من أكثر الهواجس التي تشغل فكر الأهل هو انخراط أبنائهم في سلوكيات سيئة وعدم قدرتهم على الابتعاد عنها، وإن كان إدمان المخدرات أو المشروبات الكحولية والتدخين هو أكثر ما يقلق الأهل، إلَّا أن إدمان الألعاب الإلكترونية أو إدمان التلفاز أو إدمان الجنس ليس أقل خطورة، لأن خطورة الإدمان هي الإدمان نفسه بغض النظر عن موضوع الإدمان.
في هذه المادة؛ نتعرف وإياكم إلى طبيعة ومفهوم الإدمان، من خلال تعريف الإدمان في اللغة والاصطلاح، تحديد أهم أسباب الإدمان، ومناقشة قابلية الأفراد للوقوع في فخ الإدمان، إضافة إلى استعراض أعراض ونتائج الإدمان، وطريقة علاج الإدمان والوقاية منه.
 


الأسئلة ذات علاقة


تعريف الإدمان

الإدمان لغوياً يعني الإقبال والتعود على شيء معين, ويقال عن الإنسان مدمن وأدمن الشيء أو العادة إذا واظب عليها باستمرار ولازمها بصفة قهرية.
ويحدث الإدمان اضطرابات في سلوك المدمن بسبب تكرار العادة التي يدمنها لأنها تشعره بالسعادة والفرح دون النظر إلى نتائجها وكم المشاكل والعواقب التي ستحل على الفرد المدمن نفسه أو على الأسرة والعائلة المحيطة به.
والإدمان لا يكون فقط على العقاقير أو المخدرات، فكل عادة أو سلوك يعتاد المرء على مزاولته بصفة مستمرة ويجد صعوبة في التوقف عنه يعتبر إدماناً.
 



أسباب الإدمان

هناك أسباب عديدة تؤدي إلى الإدمان لكن يبدو أن إمكانية التنبؤ بقابلية أفراد معينين للإدمان ما زالت بعيدة المنال، ذلك أن السبب الرئيسي للإدمان هو التعامل مع المثيرات التي تحتوي بطبيعتها على تحفيز للإنسان، فعندما يدخل الفرد إلى صالة القمار مثلاً يكون قد قطع الشوط الأكبر باتجاه الإدمان، والتجربة الأولى غالباً تكون مفتاحاً لتجارب لاحقة.
القصد من ذلك أن أسباب الإدمان الكيميائي كإدمان المخدرات والعقاقير، وأسباب الإدمان النفسي كإدمان المقامرة أو إدمان الألعاب الإلكترونية؛ ترجع جميعها إلى التعامل مع مثيرات الإدمان، وكل ما يبقى من العوامل هي عوامل مساعدة تتضافر فيما بينها لتجعل من الإنسان أكثر قابلية للإدمان إن تعامل مع مثيرات معينة.
وهذا ما يفسر لنا فعلياً التباين الكبير في ظروف الأشخاص المدمنين، فهم لا ينحدرون بالضرورة من أسرة فقيرة أو غنية، ولا يعرف الإدمان مستويات فكرية أو ثقافية، ولا يوجد تقاطعات حتمية بين المدمنين، وإن كان الإدمان أكثر انتشاراً بين المراهقين والشباب لكن البالغين وحتى الشيوخ والعجائز ليسوا بمعزل عن الوقوع بالإدمان.
بناءً على ذلك فإن الأسباب التي سنذكرها تالياً تعد محفزات على الإدمان، تزيد فرص وقوع الإنسان في دوامة الإدمان النفسي والكيميائي دون أن تكون أسباباً حتمية.

التربية الأسرية والإدمان 
أول وأهم الأسباب المساعدة على الإدمان هي التربية وبيئة الأسرة, فالأطفال والمراهقون يستمدون القيم والمفاهيم من أسرهم بشكل رئيسي قبل أن يندمجوا في مجتمعهم الكبير، وكل ما كانت الأسرة مفككة وتعاني من مشاكل داخلية كلما ازدادت فرصة تجربة المراهقين بشكل أساسي لمواد تجرهم للإدمان.
فقد يكون الفرد الذي ينشأ في أسرة عنيفة أكثر عرضة للإدمان، كذلك يعتبر وجود فرد مدمن في الأسرة من أهم محرضات الإدمان، وكما ذكرنا لا أسباب حتمية، فوجود فرد مدمن في العائلة قد يخلق ردة فعل عكسية بمواجهة الإدمان عن الأفراد الباقين. 

أسباب اجتماعية للإدمان
تلعب البيئة الاجتماعية دوراً كبيراً في خلق ميل نحو الإدمان عند الأفراد، وقد يكون الوسط الاجتماعي مسؤولاً عن التجربة الأولى التي كما ذكرنا هي أساس الإدمان، فوجود مروجي ومتعاطي المخدرات داخل الأحياء يعزز فرص الإدمان عند من يحتك معهم ويراهم.
في نفس الوقت فإن وجود منظومة اجتماعية وقانونية تحارب الإدمان وتطوق أسبابه قد يكون مسؤولاً عن إنقاذ العشرات من الوقوع في فخ الإدمان، والثابت أن سهولة الوصول إلى مواد الإدمان دون رقابة تعزز من فرص الإدمان.

الاستعداد النفسي للإدمان 
غالباً ما يكون الأفراد غير الأسوياء نفسياً أو الذين يعانون من اضطرابات نفسية مؤقتة أو مزمنة أكثر عرضة للإدمان من غيرهم، وتكون الشخصيات المندفعة والفضولية أيضاً أكثر عرضة للإدمان النفسي والكيميائي، لأنهم لا يترددون في التجربة.
وتشكل بعض المشاعر أرضاً خصبة للإدمان، مثل مشاعر العزلة والنبذ، مشاعر النقص والدونية، المشاعر السلبية والتفكير السوداوي، وغيرها من سمات الشخصية الراسخة أو المؤقتة التي تعتبر عوامل مساعدة على الإدمان.
ولا ننسى مدى تأثير الأقران على الإنسان، فعندما يصادق الفرد السوي مجموعة من المدمنين سيتعرض لحالة من النبذ والمطالبة بإثبات الولاء والاندماج معهم من خلال تجربة ما يدمنون عليه، وهناك الكثير من الأساليب التي يتبعها الأقران لجرِّ الشخص السوي إلى الإدمان، على رأسها الربط بين الإدمان والتحرر والجرأة والرجولة... إلخ.

الإساءة والتجارب القاسية
في سياق متصل تعتبر التجارب القاسية من العوامل المساعدة على الإدمان، ففقدان الثروة مثلاً أو التعرض للإهانة والإساءة بشكل كبير ومستمر، أو التعرض للاعتداء الجنسي وغيرها من التجارب القاسية تعتبر عوامل مساعدة على الإدمان.

الهروب من الواقع
عادةً ما يبرر مدمنو المخدرات والكحوليات وحتى مدمنو ألعاب الفيديو أفعالهم بالهروب من الواقع، وبوسعنا القول أن الأمر يتعلق بشخصية الفرد نفسه، فالواقع قد لا يكون بالغ السوء، لكن نظرة الإنسان إلى واقعه وطريقة تعامله مع العقبات هي التي تحدد مدى قسوة هذا الواقع.
فالبطالة مثلاً قد تدفع أحدنا لخوض تجارب عمل مختلفة ومتنوعة سعياً للتخلص من الحالة الراهنة، حتى وإن اضطر للعمل بأجر بخس وفي مجال لا يعرف عنه الكثير ولا يحبه، فيما يتعامل آخر مع البطالة من خلال الجلوس لساعات خلف شاشة البلاي ستيشن أو الهاتف المحمول!، وقد يلجأ إلى تعاطي الحشيشة للهروب من الواقع!.

الأسباب الوراثية للإدمان
حتى الآن لا يوجد ما هو قاطع فيما يتعلق بالعوامل الوراثية للإدمان، لكن أجسادنا تتعامل مع المواد المخدرة بطريقة مختلفة، ومفعول هذه المواد قد يكون أكبر لدى بعضنا من الآخر، وقد ترفض أجسامنا الكحول مثلاً وتبدي ردة فعل قوية تجاهه، هذه العوامل قد تساهم في إنقاذنا من الإدمان أو وقوعنا به.

عوامل أخرى تساعد على الإدمان
1- تعتبر فئة المراهقين أكثر عرضة للإدمان، تليها فئة البالغين بين 45 و65 سنة.
2- العاطلين عن العمل والذين يعانون من ظروف اقتصادية صعبة أكثر عرضة للإدمان من غيرهم.
3- الأشخاص الذي لا يتمتعون بالتأمين الصحي ولا يستفيدون من خدمات الصحة العامة أكثر عرضة للإدمان.
4- المدمنون على شيء نفسي أو كيميائي أكثر عرضة لتجربة أنواع أخرى من مسببات الإدمان.
 

أعراض الإدمان ومخاطره

توجد أعراض كثيرة تظهر على الشخص المدمن ولكن أشهرها :
العلاقة بين الإدمان والاكتئاب
مع أن الاكتئاب يعتبر أحد دوافع تجربة المخدرات أو العادات السيئة التي تتصف بالإدمان، إلَّا أنَّ الإدمان أيضاً يعتبر سبباً من أسباب الاكتئاب الحاد، بمعنى أن الاكتئاب سبب ونتيجة في آنٍ معاً.
حيث تشير الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب غالباً ما يلجؤون إلى تجربة أنواع مختلفة من المخدرات أو يدمنون على القمار أو الجنس، كذلك من يدمنون على المخدرات أو غيرها غالباً ما يعانون من الاكتئاب، حيث أن واحد من كل ثلاثة يتعاطون المخدرات والكحول يعاني من الاكتئاب.

الأرق وصعوبات النوم
الفرد الذي يتناول المخدرات يعاني من صعوبات النوم المختلفة، مثل القلق والأرق المزمن والنوم المتقطع على فترات، ونجد أن المدمن يعاني خلال اليوم من الكسل والخمول في ممارسة حياته اليومية.

العزلة والإدمان
غالباً ما يفقد المدمن قدرته على الاندماج الاجتماعي، حيث تعتبر العزلة من أكثر الأعراض وضوحاً للإدمان، ويمكن أن يلاحظ الآباء إدمان أبنائهم على المخدرات من خلال  تلك العزلة التي ستظهر عليهم بشكل متزايد. 
حيث يميل المدمن للجلوس بمفرده كثيراً ولا يميل إلى الاحتكاك والتعامل مع الآخرين بالإضافة إلى الجلوس أوقات كثيرة بغرفته المظلمة وخوفه الشديد من الانفتاح على المجتمع, ولكن عزيزي القارئ انتبه جيداً للفرق بين العزلة الطبيعية التي تبدو سمة من سمات المراهقة الطبيعية التي مرينا بها جميعاً والعزلة الناتجة عن تناول المخدرات والإدمان.

إنفاق الكثير من الأموال 
عزيزي القارئ عندما يطلب منك ابنك أموال كثيرة دون تبرير مقنع لإنفاق تلك الأموال فاحذر قد يكون ابنك أقبل على الإدمان، وعندما يتكرر طلب الأموال احذر أيضاً، وقد يلجأ المراهق لطلب الأموال لشراء مذكرات للدراسة أو للدروس الخاصة في حين أنه ينفق على السجائر أو المخدرات أو غيرها، كذلك يعتبر فقدان أشياء ثمينة في البيت مثيراً للشك.

 السلوك الإجرامي والعنيف
أخطر أعراض الإدمان تطور السلوك الإجرامي والعدواني, حيث نجد الشخص المدمن عصبياً للغاية في حال عدم قدرته على تأمين متطلبات إدمانه، وقد يلجأ إلى السرقة وقد يلجأ إلى القتل، وفي بعض الأحيان يدخل عالم تجارة المخدرات ليتمكن من الحصول على المخدرات، كما أن المدمن غالباً ما يفقد قدرته على المحاكمة العقلية، فقد يقدم على أفعال جرمية غير مبررة نتيجة فقدان الوعي والمحاكمة.

ملاحظات عن أعراض الإدمان
- لكل نوع من أنواع الإدمان أعراض خاصة، فالإدمان على السجائر ليس كالإدمان على الكحول.
- هناك بعض الأعراض التي تشبه أعراض الإدمان قد تظهر عند المراهقين وعند من يمر بأزمة منتصف العمر، مثل العزلة أو تغيرات حادة بالمزاج أو تغيرات كبيرة في الأفكار والمعتقدات والسلوكيات، لذلك لا بد من التأكد من أسباب هذه الأعراض.
- هناك بعض أنواع الإدمان التي قد لا تترك أثراً جسدياً يذكر، مثل الإدمان على القمار أو الإدمان على ألعاب الفيديو، أو الإدمان على الجنس.
- مخاطر الإدمان الصحية خاصة إدمان العقاقير والكحول قد لا تظهر خلال الفترة الأولى.
 
مخاطر الإدمان على الصحة
- يؤثر إدمان المواد المخدرة والكحوليات بشكل مباشر على وعي الإنسان كما هو معلوم، وقد يكون التأثير منشطاً للوعي والتركيز كما هو الحال مع الكبتاجون، أو يؤدي إلى اضطراب وفقدان الوعي كما هو الحال مع الكحوليات.
- يؤدي الإدمان على الأمد الطويل لأذية في خلايا المخ تعزز فرص الإصابة بمشاكل عقلية وأمراض الذاكرة والخرف المبكر، حيث يؤدي الإدمان على الأفلام الإباحية مثلاً إلى أذية في الدماغ.
- يؤدي الإدمان على المواد المخدرة والكحوليات إلى تراجع أداء جهاز المناعة عند الإنسان وزيادة فرص الإصابة بالأمراض المعدية، ولكل نوع من أنواع المخدرات تأثيره السلبي على مناعة الإنسان.
- يعتبر الإدمان على المخدرات الوريدية التي يتم تعاطيها من خلال الحقن أحد أسباب انتقال فيروس نقص المناعة المكتسب الإيدز.
- يؤدي الإدمان على المخدرات والكحوليات إلى مشاكل في الأعصاب قد تتطور لأمراض خطيرة.
- يعتبر إدمان المشروبات الكحولية والمخدرات من أخطر العادات على صحة الكبد والبنكرياس.
- بعض أنواع الكحوليات تساهم بشكل كبير في تغير شكل الجسم والحصول على دهون الكرش.
 

علاج الإدمان والوقاية منه

لإنجاز أي مهمة لا بد من العزيمة والإرادة القوية، لذلك تعتبر الإرادة أول ما يجب أن يتحلى به المدمن للتخلص من الإدمان، ولا بد أن يكون العلاج تحت إشراف طبي متخصص يحدد الحالة وطريقة ومكان العلاج.
وبالنسبة لإدمان المخدرات والعقاقير المخدرة فإن المرحلة الأصعب هي المرحلة المعروفة باسم الانسحاب الكيميائي، وعادة ما يضع الأطباء برنامجاً مدروساً لتخفيف آثار الانسحاب الكيميائي قدر الممكن، حيث يسبب الانسحاب الكيميائي للمادة المخدرة من الجسم آلاماً قوية ومشاعر سلبية.
وأما عن دور الأهل والأصدقاء فيجب عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في دعم المريض نفسياً لتقوية إرادته وعزيمته حتى يتعافى، ولن ينتهي دور الأهل بعد إقلاع المدمن، فخطر الانتكاس موجود دائماً.
أما عن فترة العلاج من الإدمان فذلك يعود إلى مرحلة الإدمان وطبيعة المادة التي يدمن عليها المريض، لكن على العموم يحتاج الإقلاع عن المواد المخدرة لفترة طويلة نسبياً حتى يصل المدمن إلى بر الأمان، ويبقى خطر الانتكاس قائماً.
 

الوقاية من الإدمان
- تعريف الأطفال على مخاطر الإدمان يعتبر خطوة فعالة في حمايتهم من الإدمان مستقبلاً، ولا بد أن يكون هذا التعريف بعيداً عن الصور النمطية ومعززاً بالشرح والمعلومات المثبتة.
- تعزيز قدرة الأطفال والمراهقين على مواجهة مشاكلهم بشجاعة يحميهم من اللجوء إلى الإدمان للهروب من الواقع.
- مراقبة تطور سلوك ووعي الأطفال والمراهقين، ومراقبة عاداتهم الجديدة وأصدقائهم الجدد يساعد في الكشف المبكر عن الإدمان.
- تنمية الوازع الأخلاقي والديني عند الأطفال والمراهقين يساعدهم أيضاً في الابتعاد عن العادات السيئة التي تسبب أضراراً لهم ولمجتمعهم والتي تعتبر مرفوضة دينياً.
- المثبت أن وجود أسرة محبة ومترابطة من شأنه أن يحمي أفرادها من خطر الإدمان.
- محاربة البطالة يعتبر أمراً مهماً في التصدي للإدمان، وذلك لا يكون فقط على مستوى الحكومات، بل على الأهل أيضاً أن يعطوا أبناءهم الخبرات والعلوم اللازمة لدخول سوق العمل.
- منح الأبناء سمات شخصية مميزة تجعلهم أكثر ثقة بأنفسهم.