في إطار عملية تلقين الثقافة بمكوناتها المختلفة من أخلاق ومبادئ ونماذج سلوكية مطلوبة وقيم وعادات وتقاليد التي يمارسها مجتمع الكبار على صغارهم، يتشكل لديهم منظومة معيارية لقياس أفعال الجميع وتحديد ما إذا كانت صحيحة مقبولة أو خاطئة مرفوضة، وهنا تظهر فكرة الاعتذار عن الخطأ كخطوة أولى في تصحيح المسار الذي شذّ عنه المخطئ، وتطور هذا المفهوم حتى أصبح يمارس بطرق متعددة وله أشكال مختلفة ومعاني متنوعة، فنشأ عنه مثلاً مشاعر الأسف  الذنب عندما يدرك الشخص المخطئ مدى تأثير ونتائج أفعاله غير المقبولة والأذى والضرر التي تسببت في حصوله، وبالحديث عن الأطفال فإن هذا المفهوم يأخذ أشكال خاصة وأساليب خاصة وقد ينتج عنها مشاكل خاصة. 


ذات صلة


الفرق بين الاعتذار ومشاعر الذنب

بينما يمثل سلوك الاعتذار ردة الفعل الواعية التي يعترف من خلالها الطفل بذنبه ويحاول تصحيح الخطأ الناتج عن هذا الذنب ويطلب الصفح والعفو من خلاله، تمثل مشاعر الذنب الإحساس الداخلي الذي ينشأ عند تقدير الخسائر والأَضرار الناجمة عن هذا الذنب، مثل التسبب في أذى جسدي لأحد الزملاء أو خسارة كبيرة في المنزل، ويمكن القول أن مشاعر الذنب عند الأطفال تمثل أحد أوجه تأنيب الضمير لديهم.
 

ذات علاقة


أساليب الاعتذار عند الطفل

على غرار الكبار فللأطفال غايات يرجون تحقيقها من خلال قيامهم بسلوك الاعتذار، وهذه الغايات تعد مختلفة بالرجوع إلى نوع الخطأ الذي اقترفوه، ولهذا السبب تختلف طرقهم في هذا الاعتذار وتتنوع في أشكالها وأساليبها، فالأطفال لا يعتذرون عن كل الأخطاء بنفس الطريقة، ومن أشكال أو أسليب الاعتذار الشائعة: 

- تقديم الأعذار والمبررات: وفي هذه الحالة يكون الطفل غير مقتنع تماماً بخطئه وبأن تصرفه غير مقبول، أو ربما يكون الطفل صاحب شخصية معينة لا تعترف بالخطأ بسهولة، فيلجأ إلى تقديم الحجج والأعذار التي تبرر سلوكه واقناع الآخرين أنه الأمر كان خارج عن إرادته.

- الاعتراف بالخطأ وطلب الصفح: أما في هذا النوع فيكون الطفل مقتنع تماماً بأنه مخطئ وهو يقوم بمحاولة لاسترضاء الآخرين سواء ممن وقع عليه خطؤه أو من القائمين على تربيتهم، فيلجأ للاعتذار وأنه لن يكرر هذه الفعلة ثانية ونجده يقطع الوعود بهذا، ويكرر عبارات الأسف، والتماس العفو.

- البحث عن حلول والتقليل من حجم المشكلة: وهي محاولة من الطفل ليبدو كشخص ايجابي يحاول تصحيح مسار خطأه والتقليل من النتائج الضارة لأفعاله، كأن يحاول إصلاح الفوضى التي تسبب فيها في المنزل أثناء لعبه، أو إعطاء لعبته لشقيقه الأصغر الذي تسبب في تخريب ألعابه.

- التعويض عن الخطأ: ففي بعض الحالات يحاول الطفل صرف نظر الآخرين عن نتائج أخطائه بهدف التقليل من العقوبة التي سوف تقع عليه أو تحاشي التوبيخ، فمثلاً تجد الطفل يحاول ترتيب المنزل لوالدته ومساعدتها في أعمالها عندما يكون قد حصل على نتائج ومعدلات ضعيفة في امتحاناته واختباراته المدرسية.
 

أسباب شعور الأطفال بالذنب

في اللحظة التي يقوم بها الطفل بفعل ما يعتبر خاطئ، فهو يكون يهدف لتحقيق غاية معينة من هذا الفعل مثل التجربة أو اللعب أو حتى الاكتشاف، وفي كثير من الأحيان ما تحصل الأخطاء دون قصد أو سوء نية من قبل لطفل، ولكن عندما يرى النتائج والأضرار التي سببها سلوكه، ويفكر بردة فعل الآخرين تجاه هذه النتائج، يتولد لديه الشعور بالذنب والأسف، وبالتالي يقوم بالاعتذار، ومن الأسباب الرئيسة لمشاعر الذنب عند الأطفال:

- اقتراف الأخطاء والندم: فشعور الندم عادة ما يصاحب الأخطاء التي من الصعب على الطفل تصحيحها، مثل كسر شيء ما أو التسبب بالأذى لأحد الأشخاص أو الأقران، وهنا لا يعرف ماذا يجب أن يفعل فيشعر بالندم ويتمنى لو أنه لم يقوم بهذا السلوك ولم يتسبب هذا الأذى، فيشعر بالذنب.

- الشعور بالخطر والخوف: وهذا الشعور ينشأ عندما يفكر الطفل بعواقب ما تسبب به من أخطاء، مثل توبيخ الوالدين أو المعلم أو العقوبات بأشكالها المختلفة، أو أنه وقع في موقف مخيف كأن يضيع أهله في الشارع، فيشعر أنه خائف، وبالتالي يشعر بالذنب الذي اقترفه وأدى به إلى هذا الموقف المخيف.

- التعرض للتوبيخ: فكثيراً ما يلجأ الأهل للمبالغة في توبيخ أطفالهم وكأن كل ما يقومون به يعتبر خطأ، وهذه المبالغة تنمي مشاعر الذنب عند الطفل في المستقبل حتى دون أن يرتكب الأخطاء وذلك خوفاً من مواقف العقوبات والتوبيخ، كحالة الطفل الذي يبكي عندما يشاهد أن والديه يوبخون شقيقه المذنب ويوجهون له العقوبة.

- التماس الأعذار والعفو: وهي غاية ينشدها الطفل بعد قيامه بالأخطاء، فيلجأ إلى الاعتذار وإبداء الأسف كتعبير منه عن شعوره بالندم على أفعاله وأنه لن يكررها مرة أخرى [1]، وبالتالي يحصل على العفو المنشود وفرصة جديدة لإبداء استجابات سلوكية أفضل. 

- استجداء التعاطف والمساعدة: وهي غالباً تحدث في الحالات التي يعود فيها أثر خطأ الطفل على نفسه أو ممتلكاته وأشيائه الخاصة، كحالة الطفل الذي خرب أدواته المدرسية من دفاتر وأقلام، ويظن أنه سوف يتعرض لتوبيخ من المعلمة في المدرسة فيلجأ للاعتذار من ذويه، بهدف الحصول على المساعدة بشراء أغراض جديدة له وإنقاذه من هذا الموقف.
 

آثار مشاعر الذنب على الطفل

عندما تزيد مشاعر الذنب والأسف عند الأطفال عن حدها الطبيعي، تتحول من قيمة جيدة تهدف لتصحيح الأخطاء إلى مشكلة تعيق التفكير والتوازن النفسي، ومن هنا يجدر التعرف على الآثار التي قد تنجم عن شعور الطفل بالذنب والأسف كما وتبدو ضرورة التخفيف من حدة هذه المشاعر لدى الأطفال، وإبقائها عند الحدود الفعلية للخطأ الذي ارتكبه الطفل، حتى نتوصل إلى الغاية التي تهدف إلى التقليل من أخطاء الأطفال ومحاولة تصحيحها من جهة، دون أن يعود عليه هذا بآثار نفسية سيئة.

- آثار مشاعر الذنب على المستوى النفسي: قد يكون لشعور الطفل بالذنب والأسف ووجوب عليه الاعتذار وإصلاح أخطائه ضرورة في تنمية شخصية جيدة وحسنة السلوك لديه، ولكن من ناحية أخرى وإذا ما زادت هذه المشاعر عن الحدود الطبيعية فقد تؤدي لنشوء مشاعر النقص والاكتئاب وجلد الذات عند الأطفال، وهذا سوف يعيق نموه وتوازنه النفسي[2].

- على المستوى الاجتماعي: وهنا أيضاً سوف تأخذ هذه المشاعر بعدين، فالأول سوف ينعكس على حضور الطفل ومدى قبوله الاجتماعي ونظرة الآخرين نحوه فهو قليل الأخطاء ولا يزعج أحد بتصرفاته ويعتذر عندما يقترف ذنب، ولكن من ناحية أخرى فإن هذه المشاعر أيضاً سوف تسبب له صعوبات في التواصل مع الآخرين إذا ما كانت مبالغ فيها، فهو يحسب كل كلمة يقولها وحساس تجاه أي تفاعل مع الآخرين وحذر جداً من تصرفاته أمامهم. 

- علاقته في بناء الشخصية: فقد ينتج عن مشاعر الذنب المبالغ فيها عدة اضطرابات في شخصية الطفل، حيث أنه لن يعرف الطريقة الأفضل التي سوف يقدم فيها نفسه للآخرين وسوف يكون ضعيف في حضوره، ويكثر من لوم ذاته وعدم الثقة بأفعاله خوفاً من أن تكون خاطئة.
 

التعامل مع مشاعر الذنب عند الطفل

- عدم المبالغ في توبيخ الطفل وذكر أخطائه: أنه طفل ولا يملك الخبرة التي لدينا كناضجين وهو يمارس حياته الطبيعية من خلال قدراته المتاحة، كاللعب والاكتشاف والتجريب، ومن الطبيعي أن يمر خلال هذا بالعديد من الأخطاء، وبالتالي من الخطأ المبالغة في معاقبته وتوبيخه على كل شيء وإشعاره أنه مذنب دائماً.

- زيادة ثقة الطفل بنفسه: عندما يرى الطفل أنه مخطئ دائماً وهو لا يستطيع تقدير الأمور أو القيام بالأشياء بشكلها الصحيح، سوف تنشأ لديه مشاعر الفشل وقلة الثقة بالنفس، وبدلاً من هذا يجب تشجيعه على تكرار المحاولة حتى ينجح في غايته، وأن الخطأ أمر طبيعي طالما أنه سوف يتعلم منه ويكون خبرات جديدة.

- التعامل بوعي واستيعاب أخطاء الأطفال: يجب أن نشرح للطفل أن الجميع معرض لارتكاب الأخطاء وأن الحياة لا تتوقف عند حدث أو خطأ معين يحدث معنا، ولكن المهم بالأمر هو معرفة هذا الخطأ والاعتراف به ومحاولة تصحيحه طالما بالإمكان ذلك، والتعلم منه حتى لا يتكرر في المرات القادمة.
 

علاقة مشاعر الأسف بالتربية

لتحقيق الأهداف التربوية الأفضل بالشكل الأكثر نجاحاً، نحن بحاجة لاستغلال كل ما يتعلق بحياة الطفل من خصائص وأفكار وطبيعية نفسية، والأهم من ذلك المشاعر، فالشعور بالأسف وسلوك الاعتذار عند الأطفال يمكن تحويله لتقنية تربوية يمكن أن نعلم من خلالها الطفل ما لا ينساه، وذلك عبر بعض الخطوات ومنها:

- تحفيز الطفل على التعهد بعدم التكرار: فبدلاً من تأنيب الطفل وتوبيخه على ذنب قد اقترفه دون النظر في أسبابه وظروفه، بطريقة قد لا تضمن بالضرورة عدم تكراره لهذا السلوك خاصة إن كان قد فعله دون قصد، وهنا من الأجدى أن نشعر الطفل بالمسؤولية عن خطأه[3] والعفو عنه إذا ما تعهد بعدم تكرار هذا الخطأ، وبهذا الأسلوب يرى الطفل أن من حوله يثقون به وينتظرون منه استجابات أفضل وهذا سيحفزه على أن يكن مستحق لهذه الثقة.

- تعليم الطفل أن عليه إيجاد الحلول لمشاكله: لا يكفي أن يعتذر الطفل كلما أخطئ وينتهي الأمر عند حدود اعتذاره، فالهدف من الأسف هو تصيح الأخطاء، ولهذا فمن الأفضل أن يتعلم الطفل كيف يجد الحلول للأخطاء التي ارتكبها ويفعل كل ما بوسعه قبل أن يلجأ للاستسلام للاعتذار واستجداء العفو، وبهذا نشجع الطفل على عدم الاستسلام للأمر الواقع.

- تعليم الطفل الشعور بقيمة الأخطاء: فعندما يعتذر الطفل ويشعر بذنبه يكون مستعد نفسياً أكثر لفهم لما يعتبر هذا التصرف أو ذلك خطأ، وهنا يصبح التوجيه أكثر نفعاً وشرح النتائج المترتبة جراء فعلته أو سلوكه.

تعليم الطفل فكرة الاعتذار عن الخطأ الذي ارتكبه هو ضرورة تربوية وأخلاقية لا بد منها، تمارس دوراً في تحقيق شخصية جيدة مقبولة من قبل المجتمع متصالحة مع ذاتها، بالإضافة لأن الطفل من خلالها يتعلم تقدير عواقب الأمور ونتائجها فيصبح أكثر حذراً في تصرفاته وأفعاله، ولكن عندما تزيد مشاعر الأسف والذنب عن حدها تتحول لمشكلة نفسية تعيق اتزانه النفسي والعاطفي وبالتالي توافقه مع محيطه الاجتماعي، ولذا يجب تحقيق التوازن لدى الطفل، بين حجم أخطائه وبين درجة شعوره بالذنب والأسف، فلا يتصرف بلامبالاة مع أخطائه من جهة ولا يبالغ في مشاعر الذنب تجاه أفعال ربما لا يكون المسبب الرئيسي لها.
 

المصادر المراجع

[1] مقال بواسطة (Amelia Dress) حول تعليم الطفل كيف يعتذر ويعني اعتذاره وليس مجرد انصياع لرغبات الكبار، منشور على موقع (Parents.COM). تمت مراجعته بتاريخ 18/6/2019.
[2] مقال الباحثة Lauren Dimaria حول مشاعر الذنب عند الاطفال وشعورهم بالاكتئاب  منشور على موقع (Verywel mind.COM). تمت مراجعته بتاريخ 18/6/2019.
[3] مقال بواسطة (RACHAEL RIFKIN) حول تعليم الطفل لماذا يجب ان يعتذر عند الخطأ بدلا من اجباره، منشور على موقع (Parent todays.COM). تمت مراجعته بتاريخ 18/6/2019.