أكره النوم على العموم.. وخاصة القيلولة وقت الظهيرة، إلا أن العلم أثبت أهميتها وفوائدها على الصحة بشكل عام ولاسيما صحة القلب والدماغ، هذا فضلاً عن دورها في سيطرتنا على الإجهاد والقلق اليومي، وحتى لو اكتفيت بالاستلقاء على نية أخذ غفوة بعد الظهر، لكنك لم تستطع النوم؛ فهذه خطوة كبيرة! تابع القراءة لتتعرف على أهمية القيلولة على الصحة.


ذات صلة


دراسات عن القيلولة

أهمية وفوائد القيلولة على الجسم وفقاً للدراسات العلمية
تشير الدلائل العلمية إلى أن للقيلولة أثناء النهار؛ فوائد صحية عديدة.. لا تجعلك أكثر يقظة فحسب، بل تحمي قلبك أيضاً، وتخفض ضغط الدم وتحسن ذاكرتك وتعزز العملية الإبداعية لديك، كما تقول الباحثة النفسية ومؤلفة كتاب (خذ قيلولة)؛ سارة ميدنك (Sara Mednick): "غير حياتك.. خذ قيلولة، مما يعني التخفيف من بعض الآثار الضارة للحرمان من النوم، كما تعني الحصول على نتائج مهمة لصحتك"، وهذه بعض من أهم النتائج حول أهمية القيلولة وفقاً للعلم [1]:

- القيلولة عادة بيولوجية: جميع البشر دون استثناء لديهم حالة من التراجع في الطاقة خلال فترة بعد الظهيرة، لكن عوامل متنوعة مثل: الثورة الزراعية والتصنيع واختراع المصباح الكهربائي، تآمرت لكسر عادة الأجداد المتمثلة في النوم مرتين خلال اليوم؛ مرة ليلاً وأخرى خلال النهار، فخلال عصرنا يحصل أكثر من ثلث الأمريكيين على فترات نوم أقل من الموصى به أو ما تحتاجه أجسادهم فعلياً، والأمر أسوء بالنسبة للبريطانيين أيضاً، حيث يعاني ما يقرب من ثلاثة أرباعهم من قلة النوم، بينما لاحظ الباحثون من علماء الأنثروبولوجيا أن المجتمعات ما قبل الصناعية لا تعاني هذه المشاكل في النوم، مثل شعب سان (الشعوب الأصلية في جنوب أفريقية) في صحراء كالاهاري؛ ظلت على أنماط حياتها دون تغيير نسبياً لآلاف السنين! فوجد الباحثون أن معظم أفراد هذه القبائل ينامون في نمط ثنائي الطور، حيث يحصلون على سبع إلى ثماني ساعات من النوم ليلاً ويأخذون غفوة تتراوح ما بين 30 إلى 60 دقيقة في فترة ما بعد الظهر، خصوصاً أثناء الطقس الحار [2].

- القيلولة تحمي القلب من الإصابة بالأمراض: عندما بدأ الناس في اليونان بالتخلص من القيلولة خلال التسعينيات، وإبقاء المتاجر مفتوحة لمدة أطول خلال اليوم، حاول باحثون من كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد؛ تقدير آثار هذا التغيير الثقافي، ويقول البروفسور ماثيو ووكر (Matthew Walker) أن نتائج الدراسة التي استمرت ست سنوات وشملت أكثر من 23000 من البالغين اليونانيين كانت مفجعة! رغم أن أيا من المشاركين لم يكن لديه تاريخ من مرض القلب أو السكتة الدماغية عندما بدأت الدراسة، إلا أنه على نهاية فترة الدراسة؛ عانى أولئك الذين توقفوا عن أخذ قيلولة الظهيرة المنتظمة من مخاطر الوفاة الناجمة عن أمراض القلب بنسبة 37 ٪ مقارنة بمن لم يتخلى عن القيلولة.
ويقول ووكر: "عندما نقلع عن الممارسة الفطرية للنوم ثنائي الطور، فإن حياتنا تصبح أقصر، وقد يكون من غير المفاجئ أنه في بعض المناطق الصغيرة في اليونان مثل جزيرة إيكاريا (Ikaria)، حيث لا تزال عادة القيلولة سليمة؛ من المحتمل أن يحقق الرجل أربعة أضعاف احتمال وصوله إلى سن 90، مقارنة بالذكور الأمريكيين" [3].

- تخفض القيلولة ضغط الدم وتحمي من النوبات القلبية: في الولايات المتحدة مثلاً يعاني حوالي نصف الأشخاص من ارتفاع ضغط الدم، وينفقون أكثر من 100 مليار دولار سنوياً على الأدوية وغيرها من خدمات الصحة [4]، لكن نتائج مؤتمر الكلية الأمريكية لأمراض القلب عام 2019؛ وجدت أن غفوة بسيطة قد تكون فعّالة عندما يتعلق الأمر بمكافحة ارتفاع ضغط الدم، فالنوم ليلاً والقيلولة النهارية؛ محكومة بآليات متميزة، كما تخدم وظائف منفصلة للصحة والبقاء على قيد الحياة.

- تنظم القيلولة دورة التذكر والنسيان: يساعد النوم دماغنا على معالجة المعلومات، التي يتم جمعها على مدار اليوم، ويساعد في استعادة قدرة المخ على التعلم، كما أن القيلولة قد تساعدك على ترسيخ وتذكر المعلومات التي لم تلاحظها بوعي كامل [5].

- قد يكون هناك جين متعلق بالقيلولة: إذا ممكن أن يتأثر مستوى النعاس الذي يشعر به الناس بعد الغداء والحاجة اللاحقة لأخذ قيلولة وراثياً، حتى مع عوامل أخرى مثل: مقدار النوم الذي حصل عليه الشخص في الليلة السابقة، كما قد يكون للجينات تأثير على وقت حدوث النعاس، ومدة القيلولة وإيقاع النوم أيضاً [6].
 

ذات علاقة


نصائح لقيلولة مفيدة

كيف تستغل فترة القيولة للحصول على أكبر فائدة صحية؟
بعد أن اطلعنا على كل هذه الدراسات والإثباتات العلمية على أهمية القيلولة، بتنا نعرف أنها بمثابة السلاح السري ضد الإرهاق والإجهاد والقلق بأنواعه، وهذه بعض النصائح الإضافية لكيفية أخذك قيلولة مثالية:

- توقيت القيلولة: التوقيت هو كل شيء، حيث تتوافق الرغبة في النوم مع التغيرات في درجة حرارة الجسم والدماغ والتي تعمل وفقاً لجدول زمني بمدة 24 ساعة تقريباً، ويسمى الإيقاع اليومي، وجميع البشر بغض النظر عما إذا كانوا يعيشون في مناطق ذات مناخ دافئ أو بارد أو إذا تناولوا وجبة كبيرة أم لا؛ يختبرون هذه التغييرات الطفيفة وقت النوم وبدرجة أقل خلال فترة ما بعد الظهر، وتقول سارة مدنيك في أبحاثها حول القيلولة: "قم بتخطيط وقت غفوتك، بحيث يكون فيه جسمك نائماً (الشعور بالتعب وحالة من الاسترخاء) بشكل طبيعي، وحيث يكون من المرجح أن تغفو".

- تعرّف على مراحل النوم لديك: تقدم مراحل النوم المختلفة فوائد مختلفة للدماغ والجسم، بحيث يمكنك أخذ غفوتك عن طريق ضبط وقت القيلولة والوقت الذي تستغرقه في النوم خلالها، حيث تقضي أول 20 دقيقة من غفوتك في المرحلة الثانية من النوم كما تؤكد مدنيك، مما يوفر لك الطاقة واليقظة، بحيث يبدأ المخ في معالجة الذكريات والمعلومات، ثم تأتي مرحلة النوم بحركة العين السريعة (REM)، وهي مرحلة الأحلام المعزِزة للإبداع، وإذا كنت تأخذ قيلولة أثناء مرحلة نومك الرئيسية وتبقى نائماً لمدة 90 دقيقة مثلاً، وهي كما تقول مدنيك "القيلولة المثالية"؛ ستحصل على دورة نوم كاملة مع جرعة متوازنة على النحو الأمثل من جميع مراحل النوم الثلاث.
وبطبيعة الحال لا يتم تأسيس جميع فترات القيلولة على قدم المساواة رغم أن القاعدة العامة، هي أنه يمكنك الاعتماد على قيلولة في وقت مبكر من اليوم، لتكون أكثر راحة في مرحلة حركة العين السريعة من النوم، وإذا كنت مهتماً بالحصول على أحلام الظهيرة أو كنت تعمل على مشروع إبداعي، فقد تفضل قيلولة في وقت متأخر من الصباح، أما إذا كنت مرهقاً جسدياً طوال الوقت، فاختر قيلولة طويلة بعد الظهر لتكون وقتاً غنياً بالنوم البطيء.

- إذا استيقظت منزعجاً من القيلولة: هذا يعني أنك غفوت لوقت أطول مما يجب، وتعرف ذلك من خلال الشعور وكأنه قصور في النوم، ويحدث عندما تستيقظ أثناء نوم المرحلة البطيئة، وهي المرحلة التي تأتي بعد نوم المرحلة الثانية المعِزز للطاقة، إذا حدث هذا لك.. حاول الاستيقاظ قبل ذلك ببضع دقائق، ومعرفة ما إذا كنت تشعر بالانتعاش والراحة أكثر.

- تستمر الغفوة المثالية لمدة 20 دقيقة وليس أقل: على الرغم من أن ميدنيك تصف الغفوة المثالية بوقت 90 دقيقة؛ إلا أن غفوة تستمر من 20 إلى 30 دقيقة، دون التعرض لخطر الانغماس في نوم الموجة البطيئة، الذي قد يجعلك تشعر بالتعب، يبدو أن هناك نوع من الإجماع العلمي على أن غفوة مدتها 26 دقيقة هي الأفضل، وهذا يعتمد على دراسة مشهورة أجرتها وكالة ناسا عام 1994 [7]، وجدت أن الطيارين على المسافات الطويلة الذين أخذوا قيلولة لمدة 25.8 دقيقة؛ كانوا أكثر تنبهاً بنسبة 50٪ من نظرائهم الذين لم يأخذوا قيلولة، كما تحسن أدائهم بنسبة 34%. 

- لا تغفو في وقت متأخر من اليوم: فجميعنا نعرف أن قيلولة العصر مزعجة جداً، حيث يمكن أن تتداخل مع نومك الليلي، لذا لا تنم مدة طويلة أو لوقت متأخر في النهار، خاصة إذا كنت تواجه مشكلة في النوم ليلاً.

- جرّب قيلولة الكافيين: سيكون الكافيين بمثابة منبه طبيعي، حيث يبدأ مفعوله في إنعاشك بعد 20 دقيقة من تناوله، فخذ قيلولة بعد تناول كوب القهوة فيوقظك منتعشاً وعلى استعداد للتركيز على النشاط التالي، ووجدت دراسة يابانية في عام 2003 أن قيلولة الكافيين كانت أكثر فعالية في مكافحة النعاس أثناء النهار من قيلولة بدون تناول مشروبات الكافيين [8]، يمكنك مراجعة هذه الدراسة الهامة أيضاً، لأن الكثير من المواقع العربية في مقالاتها حول أهمية القيلولة؛ تحذرك من مخاطر القهوة على الذاكرة، بالطبع في حال الإفراط في تناولها، لذا أرجو ألا تصدق كل ما تقوم بقراءته في حال لم يتم دعمه بالدراسات، بطبيعة الحال في كل يوم هناك بحوث جديدة ولا تعني نتائج أي دراسة بأنها نهائية، ومن هنا تنبع أهمية المتابعة والقراءة بشكل دائم في أي موضوع تبحث عن إجابات دقيقة حوله.

- صفّي ذهنك: إن الحاجز الرئيسي للنوم وقت القيلولة هو إفراط العقل بالتفكير، خاصة إذا لم تعتد على قيلولة النهار، لذا جرب الاستلقاء لمعالجة أي شيء يثير قلقك أو جرّب التأمل اليقظ والموجه واليوغا، لتخفيف الضغط وتخفيف نشاط عقلك.

- احمل معدات القيولة: كي لا تكن هناك أي حجة لتخطي نوم القيلولة، ويمكنك اقتناء مجموعة النوم في الطائرة (قناع النوم، وسادة الرقبة، وسدادات الأذن)، مما يمكنك من تهيئة الظروف المناسبة للنوم في أي مكان تقريباً، ورغم قراءتنا حول أهمية توفر بعض الشروط التي تحقق إمكانية النوم خلال القيلولة بعمق، مثل المكان والإضاءة الخفيفة والضوضاء الأخف.. لكن هل تعرف أنه يمكنك أخذ غفوة لمدة دقائق على كرسي مكتبك مثلاً؟!

في النهاية.. إذا لم تكن معتاداً على قيلولة النهار، خذ وقتك ولا تحمل الذنب أو تضغط على نفسك، إذا لم تتمكن من النوم على الفور، لأن مجرد وجود النيّة في أخذ استراحة هو رد فعل جيد ضد الطحن الإرهاق اليومي الذي نتعرض له جميعنا، وحتى لو لم تستطع النوم، يمكن أن يكون للاستلقاء تأثير إيجابي كبير، فما رأيك؟
 

المراجع والمصادر

[1] حديث للدكتورة سارة ميدنيك Sara Mednick، حول أهمية دراسة تأثير القيلولة على حياتنا، منشور على موقع Youtube.com، تمت المراجعة في 21/08/ 2019
[2] دراسة Gandhi Yetish, Hillard Kaplan وآخرين (2016) "النوم الطبيعي والتغيرات الموسمية في ثلاث مجتمعات ما قبل الصناعة"، منشورة على موقع ncbi.nlm.nih.gov، تمت المراجعة في 21/08/2019
[3] دراسة أهمية القيلولة لصحة القلب (2008)، منشورة على موقع harvard.edu، تمت المراجعة في 21/08/2019
[4] دراسة Donglan Zhang, Guijing Wang وآخرين (2018) "نفقات الأمريكيين المرتبطة بارتفاع ضغط الدم"، منشورة على موقع ncbi.nlm.nih.gov، تمت المراجعة في 21/08/2019 
[5] دراسة Netasha Shaikh  Elizabeth Coulthard، سنة (2018) "فائدة القيلولة في معالجة المعلومات الضمنية"، منشورة على موقع wiley.com، تمت المراجعة في 21/08/2019
[6] دراسة J. Lopez-Minguez, J. J. Morosoli وآخرين (2017) "علاقة الوراثة بالقيلولة"، منشورة على موقع nature.com، تمت المراجعة في 21/08/2019
[7] دراسة ناسا Mark R. Rosekind and R. Curtis Graeber وآخرين (1994) "حول القيلولة المثالية وأداء طاقم الرحلات الطويلة"، منشورة على موقع nasa.gov، تمت المراجعة في 21/08/2019
[8] دراسةAkiko Masuda,Mitsuo Hayashi وآخرين (2003) "الآثار التنبيهية للكافيين والضوء الساطع وغشل الوجه بعد قيلولة نهارية قصيرة"، منشورة على موقع sciencedirect.com، تمت المراجعة في 21/08/2019