يعود اكتشاف الكورتيزون إلى عام 1933م عندما تمكّن فريق أمريكي من الأطباء والكيميائيين من عزل الكورتيزول (الهيدروكورتيزون) من داخل الغدد الكظريّة للحيوانات، ولأوّل مرّة في التاريخ كان من الممكن علاج المرضى المصابين بالتهاب المفاصل الروماتزمي عند أخذهم لهذا الدواء الجديد، وبالرغم من أنّه لم يتم شفاء هؤلاء المرضى إلّا أن الأعراض التي كانوا يعانون منها تحسّنت بشكل كبير؛ ليتم في عام 1950م منح جائزة نوبل للطب والفيزيولوجيا لهذا الفريق تكريماً لهم على هذا الاكتشاف العظيم الذي حسّن من الإنذار المتعلّق بالعديد من الأمراض.
سنتعرّف في هذا المقال على الآليّة التي يعمل بها الكورتيزون وعلى أهم الأمراض التي يُستعمل في علاجها، كما سنقرأ معاً عن آثاره الجانبية وغيرها من الأمور التي تريد أن تعرفها عن الكورتيزون.
 


الأسئلة ذات علاقة


ما هو الكورتيزون؟

تستلقي فوق كليَتَي كل شخص منّا غدّة صغيرة ذات شكل هرمي تُدعى بالغدّة الكظريّة. تتألّف الغدّة الكظريّة من جزأين اثنين يقومان بإنتاج هرمونات مختلفة تُعدُّ أساسيّةً لبقائنا على قيد الحياة، ولكلٍّ منهما وظيفة معيّنة، وهما:
- الجزء المركزي: يُدعى أيضاً بلب الكظر، يقوم لب الكظر بإنتاج الأدرينالين (الإيبنفيرين) والنورأدرينالين (النورإبنفيرين) بشكل أساسي.
- الجزء المحيطي: يُطلق على هذا الجزء من الغدّة الكظريّة اسم قشر الكظر، يعمل على إفراز الهرمونات الأندروجينيّة (كالتوستوسترون، دي هيدرو إبي أندروستندونDHEA )، بالإضافة للستيروئيدات القشريّة المعدنيّة (كالألدسترون) والستيروئيدات القشريّة السكريّة، يُعتبر الكورتيزول (الهيدروكورتيزن) الهرمون الأساسي الذي يتم إفرازه من قشر الكظر ليلعب هذا الهرمون دوراً حاسماً في تنظيم وظائف الجسم الأساسيّة (استقلاب السكريّات، وظائف الجهاز المناعي، الالتهاب)، ونظراً لأهميّة الوظائف السابقة للجسم فإنّ الكورتيزون يعدّ واحداً من أكثر الهرمونات التي ينتجها جسمنا حيويّةً.


أدوية الكورتيزون مضادة الالتهاب والتحسس
يمتلك هذا الهرمون الطبيعي خواصاً مضادةً للالتهاب ومثبّطة للجهاز المناعي ما يجعل الكورتيزون الدوائي من أكثر الأدوية التي يفضّلها الأطباء في علاج أمراض المناعة الذاتيّة، كما تبيَّن أنّ استعماله مفيدٌ في حالة الأمراض الالتهابيّة والتحسّسيّة، وقد نجح الأطباء في تركيب أدوية ذات تأثيرات مشابهة لتأثيرات الكورتيزول الطبيعي مثل: البريدنيزون (Prednisone ) والبريدنيزولون (Prednisolone)، غالباً ما يتم الإشارة للمركّبين السابقين من قبل العامّة ومن قبل الأطباء أيضاً باسم "الستيروئيدات" أو "الكورتيزون".
 


كيف يعمل الكورتيزون؟

يوجد العديد من الآليات المعقّدة التي يمارس بها الكورتيزون تأثيراته على الخلايا، فبعد أن يقوم الجسم بامتصاصه يبدأ بالتأثير على الخلايا عبر مستقبلات نوعيّة  أي أنها مخصّصة لاستقبال جزيئات الكورتيزون دون غيره، توجد هذه المستقبلات على سطح جميع خلايا الجسم إلّا أنّ عددها يختلف باختلاف نوع الخليّة.
يصبح الكورتزون بعد ارتباطه مع مستقبلاته قادراً على تنظيم العديد من الفعاليّات الخلويّة، مثل تأثيره المثبّط للمناعة، قيامه بزيادة البروتينات المضادة للالتهاب (الالتهاب عبارة عن ارتكاس مناعي للجسم استجابةً لبعض الأجسام الغريبة) والتقليل من تلك الجزيئات التي تسبّبه.
يستعمل الكورتيزون كمضاد للحساسية ومثبط للمناعة
 يُستخدم الكورتيزون الدوائي في الحالات التي تكون مناعة الجسم متزايدة عن حدّها الطبيعي وتسبّب التهابات كما في حالات الروماتزم أو أن خلايا المناعة الطبيعية تُصاب بالخلل فتخطأ وتهاجم خلايا الجسم الطبيعيّة ظناً منها أنها أجسام غريبة كما في مرض الذئبة وغيرها، لذلك يتم إعطاء مثبّطات المناعة للمريض متل الكورتيزون، كما يقوم الكورتيزون بإنقاص إنتاج أنواع معيّنة من الخلايا (بما فيها بعض أنماط خلايا الدم البيضاء) الأمر الذي يعد مفيداً في علاج العديد من الأمراض؛ الأمر الذي نتحدث عنه تالياً ببعض التفصيل
 

العلاج بالكورتيزون

ما الحالات التي تتطلّب العلاج بالكورتيزون؟ يُستعمل الكورتيزون لتخفيف الالتهاب الحاصل في بعض مناطق الجسم، فهو ينقص من التورّم، الاحمرار، الحكّة وأيضاً من الارتكاسات التحسّسيّة. غالباً ما يقوم الأطباء بوصف الكورتيزون بالإضافة إلى أنماط أخرى من الأدوية بهدف علاج مجموعة واسعة جدّاً من الأمراض تضم أكثر من 100 مرض، مثل:
1- الحالات الشديدة من الحساسيّة.
2- الأمراض الجلديّة.
3- الربو.
4- الأمراض الروماتزميّة.
يعمل الجسم على إفراز الكورتزول (الهيدروكورتيزون) لتبقى بصحّة جيّدة؛ في حال لم يكن إنتاج الجسم من الكورتزول كافياً؛ قد يقوم الطبيب بوصف الكورتيزون بغرض تعويض النقص الحاصل.
 

الكورتيزون الدوائي

كيف تأخذ أدوية الكورتيزون؟
 يقوم الطبيب بتزويدك  بكل المعلومات التي يجب أن تعرفها قبل أن تأخذ الكورتزون وهي:
• وقت أخذ الجرعة:
من الأفضل أخذ الكورتزون في الصباح لمحاكاة إنتاج الجسم من هذا الهرمون الذي يتم غالباً في هذا الوقت من اليوم، لكن قد يقوم طبيبك باقتراح أخذك لجرعتين منفصلتين (مثلاً في الصباح/ الظهر أو بعد الظهر/ المساء) وذلك بالنسبة لبعض الأمراض والحالات الشديدة.
• علاقته بالطعام: يُنصح بأخذ الكورتيزون مع وجبة الطعام.
• جرعة الكورتيزون: تختلف الجرعة البدئية للدواء بشكل كبير باختلاف نوع المرض الذي توصف لعلاجه، على الشكل التالي:
- يكفي استعمال 5- 10 ملغ من البريدنزون كجرعة بدئيّة في علاج بعض الأمراض كالتهاب المفاصل الروماتزمي.
- قد تتطلب الأمراض الأخرى كداء كرون والذئبة الحماميّة الجهازية؛ جرعةً أكبر من الممكن أن تصل حتى 50 ملغ في اليوم.
- ربّما يحتاج علاج بعض الأمراض استعمالاً لجرعةٍ عالية من ميتيل البريدنيزولون (أحد أشكال الكورتزون)، يتم إعطاؤها بالطريق الوريدي، وقد تبلغ هذه الجرعة 1000ملغ باليوم الواحد، يُطلق على هذه الطريقة اسم العلاج النبضي.
- يتم خفض جرعة الدواء بعد الحصول على النتائج المرجوّة، وذلك للتقليل من احتمال ظهور الآثار الجانبيّة له.
• التوصيات المتعلّقة بالكورتزون: يجب أن تتوخّى الحذر عند استخدامك لهذا الدواء عن طريق تجنّب القيام بالأمور التالية:
- أخذ الدواء دون وصفة طبيّة، فقد يؤدي ذلك لزيادة المرض الذي تعاني منه سوءاً في حال أخطأت بتشخيص مرضك، فعلى سبيل المثال قد يؤدّي أخذك للكورتزون عند إصابتك بالإنتان لتطوّره وارتفاع خطره.
- إيقاف الدواء بشكل مفاجئ دون استشارة الطبيب، ما قد يؤدّي إلى عودة المرض من جديد، بالإضافة لزيادة خطر حدوث قصور في الغدّة الكظرية أو اختبارك لأعراض سحب الكورتيزون بعد إيقافه.
 

آثار أدوية الكورتيزون

ما الآثار الجانبيّة لأخذ الكورتيزون؟
من الواضح أن الكورتيزون يُعد من أكثر الأدوية التي تثير قلق المرضى إن لم يكن أكثرها على الإطلاق، ولربّما يعود مصدر هذا القلق للآثار الجانبيّة التي يسبّبها، إلّا أنّ هذه الآثار غالباً ما تكون غير مهمة أو في حدودها الدنيا دون أن تسببّ أي خطرٍ على الحياة (كحدوث صعوبة في النوم مثلاً) وهي لا تستدعي إيقاف الدواء، حيث  يختبر 60- 80 % من الأشخاص الذين يستعملون الكورتيزون؛ أثراً جانبيّاً واحداً على الأقل خلال فترة العلاج.
تختلف الخطورة الناتجة عن استعمال الكورتيزون بين شخص وآخر اختلافاً كبيراً كما تعتمد على جرعة الدواء ومدّة العلاج، فلا تظهر بعض الآثار الجانبيّة للدواء (كقصور الكظر) إلّا في حال استعماله لمدّة طويلة، بينما قد لا تحتاج الآثار الأخرى أكثر من 5 أيام حتّى تبدأ بالتظاهر كالأرق وزيادة الشهيّة، وفيما يلي لائحةٌ بأهم الآثار الجانبيّة الناتجة عن استعمال الكورتزون:
 

الآثار الجانبيّة قليلة الخطورة:
1- حب الشباب، جفاف الجلد، الجلد الرقيق.
2- تلوّن الجلد أو غياب لونه.
3- الأرق.
4- تقلّب المزاج.
5- التعرّق المفرط.
6- الصداع.
7- الغثيان، ألم المعدة أو النفخة.
8- تباطؤ سرعة شفاء الجروح.
9- تغيّر في شكل وموقع شحوم الجسد.

الآثار الجانبيّة الخطيرة:
عليك أن تستدعي المعالجة الإسعافية وبشكل سريع عند اختبارك لأي من علامات الصدمة التحسّسية (التآقيّة)، وهي عبارة عن تفاعل تحسّسي شديد يتظاهر بالطفح الجلدي وصعوبة في التنفس أو بتورّم الوجه، الشفاه، اللسان أو الحلق. يجب استدعاء الطبيب في حال اختبار المريض لأي من الأعراض والعلامات التالية، فهي تحمل دلالة خطيرة:
1- مشاكل في الرؤية.
2- تشكّل الوذمات.
3- زيادة الوزن السريعة.
4-    ضيق النفس.
5- الاكتئاب الشديد، وفي حال راودتك أفكار غير اعتياديّة أو بدأت بالتصرّف بشكل منافٍ لطبيعتك.
6- الاختلاج.
7- نفث الدم (خروج دم أثناء السعال).
8- التغوط الدموي.
9- علامات لالتهاب البنكرياس (ألم شديد أعلى المعدة ينتشر باتجاه الظهر، غثيان وإقياء، تسرّع ضربات القلب).
10- انخفاض تركيز البوتاسيوم (التعب والإنهاك، تشنّج في عضلات اليدين والساقين قد يكون شديداً لدرجة مشابهة لما يحصل في الشلل، الإمساك، تسرّع ضربات القلب أيضاً). 
11- ارتفاع ضغط الدم الشديد. 
12- قد يرتفع مستوى سكّر الدم لديك في حال كنت مصاباً بالداء السكري أثناء أخذك للكورتيزون.
تكلّم مع طبيبك حول أفضل الطرق التي يمكنك اتِّباعها حتى تتخلّص من هذه الآثار الناجمة عن أخذ الكورتيزون.
 

ما موانع استعمال الكورتيزون؟

لا يوجد أي مضاد استطباب قطعي للكورتيزون عندما يكون أخذ هذا الدواء ضروريّاً لك، إلّا أنّه وبالرغم من ذلك توجد بعض الحالات التي لا ينصح فيها بأخذ الكورتيزون مثل:
1- الأمراض الإنتانيّة المتطوّرة، وذلك لكون الكورتيزون يُضعف من قدرة الجهاز المناعي على التخلّص من العوامل الممرضة.
2- الاضطرابات النفسيّة الشديدة  غير المعالجة بشكل ناجح، حيث أن الكورتيزون يتطلّب تعاون المريض والتزامه التام بالجرعة والموعد المحدّدين، ما قد يكون صعب التحقيق في هذه الحالة.
3- لدى الأشخاص الذين تلقّوا لقاحاً حيّاً مضعفاً (كلقاح السل) في الآونة الأخيرة، يتم في هذا النوع من اللقاحات تعريض الشخص لفايروس أو جرثوم ما بعد إضعافه بالحرارة أو ببعض المواد الكيماويّة حتّى يفقد قدرته على إحداث المرض وذلك بوجود مناعة سليمة وطبيعيّة؛ بما أنّ الكورتيزون يثبّط المناعة فهو يفسح المجال أمام العوامل الممرضة المستخدمة بهذه اللقاحات حتّى تُفلت من قبضة الجهاز المناعي لتنمو وتتكاثر.
4- حالات القرحة المعديّة الفعّالة، يُفضّل هنا تجنب استعمال الكورتيزون بالطريق الجهازي (كحبوب وحُقن الكورتزون الوريديّة)، لكونه يزيد من إفراز الحمض المعدي، بالتالي سيؤثر سلباً على مرضى القرحة المعديّة.
5- عند الإصابة بمرض السكّري أو ارتفاع الضغط الشرياني.
كما يوجد بعض التحذيرات المتعلّقة باستخدام العلاج الموضعي بالكورتيزون (المراهم، الكريمات، القطرات العينيّة، الحُقن داخل المفصل وغيرها..) في بعض الحالات مثل:
1- الحُقن داخل المفصل: في حالة اضطراب تخثّر الدم، وجود عيوب في الجلد مكان الحقن، الكسور المفصليّة.
2- العلاج العيني: الزرق، التهاب قرنيّة العين بفايروس الحلأ (Herpes).
3- العلاج الجلدي: وجود إنتان موضعي.

التداخل الدوائي مع الكورتيزون

ما الأدوية والمكملات الغذائية التي تتداخل مع الكورتزون؟
يوجد العديد من الأدوية التي تتداخل مع الكورتزون، لهذا  عليك أن تخبر طبيبك عن كل الأدوية التي تأخذها سواء كانت بوجود وصفة طبيّة أو بدونها، قانونيّة أو لم تكن، حتّى العلاجات العشبيّة والمكمّلات الغذائية التي تتناولها أثناء أخذك للكورتيزون وخصوصاً:
1- الأدوية التي تؤثر على مستوى البوتاسيوم في الدم (مثل المدرّات البوليّة، بعض أدوية الإمساك).
2- الأدوية المعروفة بتركها آثار جانبيّة عند انخفاض مستوى البوتاسيوم في الدم (كأدوية الديجتال المقوّية للقلب).
3- الأدوية التي تخفض من تركيز الكورتيزون بالدم مثل الريفامبسين (Rifampicin) وهو من الصادات (مضادات) الحيويّة، كذلك مضادات الاختلاج كالكارباميزبين (Carbamazepine)، الفينوباربتال (Phenobarbital)، الفينوتوئين (Phenytoin)، البريميدون (Primidone).
4- الليثيوم (يُنقص الكورتزون من مستوى الليثيوم بالدم).
5- الأسبرين.
6- مميّعات الدم كالورافاراين (Warfarin).
7- الأنسولين، خافضات السكّر الفمويّة.
8- الكحول، قم بالحد من استهلاكك للمشروبات الروحيّة أثناء خضوعك للعلاج بالكورتيزون.
وكما ذكرنا سابقاً فإنّ الكورتيزون يرفع من سكّر الدم ومن الضغط الشرياني، فمن الضروري إجراء تعديلات على جرعة أدوية مرض السكّر وعلى أدوية الضغط؛ ذلك عند عدم وجود بديل عنه.


وختاماً.. نذكّر بالأهميّة الكبيرة لاكتشاف الكورتيزون الذي أحدث ثورةً بالمعنى الحرفي في مجال علاج أكثر من مئة مرض، وككل الأدوية الموجودة قد يسبّب الكورتزون بعض الآثار الجانبيّة، إلّا أنه وباتباعك لإرشادات الطبيب نادراً ما تكون خطيرة للدرجة التي تبرّر ذلك الخوف المفرط من قبل البعض لاستعمال الكورتيزون.