خذ دقيقة لتعريف التوازن المثالي بين العمل والحياة، وفكر في كيفية تقسيم وقتك بين هذين الجزأين من يومك؛ الشخصي والمهني، وكيف تنتقل بينهما؟ هل أنت مدمن على العمل؟ أم أنك شخص يعرف كيف يفصل تماماً؛ بين وقته في العمل وحياته الخاصة؟


ذات صلة


فصل العمل عن المنزل

هل يمكنك تقسيم حياتك إلى نصفين؟
وصف باحثون الأشخاص القادرين على الفصل بين العمل وحياتهم الخاصة؛ بالمنفصلين (Segmenter)! مما يعني أنهم يتجنبون التداخل بين عملهم وحياتهم الخاصة[1]، وقد يحتفظون مثلاً بأجندات منفصلة للمكتب وأخرى للمواعيد الشخصية، أو يحملون هاتف عمل منفصل، نظراً لوجود حدود صلبة، كما يرى الشخص المقسم أو المنفصل نفسه كشخصين متميزين: "أنا في العمل" و "أنا في حياتي العادية"!
على عكسهم يكون الأشخاص الذين يدمجون حياتهم العملية بالخاصة (المدمجون)؛ أكثر سعادة! عندما يتمكنون من طمس الحدود بين العمل والمنزل، حيث غالباً ما يفكرون في العمل خارج المكتب، وقد يكون لديهم محادثات متعلقة بالعمل على طاولة العشاء، أو القراءة في أوقات فراغهم بقصد التطوير المهني، كما أن تطوير علاقات اجتماعية مع الزملاء أمر طبيعي بالنسبة لهم، حيث يرسم هؤلاء عدداً أقل من الخطوط المنطقية أو العاطفية؛ بين عملهم وبين حياتهم الخاصة، وتكون الهويتان متشابهتان بالنسبة لهم.

لكن... من الصعب تحقيق التقسيم الحقيقي بين العمل والحياة، وعندما يتداخل العمل بشكل لا مفرّ منه مع شؤونك الخاصة؛ يصبح الأشخاص القادرين على دمج الجانبين؛ أقل إزعاجاً بشكل ملحوظ [2]، لذا وبدلاً من التركيز على مزايا وعيوب كل نمط، حاول معرفة ما الذي يتوافق مع واقعك، حيث يأتي الرفاه من احترام احتياجاتك الخاصة وخلق بيئة تتماشى مع أسلوبك الخاص والحدود المفضلة لديك، بمعنى آخر توقف عن السعي لتحقيق التوازن بين العمل والحياة، بل استهدف تحقيق التوازن بين العمل والحياة، مثلاً قد يجتاز الشخص الذي يفصل بين عمله وحياته الخاصة؛ صعوبة الازدهار مع فريق العمل من المختصين، الذين يقومون بتبادل الرسائل في جميع الأوقات، كما قد يجد أحد الأشخاص الذين يدمجون جانبي حياتهم؛ صعوبة في العمل مع مدير لا يدعم مرونة العلاقة بين العمل والحياة.
 

ذات علاقة


استراتيجيات تحسين العلاقة بين العمل والحياة

وبغض النظر عن طريقة تأرجح أسلوبك، فإن هناك استراتيجيات يمكنك استخدامها، لضمان انعكاس ما تفضله في حياتك المهنية:

- حدد ما الذي يلاءم أسلوب حياتك: تكمن التعاسة في الانغماس بما تريد بدلاً مما تريده فعلياً، ربما تظن أن الموظف المتفاني هو الذي يجيب بشكل روتيني على رسائل البريد الإلكتروني خلال عطلة نهاية الأسبوع أو بعد انتهاء يوم العمل، لكن هذه الفكرة ستسب لك شعوراً بالضيق، أو ربما تعتقد أنه من صفات العامل الجيد، هي رغبة البقاء في المكتب إلى وقت متأخر لإنهاء العمل على مشروع ما، حتى لو كانت رغبتك الفعلية الذهاب إلى المنزل وقضاء الأمسية مع عائلتك، لذا عليك أن تتخلى عن أفكارك وأخلاقياتك المتفانية في العمل؛ ضد رغبتك في عدم العمل أو أخذ إجازة واستراحة.

- إدراك أولوياتك: لا بد من تحديد تفضيلاتك في العمل، فمثلاً عليك إنهاء جزء من المشروع وغداً يوم العطلة الأسبوعية؛ عليك أن تتعامل مع مديرك وفريقك على أساس وضع الحدود وأنك لن تقوم بإتمام العمل خلال عطلة الأسبوع، إلا في حال وجود موعد نهائي للتسليم أنت مضطر للالتزام به، ومقابل ذلك عليك أن تغادر باكراً في أول يوم عمل في الأسبوع التالي لهذه العطلة الحافلة بالعمل! حدد أولوياتك واعرف حدودك، كي توضحها للمحيطين بك، ولمديرك في حال كان مدمناً للعمل!

- طالب بما تريد: إذا لم يكن مكان عملك الحالي مناسب لحدودك، وليست لديك الفرص لتحقيق ذلك؛ فمن الجدير أن تعرف ما إذا كان بإمكانك تغيير ساعات العمل أو الترتيبات المكتبية أو المشاريع المختلفة، حتى تتكيف مع أسلوبك، فقد يطلب أحد الأشخاص الدامجين بين العمل والحياة مزيداً من المرونة للحصول على امتيازات العمل من المنزل، كما قد يرغب من يفصل بين العمل والحياة؛ الحصول على كمبيوتر محمول من الشركة، حتى يتمكن من فصل العمل والملفات الشخصية.

- حدد استخدام التكنولوجيا: لاسيما في طقوسك المسائية وقبل النوم، حيث تميل التكنولوجيا إلى أن تكون أكبر محرض على العمل خلال وقتك الخاص، لذا حاول تخفيف تعرضك لإغراءاتها؛ شغل هاتفك على وضع الطيران، احذف تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي من شاشتك الرئيسية، وقم بوضع الأجهزة في غرفة أخرى.

- بالنسبة للأشخاص الذين يفصلون بين حياتهم والعمل: حيث يكون الشخص مضطر إلى إخفاء نفسه الحقيقية في العمل، وهو أمر يفرض إرهاقاً عقلياً وعاطفياً، عليك البدء بتخفيف هذه الخطوط من خلال مشاركة تفاصيل بسيطة حول كيفية عملك ضمن فريق.. مع أطفالك؛ لتعليمهم أشياء جديدة ومهمة عن المشاركة والتعاون، أو يمكنك سرد حكاية بسيطة ومرحة عن أطفالك خلال استراحة الغداء مع زملائك، لأن الاستثمار في العلاقات المهنية، هو إحدى الطرق لمزج الحدود بطريقة إيجابية، كما لا يتعين عليك التخلي عن الوقت مع أحبائك لصالح ساعات العمل، لكن يمكنك قضاء خمس دقائق قبل الاجتماع؛ لسؤال الزملاء عن عطلة نهاية الأسبوع.
 

توازن العمل الحرّ مع الحياة

أهم مؤشرين لتحقيق التكامل؛ بين عملك الحرّ وحياتك الخاصة
لا بد أن تجد طريقة لتحقيق توازن أو تكامل فعّال بين عملك الحرّ وحياتك الخاصة، فليس من المنطقي استمرارك في العمل منذ استيقاظك.. حتى تحين ساعة النوم، لذا عليك مراعاة هذين الشرطين:

1- الحصول على جدول محدد: قد تصل ساعات عملك اليومية لـ18 ساعة، وهذا وقت طويل ويؤثر بشكل سلبي على حياتك الشخصية وعلى مخرجات عملك نفسه أيضاً، فهل تستطيع قلب الأمور لصالحك، من خلال تأسيس تقاليد للعمل والحياة على أساس جدول محدد؟ فأنت لا تجد الوقت لممارسة حياتك بشكل طبيعي مع أسلوب عملك الحالي، فكيف الحال إذا ضبطت حياتك وفقاً لجدول وأجندة محددة؟! جربها.. ستفاجئ بالنتائج، كما أنصحك ألا تتحدث عن جدولك لأحد (حتى أقرب الأشخاص).. حدد أولوياتك ثم ابدأ بالتنفيذ، فماذا لو واجهتك صعوبة أخرى، وهي ما يتمثل بدماغك المتعود على ساعات العمل الطويلة؟ الحل من خلال إنشاء جدول زمني، كما لو أنك تعمل مع شخص آخر أو لديك رئيس للعمل، لأن استمرارك في العمل الحرّ دون ضبط نفسك مع جدول محدد للأولويات؛ يعني أنك ستبدأ الابتعاد تدريجياً عن هدفك الأساسي، فلا تعتبر الحديث عن الجدولة الآن في خضم انشغالك لفعل الكثير من الأشياء والوقت لا يكفيك؛ مجرد لغو أو كلام نظري وكليشيهات!

2- الحصول على مكان محدد للعمل: ليس المطلوب منك الآن استئجار مكتب، رغم أنها فكرة جيدة إذا استطعت ذلك، فما يميز وجود المكتب (إلى جانب وجود مكان للعمل بعيداً عن المنزل)؛ في أنه يفصل بين الحياة والعمل، وهذا يعني أنك ستعمل من المنزل في بعض الأحيان، لأن عملك حرّ! لكن الاستيقاظ، وارتداء الملابس، وأخذ وجبة الغداء، والتوجه إلى مكان ما للعمل، يحول عقلك إلى منطقة العمل، والعودة إلى المنزل في المساء تحوله مرة أخرى إلى منطقة الحياة، مثلاً، عادة ما أخرج من المنزل لأقضي ساعات العمل في أحد المقاهي الهادئة، طالما أنني لا أستطيع الآن استئجار مكتب.
 

التناسق بين العمل والحياة

ليس مطلوب تحقيق التوازن، بل التناسق والتكامل بين العمل والحياة
من الطبيعي ألا تستطيع الموازنة بين العمل الحياة، حتى الآن على الأقل...! لكن يمكنك مع الصبر والاتساق والانضباط الذاتي الحصول على كل شيء! وهناك عناصر لتحقيق ذلك:

أولاً: الحصول على الأساسيات الصحيحة غير القابلة للتفاوض: جميعنا لدينا احتياجات نفسية وفسيولوجية متشابهة للغاية، هناك ستة مجالات أساسية، يمكنها أن تضمن لنا حياة جيدة:
1- الصحة: عيش حياة طويلة مليئة بالطاقة الحيوية.
2- الثروة: توفير ما يكفي من المال للعيش وفق نمط حياتك المثالي، دون القلق بشأن المستقبل.
3- العلاقات: بناء شبكة كبيرة ومتنوعة ومحبة من العلاقات؛ مع أشخاص مهمين في حياتك.
4- العمل: الحصول على وظيفة تمكنك من العمل على نقاط قوتك وشغفك، بطريقة تمنحك الاستقلالية والمعنى في حياتك.
5- التعلم والنمو: الاستثمار في المعرفة والمهارات، التي تساعدك على التعامل مع التحديات في حياتك المهنية والوظيفية الآن وفي المستقبل.
6- الهدف والغرض: عيش حياة مليئة بالمعنى.
إذا حصلنا على كل هذه الأساسيات بشكل صحيح ومتوازن، فلدينا حياة جيدة وفقاً لمعايير أي شخص تقريباً، ولو أصاب الخلل واحداً منهم، فإن الخلل يصيب كل شيء، يمكن أن تبدأ بإصلاح الجوانب الأقرب إلى قدرتك على السيطرة مثل: صحتك البدنية وعلاقاتك الشخصية وتطوير مهاراتك بالتعلم، ثم العمل والثروة.. 

ثانياً: الصبر مع أهدافك الكبيرة: لا بد من التركيز على الأهداف التي تتوخى الوقت بدلاً من تلك الأهداف، التي تبدو جيدة بالنسبة لك، فكم تخليت عن أهداف من مرحلة ماضية حتى اليوم؟! وتعرف أن الصبر صعب لأنه يعني تأجيل الأهداف إلى أبعد حد من المستقبل، هذا يعني عدم مقارنة نفسك مع أقرانك الناجحين في مجالات معينة، كما يعني التركيز على المقاييس الداخلية بدلاً من المقاييس الخارجية لحياتك، كما يعني تعلّم أن تقدر رحلة عيشك هذا الحياة.

ثالثاً: العمل بجد وبهدوء لفترة طويلة: كما في سباقات الماراتون، فلا تضحي بصحتك لتكسب الملايين ثم تدفعها على العلاج، ولا تقلق من أجل المستقبل فتضيع الحاضر، لا تركز على جزء واحد من حياتك فقط، وابدأ الركض بسرعة خفيفة حتى تصل إلى النهاية محققاً الرضا والرفاه الذي تريده في حياتك.

رابعاً: استخدم تقنية الوقت المركب: تتضمن أمثلة أنشطة الوقت المركب؛ شركاء في القراءة والتجريب، كذلك المشي اليومي والقيلولة، بالإضافة إلى كتابة اليوميات وإجراء المحادثة اليومية المثمرة مع الأشخاص المقربين إليك، فمن المثير للاهتمام؛ أن العديد من الأشخاص الأكثر نجاحاً على مدار الوقت استثمروا بكثافة في هذه الأنشطة الزمنية المركبة [3]، مثلاً وارن بافيت (ثالث أغنى شخص في العالم) أمضى نسبة 80 ٪ من وقته طوال حياته المهنية في القراءة والتفكير، كما يتبع العديد من رواد الأعمال الأكثر نجاحاً (مثل أوبرا وينفري وبيل غيتس)؛ قاعدة (الخمس ساعات) بحيث يقضون 5 ساعات على الأقل أسبوعياً في التعلم، واشتهر العالم الشهير ألبرت أينشتاين؛ بممارسة المشي وعزف الكمان، خلال التفكير بمشاكل فيزيائية صعبة، هكذا فإن الأشخاص الذين يختارون ما يريدونه فعلياً، ويتجنبون الإغراءات ويتغلبون على الآلام، التي تبعدهم عما يريدون، هم على الأرجح الأقدر.. في الحصول على حياة ناجحة، ومن خلال فهم واستخدام قوة الوقت المركب، يمكنك زيادة احتمالات عيش حياة بدون ندم.

يمكنك أن تسمي العديد من المشاهير والموسيقيين والرياضيين والأثرياء الذين حققوا أهدافهم الكبيرة، وخسروا في المقابل حياتهم الشخصية والأشخاص الذين يحبوهم وكل الراحة والدعم النفسي، وفي نفس الوقت لا تقارن العديد من قصص النجاح التي يمكنك نسيانها للحظة؛ مع حياتك وركز على الاتساق والانضباط الذاتي لتحقيق كل شيء.. بتناسق بين العمل والحياة.

في النهاية.. إذا قلبت أولوياتك وركزت أولاً على أسس حياتك؛ سواء كنت تحقيقها أم لا.. فعندما ننظر إلى حياتك ستكون قادراً على قول: "إنني أعيش حياة كاملة دون ندم".. ما رأيك؟ شاركنا من خلال التعليقات.
 

مراجع ومصادر

[1] دراسة Christena Nippert-Eng عام (1996) "التقسيم بين العمل والمنزل"، منشورة على موقع link.springer.com، تمت المراجعة في 12/07/2019
[2] دراسة Olson-Buchanan, Julie B. Boswell, Wendy R، عام (2006) "الحدود بين العمل والحياة"، منشورة على موقع psycnet.apa.org، تمت المراجعة في 12/07/2019
[3] مقال Michael Simmons، "لماذا يقضي الأشخاص الناجحون 10 ساعات في الأسبوع من الوقت المركب"، منشور على موقع medium.com، تمت المراجعة في 12/7/2019