ظهر اسم هذا الدواء وانتشر إعلامياً بشكل واسع في السنوات الأخيرة وخاصة في نشرات الأخبار، فهو الذي يسمى أحياناً بحبوب الهلوسة أو الحبوب المنشطة التي استعملتها التنظيمات المسلحة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على المقاتلين من أجل تنشيطهم ودفعهم للقتال بوحشية وبدون خوف أو تردد.
ما هو هذا العقار الخطير؟ متى بدأ استخدامه؟ وما هي آثاره على صحة المتعاطي؟ هذا ما سنعرفه في المقال التالي.
 


الأسئلة ذات علاقة


تعريف دواء كبتاجون

ما هي حبوب كبتاجون؟ ولماذا تم استخدامها؟
في الحقيقة يعتبر اسم كبتاجون (Captagon) واحداً من الأسماء التجارية لمركب كيميائي يدعى فينيثيلين هيدروكلوريد (Phenethyline Hydrochloride)، وهو منشط عصبي كيميائي مصنوع من مزيج من الأمفيتامين والثيوفيلين، وهما مادتان مستخدمتان في الأدوية المخدرة والمنشطات الممنوعة عالمياً.
تنسب بعض المصادر تركيب هذا الدواء لأول مرة إلى عام 1919، ولكنه في الحقيقة ظهر بشكل تجاري منذ عام 1961، إذ تم استخدامه لمدة 25 عام في المجالات التالية:
- علاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى الأطفال (ADHD).
- في حالات أقل شيوعاً كدواء منشط لعلاج اضطراب النوم الانتيابي (Paroxysmal Sleep) أو السنة (Narcolepsy)، وهو اضطراب عصبي يسبب نوبات من النعاس أو النوم التلقائي الذي لا يستطيع المريض مقاومته.
- يذكر أيضاً أن الدواء استخدم لعلاج الاكتئاب.
- تم تجريب الكبتاجون ومشابهاته بشكل غير ناجح لعلاج الصداع النصفي (الشقيقة) والصرع والإدمان على الكحول وحتى أعراض الزكام من ضيق النفس واحتقان الطرق التنفسية.

في ذلك الوقت استخدم اعتبر المزيج في كبتاجون هو المعتمد في علاج النعاس الدائم، وأصبح مفضلاً على الأمفيتامين لوحده، ومن الأسباب الرئيسية لهذا الخيار أن الكبتاجون لا يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم بنفس الشدة التي يحدثها الأمفيتامين لوحده لدى تناول المريض لنفس الجرعة من الدواءين، خاصة لدى المصابين بالأمراض القلبية والوعائية.
في البداية تم الترويج للفينيثيلين (كبتاجون) باعتباره بديلاً آمناً يحمل آثاراً جانبية خفيفة بالمقارنة مع الأمفيتامين وقابلية أقل للإدمان، بالرغم من ذلك تم تصنيفه في الولايات المتحدة الأميركية كدواء مراقب في عام 1981، ومن ثم أصبح ممنوعاً في أغلب بلدان العالم بحلول عام 1986 بعد أن حذرت منه منظمة الصحة العالمية وصنفته مع العقارات ذات التأثير النفسي الخطير في نيسان أبريل من عام 1985، بالرغم من أن حالات الإدمان على الكبتاجون كانت قليلة ومحدودة جداً في ذلك الوقت.


آلية عمل كبتاجون

كيف يعمل هذا العقار؟
ذكرنا أن كبتاجون مشابه من الناحية الكيميائية لعائلة من العقارات تدعى بمجموعة الأمفيتامين (Amphetamines)، هذه الأدوية مصنعة بشرياً في المخابر ولكنها مرتبطة كيميائياً بنواقل عصبية موجودة في جسم الإنسان طبيعياً مثل الدوبامين والأدرينالين (وهي نواقل مرتبطة بعدد من الانفعالات والعواطف سنأتي على ذكرها).
عندما يتعاطى شخص ما عقار كبتاجون، يقوم جسد المتعاطي بتفكيك الدواء إلى الأمفيتامين ومركب آخر هو الثيوفيلين (Theophylline) الذي يوجد ايضاً بكميات قليلة في الشاي ويزيد نشاط القلب، كما أن الدواء ينتقل في الدم إلى الجهاز العصبي المركزي ليزيد النشاط والتركيز ويعطي شعوراً عارماً بالرضى.

تأثيرات حبوب كبتاجون

ماذا يحدث عندما يتعاطى شخص هذا العقار؟
"ما ضل خوف خالص من وقت اللي أخدت الكبتاجون"
"ما بتنام، مستحيل عينك تغفل أو تغمض"
"حسيت أني مالك الدنيا كلها، عندي قوة ما حدن عندو ياها"
هذه هي بعض العبارات التي وصف بها المدمنون شعورهم لدى تعاطي حبوب الكبتاجون، وذلك في تقرير إخباري لشبكة BBC العربية، وتلخص هذه الجمل كثيراً من التأثيرات التي جعلت الكبتاجون دواءً سحرياً في ستينات القرن الماضي، وسلاحاً فعالاً في يد عصابات المخدرات وشبكات التنظيمات الإرهابية خصوصاً في سوريا ولبنان والأردن والمملكة العربية السعودية والبلاد المجاورة، ونذكر فيما يلي بعض التأثيرات الصحية للعقار:
• القضاء على الرغبة في النوم وتقليل ساعات النوم لدى الإنسان.
فقدان الشهية للطعام.
• تحسين المزاج وإعطاء شعور بالسعادة والانتصار.
• اضطرابات في الحواس على شكل هلوسة سمعية أو بصرية، والخطير في الأمر أن هذه الاضطرابات في الحواس تترافق مع اضطراب عقلي يولد أوهاماً مصدقة للهلوسة، ويتخيل المتعاطي أشياء وأحداثاً ليس لها وجود في الواقع.
• أعراض شبيهة بالفصام (Schizophrenia)، وذلك لكون السبب الأهم لحدوث الفصام هو زيادة تحرر الدوبامين في الدماغ، أهم هذه الأعراض هي الأوهام والشك في الأشخاص المقربين والشعور بأنهم يتآمرون عل المتعاطي.
• منشط جنسي فعال، بالرغم من كون الإدمان عليه مدمراً للرغبة الجنسية وسبباً أساسياً في مشاكل الانتصاب.
• الموت المفاجئ بسبب النوبات القلبية أو النزوف الدماغية مثلاً وخاصة لدى تعاطي جرعة مفرطة من الدواء.
 

خطورة حبوب الكبتاجون

إلى أي حد يمكننا اعتبار الكبتاجون عقاراً خطيراً
يعتبر الكبتاجون عقاراً ممنوعاً من التداول والتجارة حول العالم، بالرغم من استخدامه في الستينات لعلاج عدد من الاضطرابات التي أتينا على ذكرها، إذ قرر المجتمع الطبي أن الفوائد المرجوة من تعاطي الدواء لا تفوق المخاطر المتوقعة وعلى رأسها الإدمان مما أدى إلى تصنيفه كمادة ممنوعة في عام 1985، ومن الملاحظ أن مدمني الكبتاجون يعانون على المدى البعيد من المشاكل التالية:
- الاكتئاب الشديد.
- الحرمان المطول من النوم وما يرافقه من تأثيرات صحية وعصبية مثل التعب المستمر والهياج.
- سمية قلبية ووعائية، بالإضافة إلى حدوث نوبات قلبية تفوق في خطورتها الجلطات التقليدية، ذلك لكون الأمفيتامين قادراً على إحداث تشنج شديد في الأوعية الدموية الرئيسية لعضلة القلب مما يؤدي إلى تموت أجزاء من القلب، يعرف هذا باسم احتشاء العضلة القلبية (Myocardial Infarction).
- سوء التغذية بسبب انعدام الشعور بالجوع.
 

كبتاجون والتنظيمات الإرهابية

كيف أصبح عقار الكبتاجون سلاحاً قاتلاً في يد الشبكات الإرهابية؟
يمكننا القول في الواقع أن السبب الأهم لكون اسم الكبتاجون مألوفاً لدينا اليوم، وذكر اسمه في نشرات الأخبار هو عمليات الإنتاج والتجارة واسعة النطاق التي تسيطر عليها المجموعات الإرهابية ضمن مناطق سيطرتها وفي معامل مخفية منتشرة في سوريا ولبنان والبلدان المجاورة، حتى أن كبتاجون صنف على أنه المادة الممنوعة الأكثر رواجاً في شبه الجزيرة العربية في عام 2017.
كما أظهرت التحاليل الكيميائية التي أجريت على الملايين من الحبوب الدوائية التي أعدت للإتجار على أنها كبتاجون ووقعت في أيدي السلطات الأمنية المختلفة، أن نسبة كبيرة منها مزيفة وغير حاوية على خليط الكبتاجون إنما فقط على الأمفيتامين سهل الإنتاج أو على مزيج من الأمفيتامين والنيكوتين، أي أنها تفتقد لمركب الثيوفيلين الذي يعتبر إنتاجه أكثر صعوبة وكلفة مادية.
تشير بعض التقارير إلى كون تجارة المخدرات واحدة من مصادر الدخل الأساسية لتنظيم الدولة الإسلامية داعش، بالإضافة إلى تجارة النفط التي تراجعت بعد هزيمة التنظيم الإرهابي وخسارة حقول النفط، أما تجارة المخدرات فلا وجود لدليل يشير إلى زوالها في المستقبل القريب، فالكبتاجون عقار سهل الإنتاج في معامل خفية تنتج كميات كبيرة وتبيعها لعملاء في الدول المجاورة مقابل المال أو السلاح.
كما يذكر أن الأمفيتامينات والأدوية المشابهة لها ساهمت في إنشاء ما يشبه الجنود الخارقين (أو الجنود الذين يتخيلون كونهم خارقين إذا أردنا أن نكون دقيقين)، فقد أظهرت معارك هذه التنظيمات الإرهابية الصورة النمطية لمتعاطي كبتاجون الذي يصرخ متحمساً في وجه المخاطر، ويخوض معارك طويلة دون تعب أو جوع أو ضعف، ويجري نحو الموت دون أي تردد أو خوف.

وفي الختام.. يبقى الأمل كبيراً بالقضاء على هذا العقار الخطير بهزيمة الجهات المصنعة له وقطع التعامل معها أو الحماية لها، أما الوقاية الحقيقية فتكمن في توعية فئات الخطر (مثل المراهقين واللاجئين والجنود..) ضد الوعود الكاذبة والصورة الخارقة التي يرسمها مروجو هذه الحبوب وتجارها، فهم يبيعون وهماً لن يلبث أن يلتهم عقل الضحية الذي سقط في الفخ، ويقضي على حياته وحياة المقربين منه.