ممارسة التأمل اليقظ وبتركيز ذهني كامل (Mindfulness)؛ أمر بسيط وممكن لأي شخص، إنه محاولة لتحقيق هدوء واستقرار وانسجام يمثل طبيعة عقولنا في الأساس، ومن خلال التأمل نقوم بتطوير وتقوية العقل بالتالي يعم السلام أذهاننا دون عناء وبطبيعة الحال الرضا والاطمئنان.
أهم نقطة في التأمل الذهني التي ستتعلمه خلال السطور التالية؛ البقاء يقظاً ومدركاً لما يجري حولك، إذ يعتقد الكثيرون أن التأمل العميق يشبه النوم ولا يدرك المرء ما يحدث حوله، مع ذلك يحدث أن تتناسى حواسنا أداء وظائفها في بعض حالات التأمل، لكن ليس هذا ما نتوخى معرفة ممارسته في موضوعنا التالي، بل سنتعلم معاً ممارسةً بوذيةً قديمة لتهدئة العقل، وهي (Samatha) أي النابض بالحياة نوع من التأمل يتم عبر الوعي التام بعملية التنفس، هذا وسنتحدث بعدها عن تأمل القلب (Mettā) ويعني زراعة المحبة.
 


الأسئلة ذات علاقة


بيئة التأمل

بيئة مناسبة للتأمل الذهني اليقظ
الشروط المواتية للتأمل الذهني الكامل تتطلب بيئة تجعله سهلاً، فحتى لو كانت شقتك صغيرة لا بد أن تختار زاوية ترتاح فيها وتشعرك بالارتياح بعيداً عن مصادر الإزعاج والصخب، كما أن مشاعرك يجب أن تكون خالية من الغضب والغيرة، مثلاً.. إن كنت منزعجاً أو مضطرباً فلن تصل إلى حالة تأملية صحيحة.
 

ذات علاقة


التدرب على التأمل

التأمل الذهني اليقظ يبدأ بالتدرب على الممارسة
ابدأ ممارسة التأمل الذهني في أوقات متقطعة قصيرة لا تتجاوز العشر دقائق مبدئياً، حيث أن إجبار نفسك على التأمل سيستنزف شخصيتك، لأن تدريب العقل على التأمل اليقظ لا بد ن يكون بسيطاً جداً بمعدل عشر دقائق صباحاً مثلها في المساء؛ يعمل العقل خلالها كما ذكرنا بداية ولا يكون في حالة سبات.
كما أننا غالباً عندما نمارس التأمل بشكل عام؛ ندع عقلنا يأخذنا أينما كان، لكن علينا في التأمل الذهني اليقظ أن نخلق نوعاً من الانضباط، يمكنك أن تذكّر نفسك بأن تقول حرفياً: "أنا هنا لأعمل مع عقلي وأدربه".. هذا يعد إلهاماً لبدأ ممارسة التأمل الذهني اليقظ بشكل صحيح.
 

الجسد في التأمل

ما هي وضعية الجسد الأنسب لممارسة التأمل الذهني اليقظ؟
يرتبط الجسد والعقل في مختلف أشكال التأمل، حيث يسمح انتصاب القامة بتدفق الطاقة بينما الانحناء يؤثر على تركيز أفكارك، لهذا تساعدك اليوغا في تطبيق الوضع الصحيح للجسد خلال عملية التأمل، لأنك لا تقصد الجلوس كطالب مهذب في المدرسة، بل لأنك تعرف أن جسدك يؤثر بشكل مباشر على نتيجة التأمل.
أولاً: إذا كان عليك أن تستخدم الكرسي يجب أن تجلس منتصباً وقدماك تلامسان الأرض، أما إذا جلست على الأرض فوق وسادة التأمل الخاصة، قاطع ساقيك ودع يديك تستريحان فوق الفخذين، لا تشد الوركين إلى الأمام أكثر من اللازم كي لا تتوتر، كذلك لا تميل إلى الخلف بشدة كي لا تبدأ بالتراخي مجرد بدأت التأمل، يجب أن تشعر بالاستقرار والقوة عندما تجلس لممارسة التأمل الذهني اليقظ.


ثانياً: أشعر بجسدك كاملاً، لا تجبر نفسك على ممارسة التأمل لأنك لن تحقق استقراراً في وضعية جسدك ولن تعيش هذه اللحظة المتكاملة بين الذهن والجسد، يمكنك أن تشعر بأن عمودك الفقري يتمدد ويداك تطفوان بخفة ويستقر الجسد كاملاً، ولأن التأمل الذهني اليقظ دقيق للغاية؛ فأنت مستيقظ تماماً ولو كنت هادئاً.


في المحصلة.. حافظ على وضع  جسدك منتصباً ومستقيماً؛  كتفاك مستويان وركاك مستويان وعمودك الفقري مستقر، تخيل وضع عظامك في هذا الترتيب واترك جسمك ينساب في هذا الهيكل من أجل البقاء مسترخياً ومتيقظاً، إن شعرت بالملل أو الضبابية يجب أن تتحقق من وضعية جلوسك فيما إذا كانت صحيحة ومريحة.
 

​​​​​​​نظرة العين  في التأمل

أين تركز نظرك أثناء التأمل الذهني اليقظ؟
لممارسة التأمل الذهني الدقيق، يجب أن تكون نظرة العين إلى الأسفل مع التركيز أمام أنفك لعدة سنتمترات، العيون مفتوحة ولكن لا تحدق؛ نظرتك ناعمة.. حيث تحاول الحد من التشتت الحسي قدر ما تستطيع، قد تسأل: "ألا يجب أن يكون لدي إحساس بالبيئة في التأمل الذهني اليقظ؟" لكن هذا ليس مصدر القلق في ممارسة التأمل الذهني اليقظ، إذ أنك تعمل فقط مع العقل، كلما رفعت نظرك وفتحت عينيك ازداد تشتت انتباهك، يبدو الأمر كما لو كان لديك ضوء أعلى الغرفة ينيرها بأكملها، ثم يمكنك التركيز عليه أمامك مباشرة، حيث تتجاهل متعمداً كل ما يدور حولك كأنك تحصر عقلك في حجرة صغيرة.
 

التنفس في التأمل

كيف تتنفس بطريقة صحيحة أثناء ممارسة تأمل الذهن اليقظ؟
عندما تمارس التأمل الذهني العميق والنابض بالحياة، ستعرف عقلك أكثر وتتحكم بأفكارك، فالتناقض الذي يحدث في أذهاننا ينتهي، حيث يعيدنا الوعي بموضوع التأمل.
يمكنك في أنواع التأمل الأخرى وضع صخرة أمامك واستخدامها لتركيز تفكيرك، ولكن في تأمل (Samatha) البوذي؛ فإن استخدام التنفس كموضوع للتأمل مفيد جداً لأنه يمنحك الراحة.
عندما تبدأ.. يكون إحساسك قوي بجسمك ومكان وجودك الآن، ثم تبدأ في الانتباه لتنفسك وهذا الشعور الكامل بالتنفس مهم جداً، حيث لا ينبغي أن يكون التنفس متصنعاً لكنك تتنفس بشكل طبيعي، شهيق وزفير متتابع حتى تشعر بالاسترخاء.
 

الأفكار أثناء التأمل

كيف تتحكم بأفكارك أثناء ممارسة التأمل العقلي العميق؟
بغض النظر عن نوع الفكرة التي ستقتحم رأسك، يجب أن تقول لنفسك: "قد تكون هذه مسألة مهمة جداً في حياتي لكن الوقت ليس مناسباً للتفكير في الأمر، الآن... أنا أمارس التأمل"، حيث تتراجع هذه الأفكار باستخدام قوة صدقك وأمانتك مع نفسك خلال كل جلسة، على الرغم من أن العقل شرير في بعض الأحيان! لا تستطيع أن تجبره على طرد فكرة ما؛ فحاول أن تكون عادلاً قدر الإمكان وأن تحقق تحرر ذهني من المفاهيم المسبقة، التي تعوّدَ عقلك هجومها المباغت على شكل أفكار مشتتة.. وستنجح في النهاية، فنحن مخلوقات متنوعة.. وعندما تلاحظ أنك ضعت في فكرة معينة خلال التأمل؛ دعها تمرّ بلطف ومن دون أن تحاكمها مهما كانت فكرة غريبة ثم عدْ لعملية التنفس بانتظام.


في كل جلسة تأمل ستكون في رحلة اكتشاف لذاتك وتفهم حقيقتك أكثر، في أول مرحلة من ممارسة التأمل الذهني العميق؛ ستتعلم أهم درس وهو مدى سرعة العقل في الاستجابة لك، كما أنك تعرف ربما أنه في حالات التأمل التقليدية، ليس من الضروري أن تعمل على عقلك.
ما نتحدث عنه هنا عملي للغاية، فممارسة التأمل اليقظ بسيطة وممكنة تماماً، لأننا نعمل مع العقل الذي يختبر الحياة مباشرة، فقط من خلال الجلوس بدون فعل أي شيء؛ نقوم بالكثير.. صدقني.
 

التأمل من القلب

تأمل القلب إيثار الآخرين ورفض العنف ونشر المحبة
الميتا (Mettā) الإحسان والمحبة اللطيفة والود وحسن النية، هذا التأمل الذي يعطي الرغبة القوية في تمني رفاهية وسعادة الآخرين من خلال الإيثار ورفض العنف، إن هذا التأمل بوذي أيضاً ومهم جداً للعقل والقلب معاً خلال الأوقات الصعبة، فقدرتك على المحبة.. سواء كنت تعرف ذلك أم لا هي قدرة لانهائية، فيما يلي كيفية ممارسة تأمل القلب أو الميتا: 
أولاً: سواء كنت مستلقياً أو واقفاً أو جالساً في وضعية للتأمل، وتعي تنفسك وجسدك كاملاً  وتستقر بوعي كامل لحظة بلحظة على موجات التنفس المنضبط، تخيل بعدها في ذهنك شخصاً تحبه ويحبك بدون قيد أو شرط.. يحبك وتحبه على ما أنتما عليه بالفعل؛ مستدعياً هالة المحبة التي تعيشها مع هذا الشخص، اسمح لكيانك كاملاً بالاسترخاء ضمن هذا الشعور على إيقاع دقات قلبك وتدفق تنفسك المنتظم، مع كل هذا اللطف والمحبة التي تحيط بك مهما كنت.. استمر قدر ما تستطيع.
ثانياً: عندما تصبح جاهزاً وتشعر بأنك مصدر ومتلقي المحبة واللطف والتعاطف كما تحضن الأم رضيعها، تذكر أن تقول لنفسك بعض العبارات مثل:
- أتمنى أن أكون آمن ومحمي وخالي من الأذى الداخلي والخارجي.
- أتمنى أن أكون سعيدا وراضياً.
- أتمنى أن أكون بصحة جيدة.
- أتمنى أن أجرب العيش برفاهية.


قد تبدو أمنيات مصطنعة لكنك في النهاية أنت من تتمنى وترغب، ويتلاشى ذلك خلال لحظة السعادة والرضا واللطف التي تمرّ فيها، وقد تتساءل: "إذا كانت هذه الممارسة غيرية وبعيدة عن الأنانية فلماذا أتمنى كل هذه الأمنيات لنفسي، ولماذا تركز مشاعري بالسلامة والرفاهية، على سعادتي الخاصة؟".. الإجابة واحدة: لأنك لست منفصلاً عن الكون، بالتالي أنت جدير المحبة مثل أي شيء آخر أو أي شخص آخر، ففاقد الشيء لا يعطيه.. أليس كذلك؟ وضبط حبك لذاتك هو بحد ذاته فعل عظيم من الحب واللطف والحكمة، وليس مجرد وسيلة لتحقيق غاية ما.
 

التأمل من أجل الآخرين

كيف يمكن أن تنشر المحبة من نطاق ذاتي إلى نطاق اجتماعي؟
يمكنك توسيع مجال التأمل من قلبك كما تعلمنا؛ لتوسيع مجال الوعي في ممارسة التأمل الذهني المتيقظ، يمكننا تجربة توسيع مجال المحبة سواء لشخص أو عدة أشخاص، إذ ليس من السهل القيام بذلك، لذا من المفيد أن تبدأ بشخص واحد كملاذ طبيعي لمشاعر المحبة، وأن تقول:
- أتمنى أن يكون آمن ومحمي وخالي من الأذى الداخلي والخارجي.
- أرجو أن يكون سعيداً وراضياً.
- أتمنى أن يتمتع بصحة جيدة.
- أتمنى أن يجرب سهولة العيش برفاهية.
امتلك الشعور ما وراء هذه الكلمات، كررها مراراً وبصمت لنفسك وليس ميكانيكياً، بل بوعي تام ومعرفة ما تقوله، كذلك بامتلاك بالنية وراء هذا الشعور من خلال التعبير بقلبك وجسمك عن طريق التنفس.
هكذا.. يمكنك توجيه هذه المشاعر حتى إلى الناس أو الأصدقاء الذين سببوا لك الأذية في الماضي لا كي تسامحهم بل كي تنسى ما فعلوه بك وأنت بذلك تحرر قلبك من الحقد الدفين، ثم أنك إذا كنت ترغب في زراعة اللطف والمحبة وتوجيهها فقط نحو نفسك خلال جلسة التأمل، أو العديد من الجلسات هذا جيد تماما، كذلك إذا كنت تهتم بتوجيه المحبة فقط تجاه أولئك الذين تعرفهم وتحبهم، أو حتى شخص واحد فهذا أمر جيد أيضاً، لأنك بالانخراط في هذه الطريقة تتعرف على إنسانيتك وترعاها بكل جمالها، حيث ندرك كم نحن متحدون في طموحنا المشترك في أن نكون سعداء ولا نتألم، مثل جميع الكائنات الحية.
 

محبة لا نهائية

التأمل بزيل الحدود عن محبة لا نهائية
قدرتك على المحبة لا نهائية؛ سواء كنت تعرف ذلك أم لا وهي ببساطة طبيعة الحب "إنه بلا حدود"، ستجد نفسك مصمم بشكل طبيعي لدعوة المزيد والمزيد من الكائنات في مجال المحبة واللطف، الذي يشع منك في كل الاتجاهات داخليا وخارجيا، حتى الحيوانات والطيور والنباتات، كذلك أكثر مصادر الخوف التي تعاني منها عادة ستتأثر بقدرتك غير المحدودة على المحبة، والأمر المثير للاهتمام أنك لم تكن تدعو هذه المحبة بوعي، فكيف تظهر الآن؟!.. الجواب: لأن قلبك أكبر وأكثر حكمة مما كنت تعتقد.. فتمنى الخير للآخرين بأن تقول:
- أتمنى أن تكون جميع الكائنات القريبة والبعيدة آمنة ومحمية وخالية من الأذى الداخلي والخارجي.
- أتمنى أن تكون جميع الكائنات قريبة وبعيدة سعيدة وراضية.
- أتمنى أن تكون جميع الكائنات القريبة والبعيدة متمتعة بصحة كاملة.
- أتمنى أن تعيش جميع الكائنات القريبة والبعيدة بسهولة ورفاهية.
كما يمكنك نشر محبتك المتدفقة على محيطك بنفس الطريقة، وقد يبدو الأمر سخيفاً!.. لكن لما لا..؟! فعواقب حياتنا الخاصة للعيش في العالم تتجسد بالحكمة والرحمة والمحبة كذلك الود، كما نعبر عن الفرح المتأصل في الحياة وغير المحدود أساسا، إنه ليس خيالاً علمياً بل نتيجة لاستعدادك في التخلي عن الضغينة، واختيار ممارسة وتجسيد المحبة.
 

التأمل والعلم

ماذا يقول العلم عن التأمل الذهني اليقظ؟
كي نكون موضوعيين نذكر أن الكثير من دراسات التأمل؛ ركزت على التقييم والتدريب الذهني كذلك الآثار السلبية المحتملة والتقاطعات مع تصوير الدماغ، حيث هدفت دراسة إلى إعلام الباحثين المهتمين ووسائل الإعلام كذلك توعية الجمهور، لتقليل الضرر والحد من الممارسات البحثية الخاطئة بالإضافة لإيقاف تدفق المعلومات الخاطئة، التي تسبب خيبة أمل حول الفوائد والآفاق المستقبلية للتأمل بشكل عام.


لكن دراسات حديثة أثبتت دور التأمل الذهني اليقظ في تعزيز إمكانيات التكيف والصحة النفسية ومكافحة التوتر أيضاً، كما كشف باحثون أن للتأمل العقلي اليقظ بعض الآثار غير العادية على أدمغة أولئك الذين يمارسونه بانتظام، لأنه يركز على إدراك اللحظة الحاضرة وببساطة؛ ملاحظة المشاعر والأفكار عندما تأتي وتذهب، كما أن هناك بعض الأدلة على أن هذا النوع من التأمل (Samatha) يمكن أن يساعد في تخفيف آلام وأعراض بعض الحالات الجسدية مثل: متلازمة القولون العصبي والسرطان كذلك فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز).

أخيراً...

حتى وقت قريب.. لم يُعرف إلا القليل عن الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها بضع ساعات من التأمل الهادئ كل أسبوع إلى مثل هذه المجموعة المثيرة من التأثيرات العقلية والبدنية. والآن مع تنامي شعبية التأمل الذهني اليقظ وتأمل المحبة؛ تكشف تقنيات تصوير الدماغ أن هذه الممارسة القديمة يمكن أن تغير بشكل عميق الطريقة التي تتواصل بها مناطق الدماغ المختلفة مع بعضها البعض وبالتالي كيف نفكر بشكل دائم، شاركنا رأيك حول ما قرأت في هذا المقال.. هل جربت أي من طرق التأمل؟ كيف كانت النتيجة؟ هل ستحاول ممارسة تأمل عقلي يقظ أو تأمل القلب؛ بعد أن قرأت هذا المقال؟ لو فعلت.. شاركنا التغييرات التي حدثت معك وهل اختلفت طريقة تفكيرك حول بعض الأمور أو في طريقة حل المشاكل مثلاً.. نحن بانتظارك.