هذه ليست المرة الأولى التي يتم الربط فيها بين التطعيمات وخطر الإصابة بمرض التوحد، ففي نهاية التسعينيات من القرن الماضي تسبب تخوف الأهالي من التطعيمات في المملكة المتحدة البريطانية بتخلف آلاف الأطفال عن مواعيد اللقاحات المحددة في البرامج الصحية الوطنية.
وفي الأيام الأخيرة عادت هذه المخاوف للظهور في الإمارات، حيث امتنع بعض ذوي الطلبة عن إرسال أبنائهم إلى المدارس في موعد التطعيمات خوفاً عليهم من الإصابة بالتوحد، فهل هناك علاقة بين التطعيمات والتوحد؟ وما هي قصة الدراسة المنشورة عن التوحد واللقاحات؟ ثم ماذا قالت دائرة الصحة في أبو ظبي عن هذه القضية؟ لنتابع معاً حقيقة تأثير التطعيمات على فرص الإصابة بالتوحد.
 


دائرة الصحة في أبو ظبي تنفي وجود أي علاقة بين التطعيمات والإصابة بالتوحد
بعد أن تناقل الأهالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من الأخبار التي تتحدث عن خطر اللقاحات وأن التطعيمات تعتبر سبباً من أسباب التوحد، ونتيجة خوف الأهل على أبنائهم امتنع بعض الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى المدارس في الموعد المحدد للحصول على  اللقاحات.
من جانبها نفت دائرة الصحة في أبو ظبي كل ما يتم تداوله عن وجود أي علاقة بين التطعيمات المدرسية ومرض التوحد أو غيره من الأمراض، وأكدت أن الأعراض الجانية للقاحات تقتصر على الاحمرار والتورم المؤقت وارتفاع الحرارة وجميعها أعراض بسيطة مؤقتة.
وأكَّدت دائرة صحة أبو ظبي كما نقل عنها موقع الإمارات اليوم أن التطعيمات واللقاحات المستخدمة في المدارس يتم اختبارها ودراستها وتجريبها على فترات زمنية طويلة، وأن صحة الإمارات تتعاون مع الجهات الدولية للوصول إلى التطعيمات الآمنة.
وخلاصة القول؛ أن الصحة نفت نفياً قاطعاً وجود أي علاقة بين التطعيمات ومرض التوحد أو غيره من الأمراض، وأن التأخر عن اللقاحات أو إهمالها يعرض الأطفال للإصابة بأمراض خطيرة قد تكون أخطر من التوحد نفسه مثل الحصبة والحصبة الألمانية والنكاف وشلل الأطفال والسعال الديكي وغيرها من الأمراض التي يمكن تجنبها بواسطة التطعيمات.
لذلك يجب على كل من تخوّف من وجود علاقة بين التطعيم وطيف التوحد أن يتوجه فوراً إلى مراكز الصحة للحصول على التطعيمات المناسبة. 

سنتعرف في الفقرات القادمة على القصة الحقيقية لإشاعة أن اللقاحات تسبب التوحد، أما إن كنت ترغب بالتعرف أولاً إلى التطعيم الثلاثي فكل ما تريد معرفته عن لقاح MMR أو التطعيم الثلاثي في هذا المقال
 

دراسة كاذبة حرمت الأطفال من اللقاحات والتطعيمات
في الحقيقة فإن قضية وجود علاقة بين التوحد والتطعيمات ليست قضية حديثة، حيث أحدثت دراسة نشرت عام 1998 أكدت وجود علاقة بين لقاح MMR (الحصبة الألمانية والنكاف والحصبة) والإصابة بالتوحد، حيث زعم الطبيب البريطاني اندرو وكيفيلد أن هناك علاقة وثيقة بين لقاح الحصبة الألمانية والحصبة والنكاف وبين الإصابة بالتوحد وأمراض القولون والجهاز الهضمي، وقام بنشر دراسة تؤيد زعمه باكتشاف متلازمة هضمية تتعلق بالنمو والإدراك عند الأطفال، كما قاد حملة لإيقاف استخدام تطعيم MMR لحماية الأطفال من طيف التوحد.
وخلال الشهور التي تلت إعلان وكيفيلد عن وجود علاقة بين التوحد والتطعيمات عكف أطباء العالم على دراسة هذه اللقاحات وإعادة تقييم دراسة وكيفيلد، ليتأكدوا أخيراً أن الدراسة مزيفة، ولا يوجد ما يثبت البتة وجود أي علاقة بين التوحد واللقاحات.
وما زالت الدراسات مستمرة حتى الآن وجميعها لم تتمكن من تعقب نتائج الدراسة المزيفة، وأكدت أن اللقاحات آمنة ولا علاقة لها بمرض طيف التوحد.
أما مصير دراسة الطبيب البريطاني فكان اعتذار مجلة لانست عام2010 عن نشر ورقة علمية مزيفة، وتعرض الطبيب لسلسلة طويلة من المحاكمات نتيجة تقديمة دراسة علمية مزورة وقضايا أخرى.

هل اكتشاف علاقة التطعيم بالتوحد مؤامرة؟!
قاتل الطبيب البريطاني قتالاً شرساً للدفاع عن وجهة نظره، وقدم دراسة ثانية عام 2002 تدعم نتائج الدراسة الأولى، لكن عند التدقيق بنتائج الدراسة تبين أيضاً أنه تم التلاعب بمعايير البحث وأدواته، وأن الباحث ليس حيادياً أبداً بل يتحكم بالبحث ليصل إلى النتيجة التي يريدها من خلال اختيار العينات وظروف الفحص وغيرها من معايير الدراسة والبحث.
وكان العالم يحاول أن يحارب الحصبة ويحد من انتشارها وكاد أن ينجح لولا امتناع الكثير من الأهالي عن اللقاح بسبب مزاعم الطبيب البريطاني، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالحصبة مجدداً.
لكن مقاتلاً أكثر شراسة من الطبيب البريطاني كان مسؤولاً عن كشف الحقيقة، إنه الصحفي البريطاني براين دير، الذي قاد معركة لصالح صنداي تايمز والقناة الرابعة البريطانية بمواجهة ادعاءات الطبيب البريطاني حول التطعيمات والتوحد.

التوحد والتطعيمات قضية تجارية وليست أخلاقية كما ادَّعى وكيفيلد
وأهم ما وصل إليه الصحفي البريطاني براين داير أن وكيفيلد قد تعاقد مع محامٍ قبل إجراء دراسته المزعومة ليثبت خطر اللقاح الثلاثي، وكان الهدف من التعاقد المشبوه هو الحصول على أدلة علمية تدعم الادعاء على الشركات المصنعة للقاح الثلاثي أمام القضاء، وكانت هذه الأبحاث المزورة ممولة بمبالغ ضخمة.
هذه الحقائق الجديدة عرَّضت المجلة التي نشرت الدراسة إلى واحد من أطول تحقيقات إساءة السلوك المهني الطبي من قبل المجلس الطبي البريطاني العام، وهو ما انتهى بإقرار المجلة بأن الدراسة مزيفة، وسحب الدراسة وعدم الاعتراف بها مجدداً.
 ومن الحقائق الصادمة التي كشفها براين دير في صحيفة صنداي تايمز أن الطبيب قد تقدم للحصول على براءة اختراع للقاح جديد كبديل عن MMR وذلك قبل أن يعلن عن خطر اللقاح الثلاثي بشهور قليلة!!.

إذا أردنا أن نلخص نتائج التحقيقات الصحفية التي أكدت احتيال الطبيب البريطاني:
- تعاقد الطبيب بشكل مسبق على إجراء دراسات تهدف إلى إثبات وجود متلازمة هضمية عصبية تؤدي إلى حدوث التوحد وسببها هو اللقاح الثلاثي، دون أن يكون هناك ما يدعو إلى الشك.
- استخدم الطبيب في الدراسة عينة أقل بكثير من العينة التي يمكن أن تعطي نتائج حقيقية، ليس هذا فقط، بل كانت العينة كلها من الأطفال الذين تعرضوا للقاح، فيما لم يتم إدخال الأطفال الذين لم يأخذوا اللقاح في العينة ما يجعل الدراسة كلها وهماً.
- الأطفال الـ 12 عينات الدراسة كانوا جميعاً من خارج لندن، وكانوا موكلين للمحامي الذي تعاقد معه الطبيب، وكانوا الأهل يربطون بين اللقاحات وإصابة أبنائهم باضطرابات النمو والإدراك، ويبدو أنهم تعرضوا للخداع والإغراء.
- غيَّر الطبيب التشخيص ومعلومات الكشف السابقة للعينات لتكون موائمة لدراسته المزعومة.
- زوَّر الطبيب نتائج الفحوصات التي أجراها للعينات.
- من خلال إعادة الدراسة تبين أن كل النتائج التي وصل إليها الطبيب البريطاني مفبركة.
- باختصار، الدراسة مزورة، لا يوجد ما يثبت أي علاقة بين اللقاح الثلاثي ومرض طيف التوحد حتى الآن.

نسفت الحملة الصحفية التي قادها دير مصداقية الأبحاث المزعومة، خاصة وأنه كشف عن أموال ضخمة يتم توظيفها في هذه العملية، حيث كان الدكتور البريطاني يتوقع أن يجني 28 مليون جنيه استرليني سنوياً من تجارة الرعب كما وصفتها الصنداي تايمز.

كاريكاتور نشرته daily herald عن تخوف الأهالي من التطعيمات، الأم تقول للممرضة: آخر قناعاتي أن اللقاح يسبب أضرار أكثر من الفوائد، ترد الممرضة: هذه الحقنة ليست لطفلكِ إنما هي جرعة تفكير سليم ومنطقي لكِ أنتِ! 

 

أخيراً... الثابت حتى الآن أنه لا يوجد أي علاقة بين التطعيمات والتوحد أو غيره من الأمراض أو الاضطرابات التي تصيب الأطفال، والأضرار التي  تسببت بها الإشاعات منذ ظهور الدراسة المزيفة وحتى الآن أكبر بكثير مما يمكن أن تحدثه اللقاحات نفسها، لذلك نهيب بالآباء والأمهات إعطاء أطفالهم اللقاحات في مواعيدها لحمايتهم من أخطار الأمراض التي قد تكون قاتلة.

 

ذات علاقة