صعوبات الكتابة عند الأطفال (Dysgraphia) وعلاجها

مفهوم وأنماط صعوبات الكتابة عند الأطفال الديسجرافيا، أعراض صعوبات تعلم الكتابة وكيفية تشخيص وتقييم صعوبات الكتابة عند الأطفال، علاج مشكلات الكتابة وأنشطة لعلاج صعوبات تعلم الكتابة عند الصغار

تعد عمليّة الكتابة مهارة يتعلّمها الطفل في المراحل الدراسية الأولى من عمره، وهي وسيلة تعبير مهمة للتواصل مع الآخرين والتعبير عن الذات، يتم فيها تحويل الأفكار والصور إلى حروف وكلمات مرتبّة ومفهومة، بحيث تكوّن جملاً مفيدة دالّة على معنى ما، وتُعتبر من أهم مهارات اللغة الأربعة التي تشمل أيضاً: القراءة والتحدث والاستماع.

في هذا المقال سنتحدث عن صعوبات وعسر الكتابة عند الطفل، أعراض صعوبات الكتابة عند الصغار وطريقة تشخيصها، والحلول الممكنة لعلاج مشكلات الكتابة.

مفهوم صعوبات الكتابة عند الأطفال ومعنى الدسجرافيا أو عسر الكتابة
ستراقب طفلك بشدة في بدايات تعلّمه مسك القلم والكتابة على الورق، وهو يرسم أو يكتب حروفاً غير مفهومة وستكون سعيد جداً بذلك قائلاً لنفسك: "سيصبح خطّه أفضل مع الأيام"، ولكن ماذا لو بقي خطّه الفوضوي على ما هو عليه وكانت كلماته مبعثرة في دفاتره ومليئة بالأخطاء الإملائية مع ملاحظتك لصعوبة تحويله الأفكار إلى كلمات.. هنا ستعطي الأمر أهمية أكبر بالتأكيد. 

إن صعوبات الكتابة عند الأطفال حالة صحيّة ونفسيّة موجودة بين الصغار، وقد تتساءل إذا ما كان هناك شيء يدعو للقلق حول هذا الأمر.. وفي الحقيقة، تتطور مهارات اللغة عند الأطفال بمعدلات مختلفة، حيث يستغرق بعضهم وقتاً أطول من غيرهم لتعلّم هذه المهارات وفي بعض الأحيان يحتاج الطفل إلى مساعدة إضافية من قبل الأهل والمدرسة لتتحسّن مَلَكَة الكتابة لديه [1].
وتندرج صعوبات الكتابة أو كما تدعى أحياناً بـ (عسر الكتابة) كأحد أنماط صعوبات التعلّم الأكاديميّة، وهي مشكلة في الجهاز العصبي تؤثر على المهارات الحركيّة الدقيقة اللازمة للكتابة، حيث تجعل من الصعب القيام بمهام الكتابة عند الطفل بدءاً من أحرف بسيطة وصولاً للواجبات المدرسية [2].
 

هناك نمطان رئيسيّان لعسر الكتابة عند الأطفال:
1- مشاكل في خط اليد وطريقة الكتابة:
في هذه الحالة يملك الطفل أفكاراً رائعة ومنظمّة في عقله، لكن يصعُب عليه إيصالها، حيث تكون كتابته غير مفهومة والحروف فوضوية مبعثرة، لدرجة أنَّ الطفل نفسه قد لا يكون قادر على قراءة ما كتبه، حيث يواجه الأطفال بالإضافة إلى صعوبة الكتابة أيضاً صعوبة فيما يلي:
- تشكيل الحروف.
- وضع الحروف بالحجم الصحيح لها، وفي المكان المناسب على السطر.
- الكتابة بخط مستقيم.
- مسك القلم بطريقة مناسبة.

2- مشاكل في قدرة التعبير عن الأفكار في الكتابة: في هذه الحالة لدى الطفل صعوبة في تجميع الأفكار وكيفيّة وضعها بشكل تعبيري مرتّب، ولدى الطفل هنا مشكلة في معرفة من أين يبدأ أو ربما يكون قادر على بدء الكتابة، لكنّه لا يعرف بعد ذلك كيف ينظّم بقية الأفكار، تنتج هذه المشكلة غالباً عن ضعف مهارات التخطيط والتنظيم لدى الطفل، كذلك قدرته على ربط الأفكار مع بعضها وتحويلها لكلام مفهوم [1].
 

ما هي الأسباب النفسية والجسدية وراء صعوبات ومشكلات الكتابة عند الطفل؟
تتنوع أسباب صعوبات الكتابة لدى الأطفال بين الأسباب الجسدية والنفسية، أو حتى السلوكيّة الخاصّة بالطفل ومن أهم الأسباب[3]:

- إصابات الدماغ وتأثيرها على تعلم الكتابة: تحدث أذيّات وإصابات الدماغ لأسباب عدّة منها نقص وصول الأوكسجين للدماغ عند الولادة، حوادث معيّنة أو حتى ارتفاع درجة الحرارة الشديد أو أمراض مثل السحايا، وقد تسبّب هذه الأذيّات مشاكل عصبية تؤثر على مناطق في الدماغ مسؤولة عن مهارة الكتابة مما يؤدي إلى مشكلات أو صعوبات الكتابة.

- أمراض جسديّة تؤثر على مهارة الكتابة عند الطفل: تسبب العيوب سواء كانت خلقيّة أو بسبب حوادث معيّنة؛ تلفاً بالأعصاب محدثةً شلل كما في الشلل الدماغي الذي يحدث نتيجة تلف في خلايا الدماغ المسؤولة عن الحركة، مسبّباً عدم تناسق في حركات الجسم، وبالتالي حدوث صعوبات تعلم مرافقة ل صعوبة الحركة، وقد تترافق صعوبات الكتابة مع حالات مرضيّة أخرى مثل ADHD (فرط النشاط وصعوبة التركيز) اختصاراً لـ (attention deficit hyperactivity disorder).

- صعوبات القراءة (DYSLEXIA): وهي أيضاً من صعوبات التعلّم، وغالباً ما يكون لدى الأطفال ممّن يعانون من مشاكل في القراءة مشاكل في الكتابة اليدويّة أيضاً.

- عدم كفاءة التعليم: الأطفال الذين لم يحصلوا على تعليم جيد فيما يخص الكتابة والخط، سيواجهون صعوبات وعسراً في الكتابة، حيث قد يخفى على بعض الأساتذة ارتباك الطالب أثناء تعلمّه لكتابة بعض الكلمات، وتستمر المشكلة مع الطفل لتؤدي إلى صعوبات التعلم.

- مشكلة الترميز الهجائي (Orthographic coding): هناك منطقة في الدماغ تدعى بالذاكرة العاملة، التي تتيح للطفل تذكّر الكلمات المكتوبة بشكل دائم، وتذكّر الطريقة التي يجب أن يُحرّك بها الطفل يده أو أصابعه لكتابة هذه الكلمات أيضاً، وعند حدوث أي خلل في عملها سيسبب ذلك مشكلة الترميز الهجائي [4].

- صعوبات في المهارات اللغوية والحركية الأساسيّة: الكتابة عملية معقدّة تنطوي على ذاكرة عاملة كما قلنا، كذلك توليد الأفكار والتفكير في معاني الكلمات، وتنظيم الجمل الجيدّة والمراقبة الذاتيّة.. وأي صعوبة في أحد هذه المهام سيؤدي لمشاكل في التعبير الكتابي [5].
 

ما هي علامات وأعراض صعوبات وعسر الكتابة عند الطفل؟
تختلف أعراض عسر الكتابة من طفل لآخر، حيث لا يطوّر كل طفل مهارات الكتابة بنفس المعدّل وبذلك قد تتواجد بعض الأعراض عند أطفال وتختفي عند أطفال آخرين، ومن أهم هذه صعوبات تعلم الكتابة:

- أخطاء في كتابة الحروف: يعاني الطفل هنا من مشاكل في رسم المنحنيات المكوّنة للحروف وكيفية دمجها مع بعضها، كما يشكّل الطفل الأحرف بطريقة غريبة ويصعُب عليه كتابة الأحرف الصغيرة، التي تتطلب رسم منحنيات دقيقة.

- معاناة الطفل مع طريقة الكتابة اليدويّة: يشتكي بعض الأطفال من ألم في أيديهم عند الكتابة، حيث تكون وضعية الكتابة خاطئة وسيؤدي ذلك لتشكيل حروف وكلمات غير سويّة.

- مشاكل في وضع المسافات بين الكلمات والجمل: يميل بعض الأطفال لتقريب الحروف من بعضها أكثر من اللازم، وهذا سيشكّل كلمات غير مفهومة.

- مشاكل في تهجئة الكلمات: يعاني الطفل هنا من لفظ خاطئ لبعض الكلمات ومن ثم تحويلها لكتابة، فتتشكل كلمات غير مكتملة أو ذات حروف مفقودة بسبب اللفظ الخاطئ لها.

- الكتابة غير المنظّمة: تكون الكتابة هنا مبعثرة وحاوية على كثير من الأخطاء القواعدية والإملائية، ممّا يشكل جملاً غير مفهومة وخاطئة نحويّاً.

- تجنب المشاركة في النشاطات الكتابيّة: عندما يعاني الطفل من مشكلة عسر الكتابة سيجد نفسه حائراً: من أين له أن يشارك في أي نشاط كتابي! فتجدهم خجولين وغير مهتمين أو حتى رافضين المشاركة مع أقرانهم.

- انخفاض تقدير الذات وقلّة الثقة بالنفس: يجد الطفل نفسه عالقاً في هذه المشكلة من غير حلول سريعة لها، فيبدأ بلوم نفسه أو مدرسته، ويقلّ تقديره لذاته وينعكس ذلك سلباً على أداءه المدرسي وعلاقته بأصدقائه [6].
 

تشخيص وتقييم حالة عسر الكتابة عند الأطفال "الديسجرافيا"
مع خصوصية حالة عسر الكتابة عند الأطفال، قد يصعب تشخيصها كمشكلة تحتاج لعلاج من بداية ظهورها، لكن مع المراقبة الجيدة من قبل المدرسة والأهل، ستتم ملاحظتها مبكراً ليتم تشخيصها ومن ثمّ علاجها.

الخطوة الأولى في التشخيص أن يستبعد طبيب الأطفال أي أمراض أو حالات أخرى مرافقة لحالات صعوبات الكتابة، والتي قد تكون هي السبب بهذه المشكلة، سيساعدك أخصائي صعوبات التعلم (وهو المعالج الأساسي) في إعطاء طفلك اختبارات أكاديميّة وكتابية تقيس قدرته على وضع الأفكار في كلمات وتقيس مهاراته الحركية الدقيقة، على سبيل المثال: قد يُطلب من الطفل النقر على أصابعه أو قلب معصمه بطريقة معيّنة. قد يُطلب من الطفل أيضاً كتابة جمل أو نسخ حروف وكلمات وسيركزّ المختص هنا أيضاً على:
- حركات يد الطفل أثناء الكتابة.
- طريقة مسك الطفل للقلم.
- وضعيّة جسم الطفل أثناء الكتابة.
- عملية الكتابة التي يقوم بها الطفل بأكملها.
- العمل النهائي للطفل بعد إنجاز المطلوب منه [2].
 

ما هي الحلول الممكنة لمشكلات وصعوبات الكتابة عند الطفل؟
ليس هناك علاج دوائي خاص لحالة صعوبات الكتابة عند الأطفال، ويختلف العلاج من طفل لطفل آخر ويعتمد ذلك على ما إذا كان الطفل يعاني من أي صعوبات تعلّم أخرى كـ (عسر القراءة) مثلاً أو ظروف صحيّة أخرى، فالعلاج الدوائي بالحالات المرضية المرافقة لـحالات عسر الكتابة؛ ضروري وقد يحسّن كثيراً من الأداء الكتابي للطفل، ونستطيع تقسيم العلاج وحلول صعوبات الكتابة لعدة مراحل حسب تواجد الطفل: في المدرسة، والمنزل ومع أخصائي علاجي أيضاً.

أنشطة لعلاج صعوبات الكتابة عند الطفل في المدرسة
أهم شيء تستطيع المدرسة فعله لمساعدة طفل لديه صعوبات كتابة، هو أن تخفف ضغط الكتابة عليه وما يرافقها من توتر، والسماح للطفل باستخدام وسائل تعبير أخرى بشكل أكبر من الكتابة مثل التحدّث أو حتى الطباعة على الكمبيوتر، وبعض التغييرات المفيدة في الصف تشمل:
- إعطاء وقت أكبر للطفل في الاختبارات، حيث يستغرق الأطفال بهذه الحالة وقتاً أطول لتكوين الكلمات والجمل وهذا يعني أن الوقت الإضافي سيقلل من التوتر لديهم ويسمح لهم بإظهار أفضل ما عندهم.

- استخدام أوراق العمل بدلاً من الكتابة على السبورة، وهذا يخفف إحراج الطفل أمام الطلاب.

- عدم اعتماد الدقّة كمعيار تقدير عند طفل لديه صعوبات كتابة، لأن ذلك قد يجعل علاماته منخفضة اعتماداً على كتابته وسيشعر الطفل هنا أن جهده لا قيمة له.

- تقليل طول المهام الكتابيّة لدى الطفل.

- السماح لبعض الأخطاء الإملائية قدر الإمكان والسماح بتواجد قاموس مع الطفل الذي يعاني عسر الكتابة عند الضرورة.

- استخدام أقلام وأوراق خاصة بالطفل، كأن تكون الأقلام قابلة للمسح والأوراق ذات خطوط عريضة مرتفعة.

- السماح للطالب باستخدام أجهزة كمبيوتر المتضمنة برنامج معالج النصوص إن أمكن ذلك.

أنشطة منزلية لعلاج صعوبات الكتابة عند الأطفال
من المهم أن تعمل العائلة جنباً إلى جنب مع فريق الطفل التعليمي في المدرسة؛ لتحسين خط اليد وجودة الكلمات في المنزل وهناك عدّة طرق وأنشطة لعلاج مشكلات الكتابة في المنزل؛ منها:

- تعليم الكتابة للأطفال بأبسط الطرق ولو لمدّة عشر دقائق يومياً، ومكافئة الطفل على جهوده مهما كانت بسيطة (من المهم جداً عدم انتقاد الطفل وتشجيع أي تحسّن ملموس في كتابته).

- مساعدة الطفل على مسك القلم بطريقة صحيحة والانتباه له عندما يقبض على القلم بقوّة، حيث أنّ مسك الطفل السليم للقلم سيخفف من إجهاد اليد وستصبح الكتابة أسهل وأقل ألماً.

- كن كاتباً لطفلك... قد تستغرق المهام الكتابيّة البسيطة وقت طويل لدى طفل لديه صعوبات كتابة، قد تستطيع مساعدته بأن تسهّل عليه الأمر وتكتب عنه الجملة الأولى وتشجعّه ليكتب الثانية، وهذا سيساعد لتشجيع الطفل على الكتابة وتحفيزه ليكتب مثلك.

- اطلب من طفلك أن يقول الكلمات بصوت عالٍ وهو يكتبها، ذلك سيعمل على زيادة تركيزه ورفع مستوى أداءه.

- القيام بتدريبات كتابية كـ (الرسائل) مثلاً دون توقع حروف مثالية من الطفل، المهم أن تكون الكتابة متسّقة وقابلة للقراءة إلى حد ما.

- المشاركة في تمارين متعددة الحواس: اطلب من الطفل الكتابة في الهواء أو على الرمال وهذا يتيح له الإحساس بالحرف وتكوين ذاكرة بناءً على شكل الحرف.

- هناك طرق لتخفيف التوتر قبل الكتابة مثل؛ فرك اليدين بسرعة قبل بدء النشاط الكتابة كـ (وسيلة لإقناع الطفل أن هذا يشحن اليدين جيداً للكتابة).
 

قد تستفيد أنت وطفلك من العمل مع اخصائي علاج صعوبات الكتابة ومشاكل التعلّم، خاصّة إذا كان الطفل يعاني بشدّة من مشكلات في المهارات الحركيّة الدقيقة التي تحتاج لها عملية الكتابة، وغالباً ما يستخدم العلاج المهني في حلول صعوبات الكتابة لدى الأطفال بما يتضمن: 
- استخدام مواد معينة لبناء قوّة اليد والرسغ.
- تدريبات خاصة لتكوين الحروف.
- القيام ببعض الحركات المتكررة البسيطة لمساعدة الطفل على اكتساب قوة الإصبع التي تجعل الكتابة أسهل وأفضل [7].

وكما أكدت الخبيرة لدى موقع حلّوها الاختصاصية التربوية والنفسية الدكتورة هداية حول موضوع صعوبات التعلم: "صعوبات التعلّم أحد أهم المعيقات التي تواجه الطفل في بداية سنوات تعليمه، وسيكون من الأهميّة تخصيص تعليم ملائم مناسب لنوعيّة الصعوبة التي تواجه الطفل في مشواره الدراسي".

ختاماً.. من المهم أن يدرك الجميع (العائلة والمدرسة وحتى الطفل نفسه) أنّ صعوبة الكتابة ليست بحالة تستدعي الخجل، وأن الحلول بكل أنواعها؛ لها دور كبير في مساعدة الطفل لتجاوز هذه المشكلة بسهولة وبأفضل الأساليب.
 

[1] مقال "استيعاب مشكلة طفلك مع الكتابة" منشور على موقع understood.org، تمت المراجعة في 13/12/2019.
[2] مقال Smitha Bhandari "ماهي صعوبات الكتابة وما الإجراءات المتبعة مع هذه الحالة" منشور على موقع webmd.com، تمت المراجعة في 13/12/2019.
[3] Fionna Pilgrim "أسباب صعوبات الكتابة"، تمت المراجعة في 13/12/2019.
[4] مقال James Roland وآخرين "ما هي حالة صعوبات التعلم؟" منشور على موقع healthline.com، تمت المراجعة في 13/12/2019.
[5] مقال Marcia Eckerd "صعوبات التعلم عند الأطفال" منشور على موقع   smartkidswithld.org، تمت المراجعة في 13/12/2019.
[6] مقال "أعراض صعوبات التعلم عند الأطفال" منشور على موقع readandspell.com، تمت المراجعة في 13/12/2019.
[7] مقال Devon Frye "علاج أعراض صعوبات الكتابة" منشور على موقع additudemag.com، تمت المراجعة في 13/12/2019.