تفتقر المناهج التعليمية لوجود مواد دراسية حول إدارة المال وتحديد أولويات الإنفاق وإنشاء ميزانية شخصية.

فكيف نعلم أطفالنا تقدير قيمة المال وإنشاء ميزانياتهم الخاصة وإدارتها والتعامل مع الأزمات المالية بطريقة صحيحة؟

لم يجري خبراء التربية بحوثاً كافية نشرت في كتب ومجلات ومواقع إلكترونية حول كيفية تربية الطفل على عبقرية التعامل مع المال، حتى غيرت الصحافية والمستشارة المالية والكاتبة الأمريكية بث كوبلاينر (Beth Kobliner) هذا الواقع بإطلاقها كتاباً جديداً في عام 2017 تحت عنوان اجعل طفلك عبقري أموال (Make Your Kid a Money Genius)، وكان من أكثر الكتب مبيعاً حسب النيويورك تايمز.

تحدثت كوبلاينر في كتابها عن أهمية تعليم الأطفال منذ الصغر مبدأ العمل للحصول على المال، ومعنى المال وكيفية التعامل معه وتوفيره وإدارته والتخطيط للحصول عليه!

وقد أثبتت الدراسات أن الطفل يبدأ بفهم مبادئ المال الأساسية من عمر ال 3 سنوات، مثل "التبادل"، أي أنك تعطي النقود وتحصل مقابلها على شيء. كما يتعلم "قيمة الأشياء"، فمثلاً خاتم الماس يساوي أكثر من الحذاء.

ويعتبر كتاب "اجعل طفلك عبقري أموال" دليلاً تربوياً يزود كل أب وأم بنصائح ذهبية حول كيفية تربية أطفالهم وأبنائهم المراهقين والشباب بين عمر 3 سنوات و23 سنة على العبقرية المالية، حتى وإن لم يكن الأبوان نفسهما يملكان هذه الصفة!


الأسئلة ذات علاقة


وأهم هذه النصائح المالية هي:
1- ما نحتاجه وما نريده: فور أن يبدأ الطفل بإدراك معنى المال سواء في عمر الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، يجب أن نحرص على تعليمه الفرق بين ما يحتاجه وما يريده. فمثلاً "نحن نحتاج للحليب ولكننا نريد الحصول على الحليب بالشوكولاتة. سنذهب إلى البقالة وسنحضر الحليب، وإن تبقى معنا مال فائض عن حاجتنا، يمكننا عندها شراء الحليب بالشوكولاتة، ولكن الأولوية لما نحتاجه وهو الحليب".

2- فن الانتظار: في السابق، كان يوجد موسم لكل شيء، فكنا ننتظر الصيف كي تصلنا الألعاب التي وصينا عليها المغتربين من العائلة، وكنا ننتظر أشهراً كي يعود مسلسلنا الكرتوني المفضل إلى التلفاز. أما الآن، فلم يعد يضطر الأطفال لانتظار أي شيء، يصلون إلى ما يريدون في دقائق عبر الإنترنت والتسوق الإلكتروني ووسائل التكنولوجيا المختلفة، مما يفقدهم مهارة الانتظار وينعكس هذا على قدرتهم على توفيرالمال ومنع أنفسهم من الحصول على ما يريدون فور رغبتهم به! 

لذا، على الوالدين تعليم أطفالهما أنهم لا يستطيعون الحصول دائماً على ما يريدون فور رغبتهم به، بل عليهم أن يقيموا أهمية الشيء أولاً ويفكروا في البدائل الممكنة التي قد توفر عليهم صرف المال. فمثلاً، في حال فكر الطفل في الحصول على الحلوى من محل الحلويات في طريق العودة من المدرسة، ممكن أن تطرح عليه الأم فكرة توفير الدولار في الحصالة، وتناول الحلوى الموجودة في المنزل، وفي هذه الحالة ستحصل على الحلوى وستملك المزيد من المال!

3- التعذر بالقيم بدل الكذب: عندما يطلب الطفل الحصول على شيء ما لا ترغب بشرائه له، اربط السبب بالقيم بدلاً من استخدام الكذبة التقليدية المعهودة "لا نملك المال الكافي الآن"، أو "لا أستطيع شراءها لك". لأنه عندما يراك تشتري أي شيء بعد هذا الموقف، سيفقد الثقة بك ولن يصدق هذا المبرر مرة أخرى!

بدلاً من ذلك، اربط قرارات الصرف بقيمك وأولوياتك، فمثلاً، قل لطفلك: "لا أعتقد أن هذه الحلوى المليئة بالسكر تستحق أن ندفع عليها هذا المبلغ من المال، كما أن طبيب الأسنان نصحنا بتجنب هذا النوع من الحلويات السكرية لأنه يؤذي أسناننا"!

4- قيمة العمل: يجب أن يتعلم الطفل منذ نعومة أظفاره أن المال يأتي نتيجة العمل. يجب أن يدرك منذ الطفولة أن والده الذي يحمل الصحيفة ويخرج في الصباح لا يذهب لقراءة الصحيفة، بل يذهب إلى العمل ليجلب المال الذي يستخدمه في شراء الطعام للعائلة والتسوق للملابس ودفع فواتير الكهرباء وتكاليف الطبيب ونفقات المدرسة.... إلخ. وقد أوردت كوبلاينر نصائح أكثر حول كيفية تعليم الأطفال قيمة العمل وأهميته، سنفصّلها في مقالنا القادم "كيف نعلم أطفالنا قيمة العمل؟".

5- تحديد الأهداف: من الضروري أن نبدأ في المرحلة المتوسطة بالحديث الجدي مع الأبناء عن المال وتكاليف دراسة الجامعة والأهداف التي نرغب بتحقيقها. فمثلاً إن كان الأبناء قد حصلوا على مبلغ ما من المال من الأجداد أو من أي جهة أخرى، يتم مناقشة كيفية توفير هذا المال لاستغلاله لتحقيق الأهداف الكبيرة في وقت لاحق. ومن الجيد فتح حساب بنكي للأبناء ليشعروا بجدية الموضوع، حتى وإن كان لتوفير بضع دولارات كل شهر. مع تجنب استخدام بطاقات الائتمان أو البطاقات البنكية للشراء، بل يفضل تعويدهم على استخدام الأوراق المالية (الكاش)، كي لا تزيد نسبة الصرف دون الشعور بذلك.

6- أهمية العمل الخيري: لا يكفي أن تمارس الأعمال الخيرية أو تتبرع بالمال دون أن تتحدث لأطفالك عن سبب قيامك بذلك وأهميته وقيمته، فقد راقب الباحثون السلوكيات الخيرية ل 900 طفل على مدار عام كامل، ولاحظوا أن الأطفال الذين تحدث والداهم معهم عن أسباب التبرع بالمال وأهميته كانوا أكثر مبادرة للتبرع من الأطفال الذين تبرع أهلهم بالمال دون أن يناقشوا معهم قيمة السلوك الخيري.

7- اتخاذ القرارات الصعبة: لا تقرر كل شيء بالنيابة عن أولادك، اترك لهم حرية الخيار ليتعلموا كيفية اتخاذ القرارات المادية. فمثلاً إن كان طفلك يرغب بالحصول على حذاء رياضي باهظ الثمن وكرة سلة، لا تتخذ القرار عنه، قم بإهدائه كوبوناً يحتوي مبلغاً من المال يمكنه من شراء الحذاء الرياضي باهظ الثمن وحده، أو كرة السلة مع حذاء رياضي أقل سعراً، واشرح له الخيارين المتاحين أمامه وأي خيارات أخرى ممكنة، كالاحتفاظ بالكوبون على سبيل المثال وجمع بقية المبلغ خلال الأيام القادمة لشراء السلعتين التي يرغب بهما. عندها سيتعلم الطفل كيفية دراسة جميع الخيارات الممكنة وتحديد الأولويات وتوزيع المال بالطريقة المناسبة.

ختاماً، عزيزي الأب، عزيزتي الأم، لا تترددا في الحديث مع أبنائكما عن المال في سن مبكر، فالعلم في الصغر كالنقش بالحجر، وكلما تعلم الأبناء كيفية التفكير بالمال وإدارته والتعامل معه في سن أبكر، كلما كانوا أكثر قدرة في الكبر على التعامل مع ميزانياتهم وأمورهم المالية بشكل أكثر ذكاءً ومسؤولية وحكمة!