"كنت أرغب في تركه والطلاق، لكنني لم أكن أعرف كيف.. ربما ما زلت أحبه".. كثيراً ما أسمع هذه الجملة الصادمة من سيدات تتعرضن لعنف جسدي وتعسف نفسي من زوج مؤذي ومتنمّر، لكني ربما أتوقف عن التساؤل: لماذا تكون امرأة مخبولة جداً وضعيفة إلى هذا الحد!؟ وتبقى في علاقة مسيئة!!.. حيث لا توجد إجابة.. فحكمي أو حكمك عليها بأنها مخبولة أو غبية؛ يزيد من خجلها، فلنتوقف عن إطلاق الأحكام، لأن هؤلاء النسوة المعنّفات لن يتلقين لكمة في أول يوم من زواجهن، وأنت تعرف أن الزيجات المسيئة لا تبدأ بهذا الشكل على أرض الواقع، بل يكون الزواج ساحراً ويرضيها!.. ربما كانت لديها علامات على خطورة ما هي مقبلة عليه، لكنها تجاهلت وصبرت حتى أخذت حياتها منعطفاً مختلفاً عن علاقات الزواج التقليدية... فما هو تأثير العنف على المرأة وكيف يؤثر على صحتها النفسية؟ 


الأسئلة ذات علاقة


العنف النفسي ضد المرأة

 

تتراكم الخلافات والمشكلات حتى تغرقين 
يستغرق الاعتداء الجسدي أو العاطفي في العلاقة الزوجية وقتاً حتى يتضح ويصبح مباشراً، حيث يبدأ كاعتداء نفسي ويشبه صنبور الماء الذي يقطر حتى ينكسر يوماً ويتدفق، ممكن أن يبدأ هذا التسريب بمزحة صغيرة مثل: "أنتِ حساسة جداً"، يبدو هذا الكلام تافهاً وغير مهم.. مع مرور الوقت تعتبرين أن هذا الكلام عادي من شريك حياتك ولا تلمسين فيه أي تفصيل كبير أو مشكلة، كما أنه عندما يسألك "لماذا ترتدين هذا الثوب أو لماذا تلتقين هذه الصديقة؟".. فإنك تظنيه مجرد سؤال عادي بسبب حبه واهتمامه بك، ثم عندما يطلب منك ترك صديقة لأنه لا يحبها، تفكرين أن "زوجك أكثر أهمية من صديقتك".. وبكل بساطة تقومين بقطع علاقتكِ بها!.. ويزداد تسريب صنبور المياه نقطة.. نقطة..
 
عنف الزوج النفسي يثير شكوك الزوجة بنفسها
قد يمنعك من "ارتداء ثياب معينة أو الخروج في زيارة ما"... الخ، وعندما يكون مزاحه أكثر من مجرد مزاح.. تقنعين نفسك بأن ذلك لا يعني شيء.. ونقطة.. نقطة، يبدأ الشك لديك وتحاولين أن تكوني زوجة أفضل لتعوضي "النقص الذي يُشعرك زوجك بوجوده عندك"، فجأة قد تستيقظين في منتصف الليل على صوت صراخه لأنه يريد عشاءه ساخنا في اللحظة والثانية ذاتها، قد ينعتك أيضاً بالمجنونة إذا واجهتيه بكذبه، وبكل بساطة.. يرد في ذهنك السؤال: "هل أنا مجنونة؟ قد أكون مجنونة فعلاً!!!" وهكذا.. تلومين نفسكِ: "إذا لم أقل ما قلته، لن يكون غاضباً بهذا الشكل، هذا خطأي.. أحتاج فقط الحفاظ على الهدوء، يجب أن أعرف كيف أتعامل معه بشكل أفضل عندما يغضب"... وما إلى ذلك من التبريرات التي قد تساعدك على الصبر، وتنسين في أعماقك أنها مجرد مسكنات مؤقتة.. وسيستمر الوضع من سيئ إلى أسوء، وتعتبري نفسك ناكرة للجميل وأنك المخطئة أولاً وأخيراً!
 
لماذا تختار الزوجة البقاء رغم عنف الزوج؟
تخجلين من وضعك تضعفين وتشعرين بالهزيمة.. اخترتي هذا الرجل وأنجبتِ أطفالاً.. إنه خطؤك أولاً وأخيراً! سترعبك فكرة أن يحوم زوجك حولك وهو الأقدر على الأذية الجسدية.. فيسيطر عليكِ شعور الرعب؛ من أن يصرخ في وجهك: "اذهبي.. اغربي.. لكن الأطفال يبقون"..
كل ذلك.. ونحن نعلم أن الأمر ليس بهذه السهولة، ستختارين البقاء لأسباب عديدة؛ من أجل الأطفال، ولأنك لا تمتلكين المال لبدأ حياة جديدة، كذلك لأنك تخافين عنفه، وتخشين ردّ فعل المجتمع وأهلك ومعارفك وأصدقائك على كونك امرأة مطلّقة.
هذا الجواب على سؤال لماذا تبقين؟.. لأنك وحيدة وتعتمدي عليه مالياً، قال لك أنكِ "عديمة القيمة".. ثم كنتِ على أهبة الاستعداد دائماً لكل شجار قادم، فبقيتِ لأنكِ كنتِ تخشين أكثر.. من الرحيل.
لكن وهنا يبدأ تركيز موضوعنا في الحديث عن مدى الأذية النفسية، التي تتعرض لها صحتكِ طالما قررتِ البقاء عزيزتي!

ذات علاقة


اضطراب المرأة بسبب العنف

هل يمكن لعلاقة مسيئة عاطفياً أن تسبب اضطرابات ما بعد الصدمة؟
أي نوع من الإساءة.. سواء كانت جسدية أو عاطفية أو عقلية أو جنسية أو غيرها؛ يمكن أن يؤدي إلى اضطراب ما بعد الصدمة، لأن هذه الإساءة تجربة مؤلمة للغاية، وهي صدمة وتجربة محبِطة عاطفياً إلى حد كبير.. يكون فيها إحساس المرء بأن سلامته العاطفية أو الجسدية في خطر، وعندما يعاني شخص ما من هذا النوع من الاضطراب العاطفي، لا يستطيع الدماغ معالجة المعلومات بفاعلية بسبب إفراط هرمونات الإجهاد التي تسبب استجابة "القتال أو الهروب أو التجمد" بعد وقوع حدث صادم، كما يمكن أن تتعطل ذاكرة الصدمة أو تتجمد الحادثة في بعض الأحيان في الذاكرة على المدى القصير.
 
على الرغم من أن دماغنا يقوم بذلك استعداداً لحمايتنا من أي خطر محتمل مستقبلي، بالتالي قد يصبح غير مريح وهذا هو السبب في أن بعض الأمور المؤلمة، التي حدثت منذ فترة طويلة.. يمكن أن تُشعرك في بعض الأحيان وكأنها تحدث في الوقت الحالي، وعندما يحدث هذا يمكن للمرء تجربة مجموعة متنوعة من الأعراض بما في ذلك:
- الحساسية المفرطة
- القلق
- التفكير المبالغ فيه
- الكوابيس
- ذكريات الماضي
- صعوبة في التركيز
 
يمكن أن تتكون العلاقة المسيئة من عدة أحداث مؤلمة (من ضمنها ما تحدثنا عنه أعلاه)، التي يمكن أن تتسبب في بقاء هذه الأعراض حاضرة خلال العلاقة الزوجية المسيئة للمرأة، وحتى بعد فترة طويلة في حال انتهاء هذه العلاقة بالطلاق، وفي غضون الشهر الأول الذي يلي هذه التجربة المؤلمة، إذا كانت هذه الأعراض موجودة، فإنه يُعتبر بمثابة تفاعل مع الإجهاد الحاد، وعندما تكون هذه الأعراض لمدة أطول من شهر واحد، يمكن تشخيصه بأنه اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

علامات العنف العاطفي

ما هي الآثار قصيرة وطويلة الأجل للإساءة العاطفية؟
إذاً الاعتداء العاطفي هو بنفس خطورة الإساءات البدنية وغالبا ما يضاهيها، وفي بعض الأحيان يحدثان معاً، وإذا كنتِ تتساءلين عما إذا كان يحدث لك، تذكري أولاً أن الإساءة العاطفية غير طبيعية لكن مشاعركِ هي الطبيعية، إليك بعض العلامات التي تبدر من الزوج على تعنيفه النفسي للزوجة:
- يصرخ عليها
- يقلل احترامها
- يشتمها أو يسخر منها
- يحاول مسح شخصيتها
- يغزو خصوصيتها
- يعاقبها بصمته وسلبيته إذا لم تفعل ما يريد
- يحاول السيطرة على حياتها
- يعزلها عن العائلة والأصدقاء
- يقوم بتهديدات خفية أو علنية
 
آثار العنف العاطفي على المدى القصير:
قد تكونين في حالة إنكار منذ البداية، كما تحدثنا أعلاه.. ويمكن أن يكون صادماً تعرضك لمثل هذا الموقف، حيث قد يكون لديك المشاعر التالية:
- ارتباك
- خوف
- يأس
- خجل
 
هذه الإساءة العاطفية يمكن أن تؤدي أيضاً إلى آثار جانبية سلوكية وجسدية قد تواجهك؛ مثل:
- صعوبة في التركيز
- سلبية ونكد
- شد عضلي
- كوابيس
- تسرع ضربات القلب
- الأوجاع والآلام غير واضحة المصدر
 
الآثار طويلة الأجل للعنف العاطفي
تشير الدراسات إلى أن الإيذاء العاطفي الشديد؛ يمكن أن يكون ذي آثار خطيرة مثل الإساءة الجسدية، ومع مرور الوقت يمكن أن يساهم كلاهما في تدني احترام الذات والاكتئاب، كما يمكن أن يتطور لديك أيضاً:
- القلق
- ألم مزمن
- الشعور بالذنب
- الأرق
- الانسحاب الاجتماعي أو الشعور بالوحدة تفضيل العزلة
- ويرى بعض الباحثين أن الإساءات العاطفية، قد تساهم في تطوير حالات مثل: متلازمة التعب المزمن أو فيبروميالغيا (Fibromyalgia).

مكافحة العنف العاطفي

كيفية التخلص من أثار العنف العاطفي
 
يمكن أن يؤدي الإيذاء العاطفي إلى أعراض عقلية وجسدية يجب عدم تجاهلها، ويمكنك معالجة هذه الآثار من خلال:
 
أولاً: اتباع التمارين الرياضية: يمكن أن تفيد بشكل أكثر من مجرد الحفاظ على لياقتك البدنية، حيث تشير الأبحاث إلى أن التمارين الرياضية ذات الكثافة المعتدلة أو مزيج من النشاط الرياضي المعتدل للتمارين في الهواء الطلق لمدة 90 دقيقة على الأقل في الأسبوع يمكن أن:
- تساعدك على النوم بشكل أفضل
- تبقيك متيقظ ونشيط
- تقلل من خطر الاكتئاب
حتى النشاط البدني الأقل كثافة مثل المشي يومياً.. يمكن أن يكون مفيداً، إذا كنت لا ترغب في التدريبات المنزلية، ففكر في الانضمام إلى نادي للسباحة، أو فنون الدفاع عن النفس، أو حتى الرقص.. مهما كان ما يجعلك تتحرك.
 
ثانياً: كن اجتماعياً: يمكن أن تحدث العزلة الاجتماعية ببطء شديد بحيث لا تلاحظها، وهذا ليس جيداً حيث يمكن للأصدقاء مساعدتك على الشفاء، كما أن هذا لا يعني أن عليك التحدث معهم عن مشكلاتك (ما لم ترغب في ذلك)، لكن مجرد الاستمتاع بصحبة الآخرين والشعور بالقبول.. قد يكون كافياً لتعزيز معنوياتك، كما يمكنك أن تقوم بما يلي: 
- الاتصال بصديق قديم لم تتحدث إليه منذ فترة طويلة لمجرد الدردشة.
- دعوة صديق لمشاهدة فيلم أو الخروج لتناول الطعام.
- قبول الدعوة للخروج؛ حتى عندما تكون رغبتك هي البقاء في المنزل بمفردك.
- انضم إلى فصل دراسي أو نادي للتعرف على أشخاص جدد.
 
ثالثاً: راقب نظامك الغذائي: يمكن أن يعيث الإيذاء العاطفي فسادا في نظامك الغذائي، يمكن أن تقودك إلى الشراهة أو اضطرابات التغذية، أو إلى كل العادات الغذائية الخاطئة، إليك بعض النصائح التي يمكن أن تساعد في الحفاظ على مستوى الطاقة لديك وتقليل التقلبات المزاجية:
- تناول مجموعة متنوعة من الفواكه والخضروات والبروتينات الخالية من الدهون.
- تناول عدة وجبات متوازنة على مدار اليوم.
- تجنب الشراهة أو تخطي الوجبات.
- تجنب الكحول والمخدرات.
- تجنب الأطعمة السكرية والمقلية والمعالجة بدرجة حرارة عالية.
 
رابعاً: اجعل راحتك أولوية: يسلبك التعب الطاقة والتفكير، فيما يلي بعض الطرق لتعزيز نوم ليلة جيدة:
- اذهب إلى الفراش في نفس الوقت كل ليلة واستيقظ في نفس التوقيت كل صباح، اجعله هدفك للنوم على الأقل مدة سبع ساعات في الليلة.
- افعل شيئا للاسترخاء ساعة قبل وقت النوم.
- أزل الأدوات الإلكترونية من غرفة نومك.
 
 يمكنك أيضاً المساعدة في تخفيف التوتر من خلال ممارسة تقنيات الاسترخاء، مثل:
- الاستماع إلى الموسيقى المهدئة
- العلاج العطري (البخور)
- تمارين التنفس العميق
- اليوغا
خامساً: تطوع: قد يبدو الأمر غير متوقع، لكن التطوع بوقتك لمساعدة الآخرين، يمكن أن يساعد في تخفيف التوتر والغضب والاكتئاب، ابحث عن قضية محلية تهتم بها وتطوع.

متى تحتاج إلى مساعدة اختصاصي؟

على الرغم من أن تغييرات نمط الحياة قد تكون كل ما تتطلب.. معالجة آثار العنف العاطفي؛ فقد تجد أنك بحاجة إلى شيء أكثر من هذا وهو الأمر طبيعي، وتجد استشارة مهنية مفيدة إذا كنت:
- تتجنب جميع المواقف الاجتماعية.
- إذا كنت مكتئب.
- في كثير من الأحيان خائف أو قلق.
- تعاني من كوابيس متكررة أو ذكريات الماضي.
- غير قادر على القيام بمسؤولياتك.
- غير قادر على النوم.
- تهرب لاستخدام الكحول أو المخدرات للتعامل مع المشاكل.
 
في النهاية.. العلاجات الحديثة ومجموعات الدعم، كذلك العلاج السلوكي المعرفي؛ ليست سوى بعض الطرق الاحترافية لمعالجة آثار الانتهاك العاطفي... وهناك طرق عديدة للشفاء من اضطراب ما بعد الصدمة، ومن المهم أن تعرفي أنه ليس عليك القيام بذلك بمفردك، فكل من كان في علاقة مسيئة سيسعى حتماً لطلب المشورة، حيث يمكن أن يؤدي الإيذاء العاطفي إلى أثار على الصحة العقلية والجسدية يجب عدم تجاهلها، شاركنا من خلال التعليق رأيك في موضوع العنف النفسي ضد الزوجة.