الكبد هو أكبر أعضاء البطن ويعتبر من الأعضاء الملحقة بالجهاز الهضمي، يؤدي هذا العضو وظائف عديدة بدءاً من معالجة العناصر الغذائية واستخدامها في تركيب الحموض الأمينية والبروتينات الضرورية لعمل الجسم، وصولاً إلى تنقية الدم من السموم وإنتاج الهرمونات والمركبات المساعدة على الهضم، لذلك تحمل إصابة الكبد مخاطر صحية كبيرة على مختلف أنظمة الجسم، ولا يوجد أي وسيلة لتعويض وظائف الكبد في حال الفشل الكبدي إلا زرع كبد جديد.
هناك عدد كبير من الأمراض التي تصيب الكبد منها ما هو مناعي ومنها الأسباب الورمية والدوائية، لكننا سنتحدث في هذا المقال حول الأسباب الوبائية وتحديداً فيروس التهاب الكبد أ (Hepatitis A) الذي ينتشر في معظم بلدان العالم الثالث ويسبب الكثير من حالات الوفاة خاصة لدى الكبار في السن في المجتمعات الفقيرة بالرعاية الصحية.
 


الأسئلة ذات علاقة


تعريف التهاب الكبد أ

ما معنى أن يلتهب الكبد؟ وما المميز في النمط أ؟
التهاب الكبد هو حالة مرضية يحدث فيها تخريب في الخلايا الكبدية وتراجع في الوظائف الطبيعية لها، تعتبر أسباب الالتهاب في الكبد كثيرة مثل التهاب الكبد الكحولي، الدوائي، السمي، أو المرتبط ببعض الحالات المرضية، أما الفيروسات التي تصيب الكبد فهي كثيرة لكن هناك بعض الفيروسات التي تفضل الكبد وتصيبه بشكل شائع لذلك عرفت باسم الفيروسات الكبدية، وهي 5 فيروسات: (A – B – C – D – E).
تعتبر الفيروسات الثلاثة الأولى عالمية الانتشار وشائعة بشكل يفوق النمطين الأخيرين، ويتميز الفيروس أ (Hepatitis A Virus) ويدعى اختصاراً (HAV) أيضاً بأنه شديد الانتشار وقادر على الانتقال عبر الطعام والماء الملوثين أو عبر التلامس الجسدي المقرب بعكس النمطين (B – C) الذين لا ينتقلان عن الطريق الهضمي.
يسبب الفيروس (HAV) حالات التهاب كبد حاد مترافق باليرقان وهو لا يحتاج إلى أي علاج في الأشكال الخفيفة من المرض، والأمر الجيد هنا هو عدم قدرة الفيروس على إحداث التهاب كبد مزمن بعكس النمطين B و C الذين يسببان التهاباً مزمناً يمكن أن يكمن لبعض الوقت لكن الفيروس يبقى مختبئاً داخل الخلايا ومستعصياً على جهاز المناعة.
 



انتشار وشيوع التهاب الكبد أ

كيف ينتشر هذا الشكل من التهاب الكبد؟ وما هي المناطق الموبوءة به؟
تتم العدوى من الشخص المصاب إلى الشخص السليم عندما يدخل الفيروس بطريقة ما إلى الجهاز الهضمي لشخص سليم إما عن طريق الطعام أو البراز الملوثين بفضلات الشخص المصاب حتى لو كانت كمية الفضلات قليلة جداً (مثل استخدام الماء من البرك أو المصادر المائية الملوثة بالمجاري في الشرب أو تحضير الطعام)، كما يمكن أن ينتقل المرض بطرق أخرى مثل التماس الجسدي المقرب في الممارسة الجنسية أو في سياق العناية بشخص مصاب أو عن طريق الدم الملوث.
يمكن أن يحدث التلوث في أي مرحلة من إعداد الطعام (يتضمن هذا المعلبات والأطعمة المجمدة أو غير المطهوة جيداً) بما فيها مرحلة زراعة المحاصيل، جمع المحصول، تحضير الطعام أو حتى تلوث الطعام بعد طبخه، ويكثر تلوث مصادر الماء والغذاء بالفيروس في البلدان الموبوءة به خصوصاً في المناطق الريفية التي لا تحصل على عناية خدمية أو صحية جيدة.

لا يمكن أن تنتقل العدوى من شخص إلى آخر في الحالات التالية:
- السعال أو العطاس من الشخص المصاب، فالفيروس لا ينتقل بالطريق التنفسي.
- الجلوس إلى جانب شخص مصاب.
- معانقة الشخص المصاب.
- لا ينتقل الفيروس عبر حليب الأم إلى الرضيع.

يذكر موقع منظمة الصحة العالمية أن حوالي 90 في المئة من الأطفال في الدول النامية وذات الشروط الصحية السيئة يتعرضون لفيروس التهاب الكبد أ قبل الوصول إلى سن العاشرة بسبب انتشاره الواسع في تلك المجتمعات، ويعتبر هذا أمراً جيداً وسيئاً في الوقت ذاته إذ أن إصابة الأطفال الصغار بالفيروس عادة ما تكون خفيفة أو حتى عديمة الأعراض ويكتسب هؤلاء الأطفال وقاية طويلة الأمد مما يمنع حدوث جائحات لدى السكان المحليين الذين لا يحتاجون إلى تناول اللقاح حتى، إنما يكون الخطر الأساسي هو إصابة المهاجرين أو زوار المناطق الموبوءة من الأجانب.
 

العوامل المؤهبة للإصابة بفيروس التهاب الكبد أ

عوامل الخطر التي تزيد احتمال التقاط العدوى
يمكن لأي شخص أن يصاب بفيروس التهاب الكبد أ (HAV) إذا لم يكن حاصلاً على تطعيم ضد الفيروس أو مصاباً به خلال الطفولة، وخصوصاً في حال الوجود في منطقة موبوءة بالفيروس، تحدث معظم حالات العدوى خلال الطفولة المبكرة، وتتضمن عوامل الخطورة ما يلي:
- تدني مستوى الخدمات الصحية.
- عدم توفر مصادر آمنة لماء الشرب.
- استخدام المخدرات عن طريق الحقن خصوصاً.
- السكن مع شخص مصاب في المنزل نفسه.
- ممارسة الجنس الشرجي لأنه يحمل خطورة أعلى من الجنس التقليدي (المهبلي) في نقل العدوى.
- السفر إلى المناطق الموبوءة من دون اتخاذ تدابير وقائية.
 

أعراض التهاب الكبد أ

كيف تظهر الأعراض عند الإصابة بالمرض؟
لا تبدأ أعراض المرض بالظهور قبل مرور فترة تتراوح من أسبوعين إلى 7 أسابيع على العدوى، ومن المهم تذكر أن غياب الأعراض لا يعني غياب الإصابة إذ تمر الغالبية العظمى من الإصابات بشكل سليم يؤدي إلى مناعة دائمة، ومن الأعراض والعلامات المنتشرة في التهاب الكبد الفيروسي الحاد من النمط أ:
- التعب والتوعك.
- الغثيان والقياء.
- الألم في البطن وخصوصاً في القسم العلوي الأيمن منه تحت الأضلاع حيث يوجد الكبد.
- تغير لون البراز إلى لون الصلصال بسبب عدم عبور صبغة البيليروبين التي يفرزها الكبد إلى الجهاز الهضمي، وهي المادة المسؤولة عن إعطاء اللون البني للبراز.
- فقدان الشهية.
- تلون البول باللون البني بسبب تراكم البيليروبين في الدم وطرحه عن طريق البول.
- الألم المنتشر في العضلات والمفاصل.
- اصفرار الجلد والمنطقة البيضاء من العين (اليرقان).
- الحكة المنتشرة.

عادة ما تكون أعراض التهاب الكبد أ خفيفة أو متوسطة ويغلب أن تتراجع تلقائياً خلال أقل من شهرين، في بعض الأحيان تكون الإصابة شديدة وتستمر حتى 6 أشهر، لكن الأمر المهم هو أن فيروس التهاب الكبد أ (HAV) لا يسبب إصابة مزمنة على الإطلاق.
 

علاج التهاب الكبد أ

ما الذي يمكن فعله لتسريع الوصول إلى الشفاء؟
لا يوجد علاج أو دواء نوعي للقضاء على فيروس التهاب الكبد أ، وهو ليس أمراً مهماً في الحقيقة لأن جهاز المناعة قادر على القضاء على الفيروس لوحده في معظم الحالات دون أي أضرار دائمة، لذلك يقتصر العلاج على تخفيف الأعراض وتوفير الراحة للجسم حتى يؤدي عمله ويصل إلى الشفاء، قد يحتاج المريض إلى:
- الراحة: التعب والألم العام عرض شائع في التهاب الكبد الحاد، لذلك يحتاج المريض إلى الراحة.
- علاج الغثيان: يتم ذلك بتوزيع الطعام على وجبات صغيرة طوال اليوم، والاعتماد على أطعمة سهلة الهضم وغنية بالطاقة مثل السكريات، بالإضافة إلى شرب الحليب أو العصير بدلاً من الماء من أجل الحصول على أكبر كمية من السعرات الحرارية بدون تناول كمية كبيرة من الطعام، كما أن شرب السوائل أمر ضروري لتجنب التجفاف الناتج عن القياء المستمر.
- تجنب شرب الكحول والانتباه إلى جرعات الأدوية: يعاني الكبد الملتهب من صعوبة في معالجة السموم مثل الكحول أو بعض الأدوية، وهذا ما يستدعي استشارة الطبيب في حال تناول أي أدوية إذ قد يكون من الضروري تعديل الجرعة الدوائية.
- تجنب ممارسة الجنس مع شركاء متعددين وتجنب الجنس غير المحمي: يعتبر الجنس بمختلف أشكاله من الطرق الشائعة لانتقال المرض، كما أن الواقيات الذكرية لا تؤمن قدراً كافياً من الوقاية ضد المرض.
 

الوقاية من التهاب الكبد أ

كيف يمكنني تجنب العدوى بهذا الفيروس؟
تعتمد الوقاية من فيروس (HAV) على مكان الولادة والحياة، فسكان المناطق الموبوءة يغلب أن يكونوا ممنعين مسبقاً ضد الفيروس بسبب الإصابة خلال الطفولة، أما المسافرون إلى منطقة موبوءة فيمكن لهم أخذ واحد من الخيارين التاليين:
- اللقاح أو التطعيم: وهو أكثر الطرق فعالية في الحصول على وقاية طويلة الأمد، لكن الحصول على الفائدة القصوى من اللقاح يحتاج إلى تناول أكثر من جرعة لذلك لا يعتبر اللقاح خياراً جيداً في الحالات المستعجلة.
- الغلوبولين المناعي المضاد للفيروس (Immune Globulin): الغلوبولينات المناعية أو الأجسام المضادة هي مركبات مناعية تستخلص من مصل البشر المعرضين للفيروس أو اللقاح في الماضي، يختلف عن اللقاح بكون الوقاية الناتجة عنه محدودة المدة (حوالي شهرين) لكنه لا يحتاج إلى وقت حتى يبدأ بالعمل لذلك يعتبر مفضلاً للوقاية على المدى القريب.

أما من أجل تجنب التقاط الفيروس، فالحل هو اتباع القواعد الصحية من الحرص على تنظيف الخضار والفواكه جيداً قبل تناولها، عدم شرب الماء من المصادر المشبوهة أو غليه جيداً قبل ذلك، بالإضافة إلى تنظيف اليدين جيداً بعد الخروج من المرحاض، قبل إعداد الطعام، وبعد ملامسة اللحوم النيئة.

وفي الختام.. من حسن الحظ أن المشاكل الصحية الناتجة عن فيروس التهاب الكبد أ (HAV) قليلة جداً بالمقارنة مع انتشاره العالمي الواسع، مما يعطي الفرصة للحكومات والمنظمات الدولية من أجل تجفيف منابع الإصابة عن طريق تحسين البنى التحتية وتوفير المرافق والخدمات الصحية للمناطق المحرومة.