من الطبيعي أن يعتمد الأطفال على ذويهم في تلبية احتياجاتهم والاهتمام بشؤونهم ولكن من الطبيعي أيضاً أن يتناقص هذا الاعتماد مع تقدم الطفل بالعمر لصالح اعتماده على نفسه بدءً من طعامه وشرابه مروراً بحفاظه على صحته ونظافته ثم الاهتمام بشؤونه ووظائفه مثل دراسته وواجباته حتى يصل في النهاية لمرحلة يصبح فيها لا يعتمد على نفسه فقط بل أيضاً يوجد من يعتمد عليه ومن واجبه العناية به.
 لكن عندما لا يجري الأمر وفقاً لهذا المسار الطبيعي ويبالغ الطفل في اعتماده على غيره في إنجاز شؤونه وحاجاته الخاصة يمكن وصف الطفل بهذه الحالة بأنه صاحب شخصية اتكالية اعتمادية، لا يرغب أو لا يستطيع القيام بأي شيء وحده.
 


ذات صلة


أسباب الاتكالية عند بعض الأطفال

تكمن ضرورة البحث ومعرفة الأسباب التي تجعل بعض الأطفال أكثر اتكالية واعتمادية على ذويهم من غيرهم في أنها تساعد على تحديد طرق علاج هذه المشكلة أو وقايته من تعلم الاتكالية أثناء العملية التربوية، ويمكن تحديد مجموعة من العوامل التي تساهم في هذه المسألة:

- الدلال الزائد: بعض الأهل يلجؤون للمبالغة في تدليل طفلهم وتلبية جميع رغباته والدفاع عنه بل وحتى القيام بمهامه وواجباته الخاصة، وهذا النوع من التربية يجعل الطفل يرى أنه لا داعي ليتعب نفسه بأي شيء فيمكنه ترك واجباته ليقوم بها ذويه بدلاً عنه وينصرف للتسلية واللعب والراحة.

- الكسل واللامبالاة: بعض الأطفال لأسباب وظروف خاصة لديهم نشاط محدود ولا يحبون العمل أو القيام بأي شيء، وهذه المسألة هي من نتائج الكسل أو الخمول وعدم الاهتمام بالوجبات، والطفل الذي يتصف بهذه الصفات يكون أكثر اتكالية على غيره وخاصة ذويه في إنجاز الواجبات الملقاة على عاتقه.

- الرغبة باهتمام الآخرين: وهنا تكون اتكالية الطفل ناتجة عن سبب معنوي نفسي وليس مادي، فالأطفال يريدون أن يشعروا باهتمام الآخرين بهم وأن يكونوا محور تفكير وانتباه والديهم، وهم يرون بأن الاعتماد على الآخرين وطلب المساعدة يحقق لهم جزء من هذه الغاية وهكذا يتعلموا الاتكالية وتصبح من صفاتهم الشخصية.

- عدم الثقة بالنفس: فالطفل الاتكالي يرى أنه غير قادر على مواجهة مصاعب ومتطلبات الحياة لوحده، وبالتالي ينتظر المساعدة دائماً من الآخرين أو القيام بواجباته.

- التقليد: التقليد هو صفة من صفات الأطفال ومن أهم الأشياء التي تميز سلوكهم، وهذا التقليد له أثر في طبيعة نشاط الطفل فحين يلاحظ مثلاً أن والده يطلب كل شيء من والدته مثل الطعام أو الشراب ولا يساعد في الواجبات المنزلية، قد يجرب محاكاة هذا السلوك وتقليده ظناً منه بأنه يتشبه بوالده الذي يعتبره مثله الأعلى.

- عدم تحمل المسؤولية: لأسباب تربوية أو نفسية خاصة يتربى الطفل بطريقة تجعله غير قادر على تحمل المسؤوليات حتى الشخصية منها، وهذا يجعل الطفل غير مبالي في مسؤولياته أو القيام بمهامه وواجباته وهي تعتبر سبب في الاتكالية وشكل من أشكالها.

- بعض الأسباب الجسدية الصحية: مثل الإصابة ببعض الأمراض التي غالباً ما تُشعر الطفل بالضيق والتعب والاكتئاب، فهذه الأشياء تجعله من جهة غير قادر على تأدية وظائفه بنفسه، أو ليس لديه الرغبة في القيام بأي شيء من جهة أخرى.

- النكوص: ففي حالات الغيرة مثلاً أو خيبة الأمل ورفض الرغبات تراود الطفل مشاعر عاطفية سلبية بأنه أقل من الآخرين أو  أن لا أحد مهتم لأمره، وهو لا يجد وسيلة للفت الانتباه واستجداء التعاطف سوى من خلال النكوص الذي يعني القيام بتصرفات متوقعة من الأطفال الأصغر سنا ظناً منه أنه بهذه الطريقة سوف يستعيد مكانته من اهتمام الآخرين التي كان يتمتع بها وهو صغير.
 

ذات علاقة


أشكال اعتماد الطفل على الآخرين

بحسب المرحلة العمرية للطفل أو جنسه أو حتى بيئته الثقافية ووضعه في الأٍسرة وطبيعة الأسباب المؤدية  لسلوكه الاتكالي تختلف طبيعة الأشياء والمجالات التي يبدي فيها الاتكالية على الآخرين وبالأخص ذويه، وهذا ما يفسر التصرف باتكالية في بعض أوجه النشاط والمهام دون الأخرى، ومن أشكال اتكالية الأطفال:
- الحاجات الأساسية: وهي مسألة طبيعية ولا تعد مشكلة إذا ما بقيت في الحدود الطبيعية، ويمكن الحكم إذا ما كان اعتماد الطفل على ذويه في هذه النواحي يعتبر اتكالية أم لا من خلال تقدير قدرته على القيام بهذه الأشياء بنفسه، ففي الطفولة المبكرة يكون مستوى الاعتماد الطبيعي على الأم [1] أكبر فالطفل لا يستطيع حتى تناول الطعام بمفرده ولكن إذا استمرت هذه الحالة حتى بعد أن يفطم الطفل ويصبح بإمكانه استخدام أدوات الطعام والأكل بمفرده يمكن القول أنه أصبح اتكالي.

- الواجبات الدراسة: بعض الأطفال يعتمدون على ذويهم بالقيام بواجباتهم المدرسة وهذه من أسوأ أشكال الاتكالية ويجب على الأهل عدم مسايرة الطفل بها، فالواجب المدرسي يعطى للطفل حتى تترسخ المعلومات في ذهنه وليست مجرد مهمات يجب أن تنجز دون سبب، وقيام الوالدين بهذه الواجبات نيابة عن طفلهم من شأنه أن يسبب له تراجعاً في مستواه الدراسي والتعليمي [2].

- الدفاع عن النفس والحقوق: من واجبنا طبعاً الدفاع عن أطفالنا وحقوقهم وهي مسألة لا شك فيها، ولكن طالما يستطيع الطفل الدفاع بنفسه عن نفسه يجب ترك هذه المسؤولية له، فإن دافعنا عنه اليوم وأصبح يتكل علينا في هذا الدفاع من سوف يدافع عنه في المستقبل ضد مصاعب الحياة التي لا تحصى.

- حل المشاكل والصعوبات: ما يعترض طريق الطفل من صعوبات في تلبية حاجاته أو مشكلات تعيق رغباته وأهدافه هي أشياء ضرورية حتى يتعلم الطفل مهارات حل المشكلات وكيف يفكر ليجد الحلول لها، وإذا أخذنا عنه هذه المهمة فسوف يصبح عاجز عن القيام بأي شيء وحده ضعيف أمام أي عارض يواجهه.

- الواجبات والأشياء الشخصية: مثل الحفاظ على النظافة أو العناية بالأشياء الخاصة أو الدراسة وتنظيم الوقت بالإضافة للحفاظ على الصحة وعدم إيذاء النفس، فكلها مسؤوليات بسيطة متناسبة مع قدرا ت الأطفال وضمن حدود إمكاناتهم، وهي ضرورة لتأسيس الطفل كشخص متزن قادر على تحمل مسؤولية نفسه فيما بعد.

- التعلق المرضي بالأهل: هذه المسألة من نتائج الاتكالية وأحد أشكالها فالطفل الذي يعتمد على أهله في كل شيء لا يستطيع الابتعاد عنهم[3] وهذا سبب يسبب معاناة له ولأهله سواء عند دخوله المدرسة أو انشغالهم بواجبات ومهام أخرى.
 

سلبيات اتكالية الطفل

تعتبر الاتكالية صفة سلبية ومرفوضة بشكل عام فأثرها لا يتوقف على إزعاج الآخرين ونظرتهم للطفل بطريقة سلبية، وإنما قد تتسبب الاتكالية بنتائج وآثار سلبية على شخصية الطفل نفسه وقد يستمر هذا التأثير حتى عندما يكبر ويصبح فرداً كامل العضوية والحضور في المجتمع، ويمكن ذكر بعض الآثار السلبية للاتكالية:

- التسبب بسلوكيات التذمر: في الحالات التي لا يجد فيها الطفل من يتكل عليه في أداء مهامه أو القيام بتنفيذ رغبته، فهذا يسبب له الشعور بالضيق والانزعاج ولا يجد وسيلة لجذب اهتمام الآخرين سوى التذمر وكثرة الشكوى حتى يصبح سلوكه متصف بهاتين السمتين.

- بروز صفة الكسل: وهذه الصفة تنتج عادةً عن خاصية الاتكالية كونها تجعل الطفل لا يبالي بأي من واجباته ولا يرغب بالقيام بأي نشاط جدي يمكنه من وجهة نظره الاعتماد على غيره في تنفيذه، وهكذا يتعلم الكسل وعدم القيام إلا بالنشاطات التي يفضلها ويراها ممتعة أو مسلية.

- عدم تحمل المسؤولية: فالطفل الاتكالي لم يتعلم أصلاً تحمل المسؤولية ولم يعتد على اعتماد الآخرين عليه ولا حتى اعتماده هو على نفسه، هناك دائماً من يحمل المسؤوليات عنه ولا داعي لأن يشغل نفسه بأشياء يمكنه أن يتكل فها على غيره.

- الاتصاف بضعف الشخصية: فهو غير قادر على مواجهة الحياة وما فيها من مواقف وغير قادر على الدفاع عن نفسه وتلبية حاجاته بنفسه، وينشأ عن هذا ضعف في شخصيته والحاجة لأن يتواجد دائماً معه من يحميه ويرى فيه سنداً له.

- التعرض دائما للعراقيل والعثرات: نتيجة لعدم الخبرة وجود تجارب سابقة وبالتالي تعلم مهارات حل المشاكل يتعرض الطفل الاتكالي للكثير من مواقف التعثر والعرقلة وهذا ما يجعل حياته أصعب في المواقف الجدية وغير قادر على التأقلم معها.

- الإحباط وخيبات الأمل: حياة الطفل الاتكالي مليئة بمواقف الإحباط وخيبة الأمل فهو عندما يضطر للقيام ببعض الأشياء وحده غالباً ما سوف يفشل كونه لم يعتد على هذا ولم يكون خبرات سابقة وبالتالي سوف ينتج عن شعوره بالفشل شعور بالإحباط وخيبة الأمل.
 

كيف يمكن تعليم الطفل الاعتماد على نفسه

حتى يتمكن الطفل من إثبات حضوره وبناء شخصية قوية تتمتع بصفات مقبولة ومحترمة أمام الآخرين، يجب أن يتعلم الاعتماد أكثر على ذاته فمن ناحية من شأن هذه المسألة تقديمه بصورة أفضل، ومن ناحية أخرى يساعده الاعتماد على ذاته من تجاوز جميع الصعوبات وحل كل مشكلاته بنفسه والسير بخطوات واثقة وثابتة نحو تحقيق أهدافه، ويوجد بعض الخطوات التي يساعد إتباعها في تحقيق هذه الغاية:

- تنمية الشخصية القوية لدى الطفل: حيث أن الأطفال الذين يتصفون بالشخصية القوية لا يتكلون على أحد ويريدون القيام بكل شيء بأنفسهم، بل ربما في كثير من الأحيان لا يعجبهم أداء غيرهم ويرغبون بتوجيه النصائح والإرشادات.

- تعزيز ثقة الطفل بنفسه: فبعض حالات الاتكالية تنتج عن عدم ثقة الطفل بنفسه وقدراته وبالتالي يعتمد على غيره حتى لا يفشل في مهامه.

- عدم تعويد الطفل على الكسل: وذلك من خلال عدم تلبية جميع متطلباته التي يمكنه تأديتها بنفسه، إشعاره بما سوف يخسره إذا ما لم يقم بنفسه بتلبية هذه المتطلبات.

- تعليم الطفل تحمل المسؤولية: فبعض المسؤوليات البسيطة مثل المساعدة في الواجبات المنزلة أو العناية بأغراضه وشؤونه الخاصة أو مواجهة بعض مشاكله الصغيرة، تمثل حافز له لأن يعتمد على نفسه ويتحمل فكرة أن يكون لديه مسؤوليات[4].

- وجود هدف في حياته: يسعى من أجل تحقيقه ويظهر بعض النشاط والحركة في إطار سعيه لتحقيق هذا الهدف.

- الابتعاد عن المبالغة في الدلال: مثل فعل كل شيء له والنزول عند رغباته وطلباته التي يستطيع تأديتها بنفسه، فالدلال الزائد من أكثر الأسباب التي تنمي الاتكالية لدى الأطفال.

اتصاف الطفل بالاتكالية مسألة مزعجة وتثير القلق لدى ذويه والقائمين على تربيته ورعايته، وهي مسألة أيضاً لها آثار سلبية غير مرغوبة على شخصية الطفل قد تتطور مع تقدمه بالعمر ونموه، ما قد يسبب له العديد من مواقف الإحراج والإحباط أو الفشل في تحقيق أهدافه وغايته بالإضافة للطريقة التي يتعامل فيها الآخرين مع اتكاليته، ولهذا كان من الواجب التعرف على اتكالية الأطفال واعتماديتهم من حيث أسبابها وطريقة تطورها وآثارها وكيف يمكن وقاية الطفل منها حتى يتمكن من الاعتماد على نفسه وتحقيق رغباته وغاياته دون الاعتماد على أحد أو انتظار المساعدة.
 

المصادر المراجع

[1] مقال الكاتبة Kelsey Borresen، "عشرة علامات على علاقة غير صحية بين الأم وأبنائها" منشور في huffpost.com، تمت مراجعته بتاريخ 22/6/2019
[2] مقال  Debbie Pincus "عشرة طرق لتحفيز الطفل على التقدم في المدرسة" منشور في empoweringparents.com، تمت مراجعته بتاريخ 22/6/2019.
[3] مقال دكتور Deborah MacNamara "هل يمكن أن يكون الطفل مرتبطاً بوالديه؟" منشور على موقع http://macnamara.ca، تمت مراجعته بتاريخ 22/6/2019
[4] مقال الكاتبة Tamekia Reece، "تعليم الطفل تحمل المسؤولية" المنشور في parents.com، تمت مراجعته بتاريخ 22/6/2019