عندما يعلم من حولك أنك تحب وتمارس القراءة وتقرأ بشكل دوري ومنتظم؛ ستسمع بلا شك مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالقراءة، على رأسها كيف نقرأ؟ أو كيف أتعود على القراءة؟ أو كيف تختار الكتب التي تقرأها؟، ولا بد أن أصعب هذه الأسئلة لماذا نقرأ؟ أو ماذا نستفيد من القراءة؟.
في هذه المادة: سنحاول أن نقدم لكم أجوبة شافية عن هذه الأسئلة، وذلك من خلال التعرف على فائدة القراءة في المقام الأول، ثم التعرف على بعض النصائح والاقتراحات التي تساعد في التعود على القراءة وإدمانها، وبكل تأكيد نتوقف مع آلية اختيار الكتب الجيدة، وكيفية الحصول على الفائدة المرجوة من عملية القراءة، اقرأ هذا المقال حتى النهاية لعله يكون بداية جيدة أو دافعاً جيداً للاستمرار بالقراءة والتعود على المطالعة.
 


ذات صلة


لماذا نقرأ؟

ما هي فوائد القراءة وعلاقتها بالقارئ؟
ليس سؤالاً بسيطاً، على الرغم من الأجوبة التقليدية والكليشيهات الجاهزة حول توسيع الآفاق والمدارك واكتساب المعارف وتنمية الذات، فضلاً عن الكلمات الشاعرية عن رائحة الورق ولونه وما إلى هنالك، إلَّا أن تحديد فوائد القراءة مهمة شاقة، ذلك ببساطة أن القراءة المجردة بحد ذاتها لا يمكن أن تكون مفيدة بأي شكل من الأشكال إلَّا لتقوية اللغة والتمكن من أدواتها، أما ما تبقى من مميزات القراءة وفوائدها فيرتبط ارتباطاً لازماً بشخص القارئ وهدفه من القراءة.
بمعنى أن الكتاب كمجموعة مطبوعة من الأوراق لا يمتلك أي فائدة سحرية تتحقق بمجرد قراءته، وإنما هدف القارئ من هذه القراءة هو ما يجعل منها فعلاً مفيداً وذا قيمة.
بالتالي وبناءً على هذا الاعتقاد يمكن أن نتعرف على فائدة القراءة من خلال النظر في أصناف القارئين وطبائعهم، وتحليل أهداف القراءة الشائعة، وإذا كنتم ترغبون في التعرف على فوائد القراءة الصحية وأثرها على الصحة النفسية يمكنكم الاطلاع على هذه المادة (فوائد القراءة للصحة العقلية والنفسية).

القراءة للمتعة
لا شك أن القراءة تجربة ممتعة، خاصة قراءة الكتب التي تحتوي على تجارب إنسانية غنية مثل الروايات والقصص والسيرة الذاتية، وأن تقرأ بهدف المتعة لا يعني بالضرورة ألا تحصل على فوائد أخرى من القراءة، لكن المتعة هي ما تبحث عنه أنت، وستكون المتعة هي المعيار الذي تحكم بواسطته على الكتاب الذي تقرأ إن كان قد حقق ما تنشده منه أم لا.

القراءة للبحث والدراسة
أيضاً تعتبر القراءة المصدر الأول للبحث والدراسة، فعلى الرغم من تطور أساليب التعليم مع وجود التقنيات الحديثة إلا أن القراءة ما تزال المرجع الأول بالنسبة للباحثين والدارسين أو الراغبين في الحصول على معلومات موثوقة وكافية عن موضوع بعينه.
فإذا كنت تبحث مثلاً عن تطور الشعر العربي وتريد معلومات سريعة ومكثفة، قد تتابع مقطع على يوتيوب عن هذا الموضوع، وربما تلجأ لمشاهدة برنامج وثائقي، أما إذا كنت تبحث عن معلومات دقيقة وتفصيلية وموثوقة، سيكون من الأفضل أن تقرأ الجمهرة للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، وتاريخ الأدب العربي لحنا الفاخوري وغيرها من الكتب الموسوعية.

القراءة لتتعلم الكتابة
تعتبر القراءة من أهم العوامل التي تصنع كاتباً محترفاً وجيداً، ويبدو أن كل من يقرأ يحاول ولو لمرة واحدة أن يكتب، لأن في القراءة ما يحفزك على تجريب تقنية الكتابة في التعبير عن الأفكار والخواطر.
ومن يجد في نفسه موهبة الكتابة لا بد له أن يقرأ ويتعرف أكثر على تجارب الكتاب الآخرين ليتمكن من تقديم إضافة مميزة إلى المكتبة الإنسانية.

بريستيج القراءة
نعتقد أن ظاهرة بريستيج القراءة ظاهرة حديثة نوعاً ما، أو على الأقل لم تكن القراءة للبريستيج أمراً شائعاً قبل ثورة الاتصالات، فهناك الكثير من القراء الذين يقرأون ليراهم الناس وهم يقرأون ليس إلا!.
القارئ المتفاخر هذا نادراً ما يهتم بقيمة ما يقرأ مقابل شهرته، وغالباً ما يبحث عن اقتباسات قصيرة رنانة أكثر مما يبحث عن الفكرة وقيمتها، وستجده مصمماً دائماً على وضع اسم الكتاب الذي يقرأه على فيسبوك أو تويتر مع اقتباسات لا تنتهي، كما ستجده مهتماً أيضاً بالوقت الذي استغرقته القراءة، فجزء من البريستيج أن تقرأ كتاباً في يومين!.
المهم في الموضوع؛ أن القارئ للبريستيج قد يعثر بالصدفة على كتاب أو حتى مقال يغير وجهة نظره بالقراءة، ويجعله أقرب إلى الاستفادة من سلوك القراءة استفادة حقيقية وفعالة.

القراءة بوصفها إدماناً
بعيداً عن تحديد فوائد القراءة، تعتبر القراءة إدماناً حقيقياً، فالذي يعتاد القراءة يتوقف عن السؤال (ماذا سأستفيد من القراءة؟)، وتصبح القراءة فعلاً روتينياً، يشبه إلى حد بعيد الطعام والشراب، وكما تقوم المعدة والأمعاء باستخلاص الفوائد من الطعام روتينياً والتخلص من الزوائد والسموم، كذلك يفعل العقل مع القراءة.
وكما أن الجسد قد يخذلنا أحياناً ويتخلص مما هو مفيد أو يبقي على ما هو غير مفيد، كذلك تفعل عقولنا مع ما نقرأه أحياناً.

فوائد إجبارية للقراءة
وبعيداً عن هدف القارئ من القراءة هناك بعض الفوائد التي يحصل عليها القارئ مرغماً، على رأس هذه الفوائد اللغة وفنونها، فمن الثابت أن من يقرأ باستمرار يتمكن من إدراك أدوات اللغة بشكل أفضل، ويتعرف على فن التعبير باللغة ويقترب أكثر من جماليات اللغة، كما يستطيع أن يميز بين لغة الخطاب المستخدمة في كل مجال من مجالات الكتابة.
 

ذات علاقة


كيف أتعود على القراءة؟

القراءة اليومية أفضل الطرق لاكتساب عادة القراءة
يستغرب من لا يقرأ كيف يمكن أن يتعود المرء على القراءة لساعتين متواصلتين مثلاً، وكل يوم، ناهيك عمَّن يقرأ لخمس أو ست ساعات!.
فعلياً القراءة كأي ممارسة أخرى تحتاج إلى الانتظام بالدرجة الأولى لتتحول إلى عادة، وفيما يلي نقدم لكم بعض النصائح والاقتراحات التي تساعدكم بالتعود على القراءة.
- اختر كتاباً مناسباً لاهتماماتك العامة، وسنتحدث في الفقرة القادمة بالتفصيل عن اختيار الكتب.
- اقرأ كل يوم، ولو نصف ساعة، المهم أن تقرأ بشكل يومي، ربما ستقرأ في المواصلات أو في استراحة العمل أو قبل النوم، المهم أن تقرأ يومياً.
- اختر شريكاً للقراءة، من المفيد أن يكون هناك من يشاركك القراءة، ربما تقرأ نفس الكتاب أنت وصديقك، أو ربما تختار كتاب ما قبل النوم أنت وزوجتك وتقرآن معاً.
- ضع هدفاً للقراءة، مثلاً حدد أربعة عناوين ستنهيها خلال شهرين، وتأكد أن تصل إلى هدفك.
- حاول أن تحقق الفائدة القصوى من القراءة لتتمكن من إدراك متعة القراءة، سنتحدث عن كيفية الاستفادة من القراءة في فقرة مستقلة.
- تذكر دائماً أن القراءة عادة، أي أنك ستحتاج للمواظبة على القراءة وبذل الجهد الإرادي في الفترة الأولى، لتجد نفسك تتعلق أكثر بالقراءة وتجيد أكثر التعامل مع الكتاب.
 

كيف تختار كتابك وما هي أسس اختيار الكتب؟

أعرف شخصياً بعض الأصدقاء الذين تخلوا عن الرغبة بالقراءة وأعتقد أن السبب الرئيسي بنفورهم من القراءة هو الاختيار السيء للكتاب.
من المتفق عليه أن اختيار كتاب مناسب يخضع إلى حد بعيد لتفضيلات القارئ وذوقه الخاص، خاصة عندما نتحدث عن الكتب الأدبية، فلم يعرف عالم الأدب حتى اليوم كاتباً لم يتلقَّ نقداً لاذعاً بقدر ما تلقى من الثناء أو أكثر، لذلك يجب أن يفكر كل منا بما يناسبه هو شخصياً.
 هذا لا ينفي بطبيعة الحال أن هناك ما هو رديء وما هو جيد وما هو ممتاز، لكن الاعتبار الأول سيكون لمواءمة الكتاب للقارئ من حيث الصنف الأدبي والأسلوب وحتى الحجم.

تعالوا نحاول معاً أن نرصد بعض الاختيارات الجيدة لقراءة كتاب للمرة الأولى:
قبل أن نقدم لكم بعض الاقتراحات لا بد أن ننبه أن العناوين التي سنذكرها لا تعتبر بالضرورة جيدة بالنسبة للجميع، كما أنها ليست الوحيدة التي يمكن أن تكون بداية موفقة، لكن كما ذكرنا؛ ذوق القارئ وشخصيته وتجربته كل ذلك يتحكَّم إلى حد بعيد بكيفية تفاعله مع الكتاب، والاختيارات التالية نتيجة تجربة كاتب هذه المادة، وقد وجدنا أن الرواية غالباً ما تكون أكثر البدايات تحفيزاً للقارئ الجديد.

- إذا كنت رومانسياً وتستهويك قصص الحب القاسية والمؤثرة ربما ستجرب رواية مرتفعات ويذرنغ  Wuthering Heights للكاتبة الإنجليزية ايميلي برونتي وهي روايتها الوحيدة بالمناسبة، وإذا كنت تميل أكثر للتعقيد والقصص الغريبة ربما ستجد ضالتك في رواية جابرييل جارسيا ماركيز الحب في زمن الكوليرا، وإذا كنت تفضل شيء أقل تعقيداً وأكثر معاصرة يمكنك أن تقرأ من روايات باولو كويلو.
أما إذا كنت تبحث عن كتاب عربي فقد تكون رواية ذاكرة الجسد للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي بداية موفقة، وإذا كنت أميل للكلاسيكيات جرب أن تقرأ الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران.
- إذا كنت من المهتمين بالسياسة وفلسفتها فلن تجد كبداية أفضل من جورج أورويل لتقرأ له، وستكون مزرعة الحيوان رواية ممتعةً جداً في هذا المقام، وربما ترغب في قراءة السيرة الذاتية أو المذكرات لبعض السياسيين من بلدك.
- إذا كنت مهتماً بالأمور الاجتماعية وتفاعل النفس البشرية مع البيئة لماذا لا تجرب أن تقرأ الجريمة والعقاب لديستوفيسكي.
- أما على صعيد الروايات البوليسية ذات الحبكة المتقنة والشيقة فلا نعتقد أن كاتباً أجادها مثلما فعل دان براون، حيث ستجد مئات المعلومات والتفاصيل التاريخية جنباً إلى جنب مع التشويق والمتعة.
- وعلى صعيد الروايات التاريخية التي تكون أشبه بالأفلام الوثائقية لكن بقالب درامي قد تستهويك رواية عزازيل ليوسف زيدان كبداية.
- لمن يبحث عن الخيال والعوالم المفترضة لا نعتقد أن هناك أفضل من رواية الكاتب المصري عمرو عبد الحميد "أرض زيكولا" كبداية.
- إذا كنت من هواة التعقيد أو أدب اللا معقول والعبث فأنت تختار النمط الأصعب من القراءة، وننصحك بشدة أن تنتقي كتبك بدقة لأن خيطاً رفيعاً يفصل بين أدب العبث الممتاز والرائع وبين الهراء، عموماً كتاب العبث النخبة ليسوا كثر، يمكنك أولاً قراءة رواية الخدعة 22 للكاتب الأمريكي جوزيف ميلر كمدخل إلى هذا النمط، ثم يمكنك قراءة مسرحية في انتظار غودو للكاتب الايرلندي صمويل بيكيت، وقد تجد في كتاب التحول للألماني فرانز كافكا تجربة استثنائية.
- أما إذا كنت من هواة الفلسفة وتمتلك خلفية معرفية مناسبة لقراءة الرواية الفلسفية ربما تجد في رواية عالم صوفي لـ جوستاين جاردر ما تبحث عنه، وربما تجد في أسطورة سيزيف لـ فيكتور هوجو تجربة بالغة الأهمية.
- أخيراً وليس آخراً... إذا كنت تبحث عن المأساة وترغب في خوض تجربة شعورية قاسية ومؤلمة؛ جرب أن تقرأ الشيخ والبحر للروائي آرنست همنغواي.
 

كيف تستفيد مما تقرأ؟

هنا مربط الفرس، فإن خطوت الخطوة الأولى نحو القراءة واخترت كتاباً جيداً وتمكنت من تنظيم وقت خاص للقراءة لكنك في نهاية التجربة خرجت من غير فائدة تذكر، لا نعتقد أنك ستكرر التجربة.
لذلك سنقدم لك بعض النصائح التي ستساعدك بكل تأكيد على الاستفادة إلى أقصى حد من القراءة مهما كان نوع الكتاب الذي تقرأه:
1- لا تكن قارئاً كسولاً، ومن حسن حظك أننا في زماننا هذا يمكن أن نسأل جوجل عن كل شيء، فلا تتردد أن تسأل جوجل عن أي مصطلح لا تعرفه أو عن أي معلومة تشك بها، أو حتى للتعرف أكثر على حياة الكاتب أو قراءة بعض الدراسات عن الكتاب أو رؤية صور الأماكن أو الشخصيات ...إلخ.
2- ننصحك أن تؤجل قراءة ما يقوله النقاد والقراء عن الكتاب إلى ما بعد قراءته، وربما تكتفي بالحصول على نصيحة من شخص تثق بذوقه قبل البدء، وأجل الباقي إلى ما بعد قراءة الكتاب.
3- استعن دائماً بورقة وقلم، قم بتدوين الجمل التي تستهويك، وقم بتدوين ملاحظاتك عن الكتاب، البعض يفضل تدوين الملاحظات على الكتاب نفسه.
4- ناقش الكتاب مع آخرين، وحاول أن تبحث عن الأشياء التي لم ترها، أو أن تقدم وجهة نظرك حول الثغرات التي وقع بها الكاتب.
5- تعامل مع التجارب الرديئة كما تتعامل مع التجارب الممتازة، بمعنى أن التجربة الرديئة في القراءة تعتبر قيمة مضافة أيضاً، تمكنك من التعرف أكثر على مواطن الرداءة وتعزز لديك حس المقارنة.
6- على ذكر المقارنة، قارن دائماً بين الكتب المختلفة التي تقرأها، حاول أن تكتشف منهج الكتَّاب وطريقتهم، وقد تكون قراءة قصة حياة الكاتب مفيدة للتعرف كيف استطاع أن يعيد صياغة ذكرياته، فالكاتب لا يأتي بما يكتبه من العدم، فمثلاً معظم الشخصيات التي قدمها ماركيز في رواياته كانت شخصيات حقيقية، كذلك المفاهيم التي طرحها كانت هواجس عاشها.
7- اكتب؛ في كل مرة تقرأ جرب أن تكتب شيئاً، قد يكون وثيق الصلة بما قرأته، وقد يكون شيئاً فريداً جداً.

أخيراً... نتمنى أن نكون قد قدمنا لكم في هذه المادة قيمة مضافة ونصائح مفيدة، ونتمنى أن تشاركونا آراءكم وتجاربكم حول القراءة من خلال التعليقات.