يعتبر الألم الصدري عرضاً شائعاً وكثير المصادفة في العيادات العامة وأقسام الإسعاف، ويظهر على شكل شكايات متنوعة مثل ألم محدد في نقطة من الصدر، أو ألم عاصر خانق شبيه بحجر ثقيل يقبع على صدر المريض، ومن الطبيعي أن يشعر المرء بالقلق حول الألم المفاجئ في هذه المنطقة لأن الكثير من الأمراض والإصابات المهددة للحياة قد تظهر على شكل ألم مفاجئ حاد في منطقة الصدر، لذلك سنتحدث في المقال التالي عن المصادر المختلفة لألم الصدر والصفات المميزة للحالات التي تحتاج إلى عناية إسعافية سريعة.


الأسئلة ذات علاقة


ألم الصدر ذو المنشأ القلبي

الإصابات القلبية والوعائية التي تسبب ألماً في الصدر
من الطبيعي أن تكون الأسباب القلبية هي أول ما يخطر في أذهاننا ويدعونا إلى القلق عندما نشعر بألم في الصدر، كما أن الأسباب القلبية تحتل حصة كبيرة من أسباب هذا الألم وإن لم تكن أكثرها شيوعاً، ومن هذه الأسباب نذكر بعضاً من الحالات الشائعة:


خناق الصدر المستقر (الذبحة الصدرية): يحدث هذا الألم القلبي المزمن في حالات محددة ومعروفة بالنسبة للمريض، كالمشي لمسافة محددة، أو صعود عدد معروف من السلالم أو حتى ممارسة الجنس، ويتصف بكونه ألماً مبهماً لا يمكن تحديده في نقطة واحدة، يعصر الصدر ويولد شعوراً بالضيق حتى يزول بعد جلوس المريض بلحظات قليلة، وهذا ما يفرقه عن الحالات الخطيرة من الحوادث القلبية.
من المهم الإشارة إلى أن تصنيف الخناق المستقر يقتضي ألا تكون هذه النوبة هي الأولى، وأن تكون درجة الجهد الجسدي المؤدية إلى الألم معروفة وثابتة، فالألم الحديث ذو الصفات القلبية سابقة الذكر يعتبر حالة إسعافية تحتاج إلى فحص سريري دقيق بالإضافة إلى إجراءات متممة مثل تخطيط القلب وسحب عينات دموية لتحليلها.
يعتمد علاج خناق الصدر المستقر على مركبات النتروجليسرين (Nitroglycerin) خلال الهجمة، ويتم تصنيعها بشكل حبوب دوائية توضع تحت اللسان أو لصاقات جلدية على الصدر.


الخناق غير المستقر واحتشاء العضلة القلبية: تندرج هاتان الحالتان ضمن تصنيف واسع يدعى باسم المتلازمة الإكليلية الحادة (Acute Coronary Syndrome)، ويكون سبب الألم هنا انقطاع التروية الدموية عن جزء من العضلة القلبية مما يؤدي إلى موت هذا الجزء في حالة الجلطة القلبية أو الاحتشاء (Myocardial Infarction) أو توقفه عن العمل بشكل مؤقت في الخناق غير المستقر (Unstable Angina).
ليس من المهم التفريق بين الحالتين السابقتين، إذ يعتبر نقل المرض إلى أقرب قسم إسعاف هو الأولوية القصوى في كليهما، ويمكن تمييز ألم الأزمة القلبية بكونه ألماً صدرياً شديداً خلف جدار الصدر بدون وجود بؤرة يمكن الإشارة إليها باليد، وقد يشعر المريض بالألم في الذراع اليسرى أو القسم العلوي من البطن أو الفك السفلي.
قد يأتي هذا الألم خلال الراحة أو حتى خلال النوم على عكس الخناق المستقر الذي يتحرض بالجهد، كما أن ألم المتلازمة الإكليلية الحادة يستمر لمدة أطول من 15 دقيقة ولا يزول بتناول النتروجليسرين (قد يخف بشكل بسيط ولكنه يبقى موجوداً)، يترافق ألم الاحتشاء القلبي بتعرق بارد وغثيان وشعور بالرعب أو اقتراب الموت.
يضاف إلى المتلازمة الإكليلية الحادة جميع حالات الخناق المستقر التي تأتي لأول مرة حتى لو ذهب الألم مع الراحة وكان بسيطاً، ذلك لأن جميع حالات الألم القلبي حديث العهد تعتبر حالات إسعافية.


أسباب قلبية وعائية أقل شيوعاً: وهي عديدة يصعب الحديث عنها جميعاً بشكل مفصل، تشمل التهابات العضلة القلبية أو الغلاف المحيط بالقلب أو النسيج المبطن لجوف القلب والصمامات التي تنظم حركة الدم عبره، إضافة إلى اضطرابات النظم الكهربائي في القلب والتشوهات القلبية الولادية، كل من هذه الأمراض يحتاج من أجل تشخيصه إلى فحص سريري مع إجراء تصوير بالأمواج فوق الصوتية (إيكو) وتخطيط قلبي لكشف التغيرات الحاصلة في القلب.
تعالج الإصابات السابقة بأشكال مختلفة تبعاً لخطورة الحالة، يتراوح العلاج من مراقبة دقيقة بدون علاج نوعي في بعض التهابات العضلة القلبية إلى إجراء جراحة قلب مفتوح لتصحيح التشوه الولادي أو تبديل الصمام المتخرب مثلاً.

ذات علاقة


الأسباب الهضمية للألم الصدري

علاقة اضطرابات جهاز الهضم بالألم في الصدر
غالباً ما نشك بالأسباب الهضمية عندما يشكو شخص ما من ألم في البطن فقط، ولكن إصابة الأجزاء العلوية من الجهاز الهضمي قد تولد ألماً ينتشر إلى الصدر، أو يكون أشد في الصدر عما هو في البطن مما يؤدي إلى تأخر التشخيص أو إغفاله، ونذكر من الأسباب الهضمية:

الحموضة المعدية: تدعى هذه الحالة طبياً باسم القلس المعدي المريئي (Gastroesophageal Reflux Disease) أو (GERD) على سبيل الاختصار، ويكون مصدر الألم هو المري (وهو الأنبوب العضلي الذي يصل البلعوم بالمعدة لينقل الطعام إليها) الذي يكون غير مغلق بشكل جيد في الأسفل (منطقة الاتصال مع المعدة) مما يؤدي إلى صعود المفرزات الحمضية من المعدة وملامستها لسطح المري غير المحمي جيداً ضد هذه الحموضة.
يعتبر القلس المعدي المريئي شائعاً جداً يعاني منه الكثيرون وهو لا يدعو للقلق في الحالات الخفيفة، يمكن تجنبه بتقليل كمية الطعام المتناول في الوجبة الواحدة وتجنب التدخين وتناول الأطعمة المحرضة له مثل الأطعمة الدسمة والشوكولا وخاصة قبل النوم، أما النوم فيفضل أن يكون على الجانب الأيسر (لإبقاء محتويات المعدة داخل المعدة)، كما ينصح برفع الجزء من السرير من جهة الرأس أو وضع عدة وسائد أسفل الرأس وأعلى الظهر للاستفادة من تأثير الجاذبية في منع رجوع مفرزات المعدة إلى المري.

تشنج المري المنتشر (Diffuse Esophageal Spasm): لا يعتبر هذا المرض حالة شائعة أو خطيرة، ولكن أهميته تكمن في كونه مشابهاً للألم القلبي في الصفات والموقع، قد يحدث هذا التشنج المؤلم بدون مقدمات، أو قد يتلو تناول الطعام وبخاصة الأطعمة الباردة، لا يمكن التفريق بينه وبين الألم القلبي من خلال صفاته، وهو يحتاج إلى اختبارات خاصة تقيس حركات المري خلال النوبة وخارجها.

القرحة الهضمية: نادراً ما تؤدي القرحة الهضمية إلى ألم صدري فقط، وهي تظهر بشكل ألم شديد ثابت تقريباً في منطقة محددة (يمكن تحديدها بالإصبع على عكس الألم القلبي)، تكون غالباً في أعلى البطن أو أسفل الصدر، يترافق هذا الألم مع القياء الذي قد يخفف الألم إلى حد ما، كما أن القرحات تصيب الشباب غالباً بعكس الحوادث القلبية التي تميل إلى إصابة الكبار في السن.
يعتمد علاج القرحة الهضمية على الأدوية عموماً ومن النادر أن تحتاج إلى عمل جراحي، كما يجب الابتعاد عن التدخين والكحول والأدوية المحرضة للقرحة مثل الإيبوبروفن (Ibuprofen) والديكلوفيناك (Diclofenac) المعروف باسم ديكلون وهي من المسكنات الشائعة.

التهاب البنكرياس الحاد: يتصف هذا الألم بكونه حاداً حارقاً شديداً قد يترافق بالقياء الذي يكون غير مريح بشكل عام، ويمتاز ألم التهاب البنكرياس الحاد بكونه ينتشر إلى الظهر إضافة إلى مظهر مميز للمريض هو الانحناء إلى الأمام ورفض الاستلقاء لأن ألم التهاب البنكرياس يخف بالانحناء نحو الأمام.
 

الأسباب التنفسية لألم الصدر

ما هي الأمراض التنفسية التي تسبب الألم الصدري
يشغل الجهاز التنفسي وملحقاته الحيز الأعظم من مساحة الصدر، لذلك من الطبيعي أن تكون إصاباته سبباً شائعاً للألم الصدري، ومن أهم هذه الأسباب:
ذات الرئة (Pneumonia): مصطلح ذات الرئة يعني التهاب الرئة بواسطة متطفل ممرض مثل الجراثيم والفيروسات، كما يمكن أن تظهر ذات الرئة بأعراض متنوعة تبعاً للسبب والحالة الصحية للمريض إضافة إلى عمره، ولكن ترافق الألم الصدري بالسعال الشديد وارتفاع درجة الحرارة تعتبر أعراضاً نموذجية تشير إلى ذات الرئة دوناً عن باقي الأمراض الصدرية.

السل الرئوي (Tuberculosis): لحسن الحظ أصبحت أوبئة السل الرئوي أمراً نادراً في عالمنا الحالي فيما عداً المناطق المحرومة في الدول النامية أو مناطق النزاعات والحروب والمجتمعات التي تقع تحت الحصار، يتصف السل بالبطء والخلسة فهو لا يعطي أعراضاً واضحة إنما ينتشر ضمن جسد الإنسان الضعيف وينهكه بشكل تدريجي، يسبب السل سعالاً مزمناً وضعفاً جسدياً عاماً، إضافة إلى كون ارتفاع الحرارة يزداد ليلاً ويترافق بنوبات من التعرق الليلي الغزير.

استرواح الصدر (Pneumothorax): استرواح الصدر هو وجود الهواء في المنطقة المحصورة بين الرئتين من الداخل، وجدار الصدر والأضلاع من الخارج، قد يحدث هذا الألم فجأة بدون مقدمات أو يكون تالياً لضربة قوية تمزق قسماً من الرئة وتخرج الهواء منها، كما قد يكون سببه أمراضاً تنفسية مزمنة مثل الربو في حالاته الشديدة.
يعتبر استرواح الصدر حالة إسعافية لأنه يؤدي إلى انضغاط الرئة المصابة ويحمل خطورة الاختناق، أما علاجه الإسعافي فهو بفتح طريق لإخراج الهواء المتراكم عبر إدخال إبرة ثخينة في نقاط محددة بين الأضلاع لسحب الهواء المتراكم والسيطرة على الخطورة.

أورام الرئة: تختلف أعراض أورام الرئة تبعاً لموقع الورم ونوعه ودرجته، وتعتبر سرطانات الرئة من الأورام شديدة الخباثة لأنها تنتشر بشكل خفي دون أعراض واضحة، إذ غالباً ما يكون الألم عرضاً متأخراً يشير إلى انتشار الورم وتعذر استئصاله.
 

الأسباب الخارجية لألم الصدر

مكونات جدار الصدر وصفات الألم الناتج عن إصابتها
يتألف جدار الصدر بشكل أساسي من القفص الصدري العظمي والعضلات التي تستند على الأضلاع والبنى العظمية الأخرى، وهي تحمي الأعضاء الداخلية وتمتص الصدمات كما يعتبر الألم الناتج عن إصابتها واضحاً وسهل التمييز إلى حد ما، ومن هذه الإصابات:

كسور الأضلاع: تحدث كسور الأضلاع بعد تلقي ضربة قوية على منطقة محددة من جدار الصدر غالباً، وهي ليست خطرة على الحياة ما دام عدد الأضلاع المصابة محدوداً والمصاب بحالة عامة جيدة، يتصف ألم الأضلاع بكونه ألماً شديداً محدداً في منطقة الإصابة، يترافق مع صعوبة في أخذ شهيق عميق لأنه يحرض الألم، لا يحتاج كسر الأضلاع إلى تثبيت جراحي أو جبيرة ويعالج بالمسكنات والراحة إلى أن يتم شفاء الكسر.
الشد العضلي: غالباً ما يحدث بعد ممارسة جهد عضلي كبير يعتمد على عضلات الصدر، وهو لا يحتاج سوى إلى الراحة أو أخذ حمام دافئ ثم النوم بعد ممارسة التمارين الرياضية.
خراجات الصدر: تشبه ألم كسور الأضلاع بكونها محددة في منطقة معينة من الصدر، كما تترافق الخراجات عموماً بارتفاع في درجة الحرارة وإمكانية جس الخراج إذا كان موقعه سطحياً.
الحزام الناري أو زنار النار: يدعى هذا المرض علمياً باسم الهربس النطاقي (Herpes Zoster)، والمسؤول عنه هو الفيروس المسبب لجدري الماء في الطفولة إذ يبقى الفيروس مختبئاً في الجسم بعد الشفاء لسنوات طويلة، ويتفعل مرة أخرى عند الشخص البالغ على صورة ألم شديد حارق يصيب منطقة محددة من الصدر وبجهة واحدة، يتلو هذا الألم ظهور حويصلات على الجلد تعلن عن اقتراب نهاية الهجمة، يحمل لمس المنطقة المصابة خطورة بسيطة لنشر العدوى إلى الآخرين، ولكن هذا الخطر قليل الأهمية لأن معظم الأشخاص أصيبوا بجدري الماء خلال الطفولة وتشكلت لديهم مناعة تجاهه.
 

الأسباب النفسية للألم الصدري

هل ألم الصدر ذو المنشأ النفسي أمر شائع؟
يحدث الألم الصدري نفسي المنشأ بسبب الصدمات النفسية والعاطفية الشديدة، مثل سماع خبر محزن أو وفاة أحد الأشخاص المقربين، وهو يعتبر ألماً حقيقياً ناتجاً عن اضطراب مؤقت في عمل القلب خلافاً للاعتقاد الذي كان سائداً في الماضي بكونه تمثيلاً أو تصنعاً، تمت تسميته باسم متلازمة القلب المكسور (Broken Heart Syndrome) وهو أكثر شيوعاً لدى الإناث مقارنة بالرجال.
يشبه هذا الألم في صفاته ألم الأزمة القلبية لذلك يلتبس التشخيص بينهما كثيراً، ولكن من الخطأ الاستهانة بالألم الصدري الذي يحدث بعد أزمة عاطفية واعتباره أمراً نفسياً وحسب، فالسبب النفسي لا يعتبر أمراً مرجحاً حتى يتم نفي الأسباب الشائعة التي يشتبه بتورطها.

وفي الختام.. نجد أن ألم الصدر واحد من أكثر الأعراض أهمية وشيوعاً في عالم الطب الإسعافي، ويحتاج التمييز بين الأسباب المختلفة المسببة له إلى مهارة طبية وفحص سريري دقيق، وعلى الرغم من كون أسبابه الآمنة نسبياً أكثر شيوعاً من أسبابه الخطرة، يبقى من الضروري طلب استشارة طبية لتحديد منشأ الألم وعلاجه بشكل مناسب.