من الصور واللاصقات الجذابة، ثم طُلب من مجموعة واحدة من الأطفال اللعب من أجل الحصول على امتياز بختم امتياز وشريط مزين عليه، وفي مجموعتين أخريين.. لم يحصل الأطفال على أي مكافأة، أو حصلوا على المكافأة كمفاجأة بعد انتهاء اللعب، لكن لم يتم إخبارهم مسبقاً أنهم سيحصلون على أي شيء؛ النتيجة.. كان الأطفال الذين توقعوا الحصول على مكافأة بعد اللعب أقل اهتماماً باللعب في حد ذاته، في حين أن الاهتمام باللعب ظل ثابتاً وجوهريا بالنسبة للأطفال في المجموعتين الأخريين.
تقول الدكتورة فانيسا لوبو: "على الرغم من أن هذه الدراسات عمرها الآن عقوداً، فقد صمدت ككلاسيكيات بمرور الوقت، وفي تحليل لأكثر من 100 دراسة مثيلة؛ وجد الباحثون باستمرار أن المكافآت تقوض الدوافع الجوهرية لمجموعة متنوعة من المهام، فالعديد منها مثيرة للاهتمام وعادة ما تكون ممتعة، لكن هذا لا يعني أن المكافآت يجب ألا تستخدم أبداً مع الأطفال.. بدلاً من ذلك يجب استخدامها فقط بشكل استراتيجي، إذا كنت تحاول تعليم الأطفال شيئاً مهماً، فأنت تريدهم أن يستفيدوا منه طوال العمر.. فربما تكون المكافآت فكرة سيئة"، ومنح الأطفال مكافآت لقيامهم بعمل جيد في المدرسة فقط؛ يعزز الدافع الخارجي للتعلم ويعيق الحماس لقيمته الأصلية في نمو الشخص.


شجع ولا تكافئ الطفل

كيف تعمل على تشجيع جهود الطفل من خلال المكافأة؟
سنتابع في أهمية تحفيز الرغبة بالتعلّم لدى الطفل بعيداً عن المكافآت، لأن بقية المهام اليومية التي تكافئ الطفل عليها (كترتيب السرير، والمساعدة في إعداد الطاولة وتنظيف المنزل... الخ) لن يكون من الخطر مكافأته للقيام بها وإتمامها؛ فمن منّا جميعاً لا يحب مكافأة نفسه على أداء بعض الأعمال الروتينية اليومية؟!
لا يقتصر الأمر على الدفع مقابل حصول الطفل على علامات جيدة عندما يحسّن أداءه في المدرسة، بل تنقل لهم المكافأة في كثير من الأحيان؛ مبدأ وجوب تعويضهم بشكل مباشر عن كسب أي درجات جيدة بدلاً من الشعور بالفخر لجهودهم التي بذلوها، بينما الدافع الجوهري للتعلم هو ما سيدعمهم مستقبلاً، لذا نقدم إليك استراتيجيات تساعد في تقليل تأثير المكافآت المادية على تحصيل الدرجات عند الطفل[4]:

- منح مكافآت غير نقدية: إذا حصل الطفل على علامات ممتازة في المدرسة، فيمكنك مكافأته على جهوده من خلال منحه شيئاً لا يتضمن المال، ما عليك سوى منحه وقتاً إضافياً لمتابعة الرسوم المتحركة التي يحبها خلال عطلة نهاية الأسبوع، أو على الأقل منحه بعض الوقت الإضافي لاستخدام الكمبيوتر اللوحي، أو مكافأته بنشاط مثل السماح له بزيارة صديقه، حيث تكلفك هذه الأنواع من المكافآت القليل، لكنها تشكل دفعاً كبيراً لطفلك؛ فقد تكون فرصة مشاهدة برنامجه التلفزيوني المفضل، أو متابعة مقاطع فيديو (YouTube) لوقت إضافي، بمثابة مكافأة كبيرة.. لذا حاول البحث عن كل المكافآت غير المالية، التي ستثير اهتمامات طفلك، واستخدمها بدلاً من النقود.

- مكافأة الجهود، لا النتائج: توقف عن تركيز مكافآتك للطفل على أساس درجاته الممتازة، بدلاً من ذلك كافئه على جهوده التي يبذلها لأداء واجباته المنزلية والدراسية، ويمكن أن تنظم نوعاً من المكافأة لكل نصف ساعة يقضيها الطفل في الدراسة أو أداء الواجب المنزلي؛ بأنواع من المكافآت غير النقدية التي ذكرناها أعلاه، مثلاً... ربما وضعت قاعدة لمشاهدة التلفاز مدة ساعة واحدة خلال اليوم، لكن لكل 30 دقيقة يقضيها الطفل من دون تشتت في الدراسة؛ يمكنه كسب 15 دقيقة إضافية أمام شاشة التلفاز، ربما سيبذل الطفل جهداً إضافياً في الدراسة مقابل أن يحظى بوقت أطول لمتابعة الرسوم المتحركة!

- الثناء العميق لجهود الطفل: امدح طفلك بقول كلام واضح وهادف وواضح إذا حصل على علامات جيدة، لكن عليك تركيز المديح والتشجيع على الجهد الذي بذله طفلك في الصف؛ ذكّره بالوقت الذي قضاه في دراسة أشياء جديدة أو تعلمها وكيف استفاد منها لتحقيق النتيجة الجيدة، بمعنى آخر قم ببناء إحساسه بالإنجاز، الذي حققه من خلاله الدرجة العالية بدلاً من مكافأته بشكل مباشر على هذه النتيجة، فيبني الطفل تلك المشاعر الجيدة، التي أتت من العمل الشاق الذي حقق تحصيله من الدرجات.

- تحدث عن إنجازات الطفل للآخرين بطريقة تمدح جهوده: أخبر الأشخاص الذين يشكلون جزءاً من حياتك عن إنجازات طفلك، لكن ركز على عمله وجهده الدؤوب فيما حققه، لا تنسب النتيجة لتربيتك الخارقة العظيمة! بل ركز على جهود الطفل... والدور الوحيد الذي يجب أن تلعبه، هو أنك فخور به جداً، وكل شيء آخر يجب أن يتمحور حول عمله الشاق وتفانيه وشخصيته هو.

- استخدام النتائج المدرسية لمنح المزيد من الاستقلالية للطفل: هل تفكر في تحديد وقت نوم الطفل؟ وفرض قيود وقت أقل على استخدام الكمبيوتر اللوحي؟. إذا استخدم نتائجه الأكاديمية كجزء من المبررات لمنح الطفل خيارات أوسع فيما تتوقع منه.


تقنيات تشجيع الطفل

تقنيات تحفيز وتشجع الطفل 
أنت بحاجة لتحفيز طفلك للقيام بمهامه في المنزل والمدرسة، لأن المبالغة في حماية الطفل؛ لن تجدي نفعاً في تعليمه المهارات الضرورية من الاعتماد على الذات وتحمل المسؤوليات والجرأة والثقة بالنفس والدهاء.... الخ، حيث يمكنك تحفيز الطفل من خلال:

- الوعد بالمكافأة: وهو أيضاً تهديد بالعقاب! فاستخدام نظام المكافأة يعمل على تحفيز السلوك الأفضل عند الطفل، لكن كن حذراً من مخاطر المكافآت المادية، واستخدم النماذج التي تركز على جهود الطفل وليس النتيجة، كذلك يجب أن تركز المكافآت غير المادية على تنمية الدافع الجوهري لقيام الطفل بمهمة ما.

- تنمية الدافع الذاتي من أجل العمل وليس بهدف المكافأة: قد تزيد المكافآت من الدوافع لكنها من النوع الخطأ.. لأنها دوافع خارجية وغريبة عما نحمله في داخلنا للعمل على مهمة ما، من ثم أن هذه الدوافع تستمر فقط عندما تكون المكافأة معروضة، والمزيد من هذا النوع من الدوافع الخاطئة لا يساعد الطفل على المدى الطويل.

- لبناء الدافع الذاتي اكتشف ما الذي يعترضه: وما هي التحديات الداخلية التي يتعرض لها الطفل، بالتالي تمنعه من الذهاب إلى المدرسة مثلاً بدون مكافأة؟ فالمكافآت لن تجعل الذهاب إلى المدرسة ممتعاً، أنها ببساطة تحول التركيز من المهمة إلى المكافأة! لذا فأنت بحاجة للتركيز على الدوافع الداخلية، والمشكلة التي تمنع طفلك من أداء مهمة ما.. دون مكافأة.

- شجع طفلك وحفز لديه الدوافع الذاتية للقيام بأي مهمة: وعندما تخلق ظروفاً لتكون دوافع الطفل ذاتية ومستقلة، لن تحتاج بعد اليوم لمكافأة الصغير مرة أخرى، إلا إذا كانت المكافأة ضمن نظام مفاجآت؛ تكرم الطفل من خلالها على جهوده.

في النهاية.. من المهم استخدام المكافآت بشكل استراتيجي، وتوخي الحذر حتى لا تضطر لإغراق الأطفال بالهدايا؛ على كل الأشياء التي قد يتعلمون أنها ذات قيمة جوهرية، شاركنا رأيك على موضوع المقال من خلال التعليقات.


مراجع ومصادر:

[1] مقال عالمة النفس الدكتورة فانيسا لوبو Vanessa LoBue. تحفيز الطفل من دون مكافأة، منشور على موقع Psychology Today، تمت المراجعة في: 26/05/2019
[2] دراسة. أثر المكافآت على الدافع الحقيقي للتعلّم، منشور على موقع Research Gate تمت المراجعة في: 26/05/2019
[3] دراسة.ضعضعة الاهتمام الفطري للأطفال بالمكافآت الخارجية، منشور على موقع American Psychological Association، تمت المراجعة في: 26/05/2019
[4] مقال الكاتب في الشؤون المالية ترينت هام Trent Hamm. منشور على موقع Us News، تمت المراجعة في: 27/05/2019

ذات علاقة