يجب أن يكون اللعب مع طفل هو أسهل شيء في العالم، طبعاً هذا من الناحية النظرية، حيث لا توجد قواعد، أو سيناريو معين، ألا تعرف لعبة الغميضة مثلاً؟!.. مع ذلك بعد مضي أيام متتالية بتواجدي مع أولاد أختي مثلاً؛ قد أشعر  بانعدام قدرتي على مجاراتهم باللعب! ونظراً لأهمية اللعب في عملية نمو الطفل، لا بد أن أتعرف وأنت كذلك؛ على بعض الأمور المهمة لكيفية اللعب، وقضاء الوقت مع الصغار.


ذات صلة


أهمية اللعب مع الأطفال

لماذا عليك أن تنخرط في اللعب مع الطفل؟
اللعب فطري (سلوك غريزي تطوري) عند الأطفال، حيث لا وجود للحدود بين اللعب والواقع، عندما يكون الطفل بطلاً خارقاً، فهو بطلٌ خارق.. أما بالنسبة للكبار فهم يمثلون دور البطل الخارق أثناء اللعب، وهذا التمثيل يأتي بشكل طبيعي للبعض، واللعب أمر بالغ الأهمية للتطور العاطفي والإدراكي والاجتماعي بالنسبة للصغار [1]، وبدون مبالغة يمكن تشبيه أهميته بأهمية النوم والتغذية! وهو ضروري من أجل بلوغ سن الرشد الصحية، يقول الباحث في مجال اللعب الدكتور ستيوارت براون (Stuart Brown): "إن الفكاهة والألعاب والتخبط والخيال؛ أمور تمثل للطفل شيء أكثر من مجرد المتعة، والكثير من اللعب في مرحلة الطفولة يعني أن يكبر الأطفال إلى بالغين سعداء وأذكياء، كما أن متابعة اللعب يمكن أن يجعلنا أكثر ذكاء وفي أي عمر  [2]وإلا كيف لمنظمة الأمم المتحدة أن تعترف به كحق أساسي من حقوق الإنسان [3]؟!
يجهل معظم الأهل فوائد اللعب مع الأطفال، وفي بعض الأحيان.. تقضي يوم عمل طويل وشاق، وقد يؤثر ذلك على علاقتك بأطفالك، بالنتيجة تضعف العلاقة بين الوالدين والطفل، لذلك من الضروري قضاء بعض الوقت في اللعب مع أطفالك خلال تواجدك معهم في المنزل، لأن أطفالك يستحقون حباً واهتماماً يمكن إظهاره باللعب معهم، ويمكن أن يحقق مجموعة من الفوائد هي:

- يطور اللعب مع طفلك ثقته واحترامه لذاته: اللعب مع أطفالك لا يحافظ على نشاطهم فحسب، بل يطور ثقة الأطفال واحترامهم لذاتهم، وإذا لم يكن لديك وقت للعب مع أطفالك، لا بد من إيجاد الوقت للعب معهم، مما يمنحهم الفرصة لفتح قلوبهم لك، كما ستكون قادراً على فهم ما يجعل طفلك سعيداً، كذلك تكون قادراً على معرفة إمكانياته وكشف مواهبه.

- يطور اللعب حالة بدنية جيدة: فالأطفال الذين لا يلعبون قد يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، وهي حالة خطيرة يمكن أن تؤدي إلى مرض السكري من النوع 2، وارتفاع ضغط الدم والإجهاد، لذا فإن اللعب مع أطفالك يتيح لهم فرصة للحفاظ على لياقتهم البدنية والصحية، كما يستفيد أولياء الأمور من اللعب مع أطفالهم فيما يخص اللياقة البدنية، ويخففون من التوتر المرتبط بالعمل أيضاً.

- اللعب مع الطفل يطور التركيز والاستقلال والإبداع: يسمح التركيز لطفلك بأن يكون مبدعاً ويطور مهارات وثقة مضاعفة بالنفس، كما يتيح لك اللعب مع أطفالك فرصةً لفهم طفلك وتصحيح سلوكه عندما يخطئ، بالتالي تعزز لديه الاستقلال والاعتماد على الذات، خلال أوقات بعدك عنه.

- باللعب مع أطفالك؛ تعدّهم لمرحلة البلوغ: اللعب مع أطفالك يمنحهم فرصة لتقدير جهود الأبوة والأمومة، ومعرفة ما إذا كان الأم والأب يعيشان بسعادة، إذ سيفهم الأطفال أهلهم، من خلال اللعب معاً كأسرة؛ ومن خلال هذه العلاقة والحب لن تهيئ أطفالك لدور الوالدين مستقبلاً فحسب، بل ستمنحهم في الوقت الحاضر حياة رائعة مليئة بالسعادة والتقدير.

- سيقدر الأطفال عالمهم: فاللعب مع أطفالك في الخارج (الحديقة والحقل مثلاً)؛ سوف يتيح لهم فهم روعة وجمال الطبيعة، كما سيعرف الأطفال أن الحياة مهمة وتستحق العيش، وأن الطبيعة لا تحتاج إلينا، لكننا بحاجة إليها، كما يتيح اللعب مع أطفالك في الهواء الطلق تعلم الكثير من الأمور الهامة، كلمس التراب والعناية بالنبات والقيام بأشياء أخرى تجلب لهم السعادة.

- اللعب مع أطفالك يعطيهم فرصة لفهم مشاعرهم: فهو يمثل فرصة ممتازة للتحدث بصراحة، لذا فإن تخصيص الوقت للعب مع أطفالك؛ يمنحهم فرصة للتحدث معك عما يفكرون به أو يعانون منه، وسوف تفهم الأشياء التي تزعج أطفالك وما يجب عليك القيام به لحلها، كما أنه يمكنك خلال وقت اللعب مع طفلك؛ أن تعرف ما يعجبه وما يكرهه، وما الذي يثير اهتمامه أو مشاعره، كذلك أفكاره.
 

ذات علاقة


دليلك للعب مع أطفالك

يجب أن تلعب مع طفلك، ويمكنك اختيار لعبة حسب عمر الطفل، فبعد قدومك من العمل يومياً؛ يمكنك مشاهدة الرسوم المتحركة معه وملاحقته في المنزل أو إخفاء دمية كي يعثر عليها، وخلال عطلة نهاية الأسبوع؛ يمكنك الذهاب في نزهة أو السباحة مع أطفالك وغيرها من طرق قضاء وقت ممتع مع الطفل تقوم باختيارها، لكن دعنا نتحدث عن اللعب مع الأطفال منذ سن الرضاعة.. حتى ما قبل الدخول إلى المدرسة، نظراً لأهمية هذه المرحلة العمرية في تشكيل اللبنات الأولى في شخصية الصغار:

- اللعب مع الطفل خلال عمر سنة واحدة: يمكن للرضع في عمر أيام الانجذاب إلى الوجوه والتمييز بين ثلاثة تعبيرات للوجه (السعيدة والحزينة والدهِشة) [4]، لذلك خلال السنة الأولى اختر قصصاً مصورة تحتوي على رسومات واضحة، أو استخدم ألبوم صور لأفراد العائلة، الأهم من ذلك قضاء الكثير من الوقت وجهاً لوجه مع الطفل، كذلك استخدم صوتك، الذي سيساعد في وضع الأساس لمهارات اللغة عند الطفل، مثلاً قم بجولة مع الرضيع في مطبخك، أو جرِّب التحدث بصوت عالي بما تقوم بفعله في الوقت الحالي، لأن سرد ما يجري في أنحاء المنزل وتوجيه المحادثة للرضيع؛ تساهم في تأسيس قدراته على التعلّم مستقبلاً [5]، وتعطيه فرصة على تكوين مخزون من المفردات في الوقت الذي تلعب معه، ولا تنسى الغناء لطفلك؛ تلك الأغاني البسيطة للأطفال التي تترافق مع حركات اليدين وتعبيرات الوجه (السخيفة ربما) لكن المهمة جداً، بالإضافة إلى ملامسة أنف الرضيع بأنفك ودغدغة بطنه في عمر أكبر من ستة أشهر، كذلك التصفيق والصراخ اللطيف معه.

- اللعب مع الطفل من عمر 1-3 سنوات: عليك أن تتذكر جيداً أن الطفل هو قائد العملية في هذه المرحلة، لا تحاول اللعب معه وكأنك في مهمة مستحيلة! وأكثر ما يمكن فعله هو مراقبة الطفل والانتظار حتى يدعوك إلى عالمه الصغير، يمكن أن تكون هذه الدعوة بإشارة غير لفظية، لذا عليك أن تعرف جيداً متى تنخرط، ولا تفرض نفسك على اللعب! دورك الآن هو توفير البيئة الآمنة للطفل، مثل تحريك الأريكة الكبيرة بعيداً عن الجدار، حتى يتمكن الصغير من توفير مساحة إضافية للعبته، أو تأمين حواف الطاولات الحادّة، أو إبعاد ما يمكن أن يقع على الصغير أثناء اللعب، وإذا تمت دعوتك إلى اللعب أخيراً.. لكنك لست متأكداً من كيفية المشاركة؛ حاول أن تقلد سلوك الطفل في اللعب، وعلى الرغم من أنه لا يبدو الأطفال الصغار يولون اهتماماً، إلا أنهم يتابعون عن كثب ما يجري حولهم ويتعلمون منه، لذا انتبه ولا تسخر من لعب الطفل!.. لكن تأمل فيما يفعل.. مثلاً إذا كان يلعب بأدوات المطبخ (الألعاب وليست الحقيقية)؛ يمكنك هنا أن تقول: "آه.. أنت تطبخ شيئاً في هذه المقلاة! "ثم يمكنك أن تتابع اللعب معه كما يفعل.

- اللعب مع الأطفال من عمر 3-5 سنوات: لا تتبنى عقلية المعلّم أو المنظّر.. خلال هذه المرحلة العمرية من حياة طفلك! وعلى الرغم من أهمية إعداده للمدرسة (وقد أدخلته الروضة أو الحضانة فعلياً).. إلا أن للعب الأهمية الأكبر خلال هذا العمر، فلا تدفع الطفل للتعلم من خلال اللعب.. أرجوك، إذ سيشعر بهذا الأمر وسيصبح اللعب أقل متعة [6]، كما عليك أن تركز خلال هذا العمر على اللعب الذي ينمي الذكاء العاطفي وقدرة الطفل على الاختيار، بالتفاوض مع الطفل على اللعبة وما هي اللعبة التالية، ومن يجب أن يدعم من في اللعب الخشن، مثل رفع الطفل على قدميك للأعلى أو رميه بلطف للأعلى، كما يجب عليك التأكد من تسهيل اللعب مع الأطفال الآخرين (خاصة الأكبر سناً)، حيث يصممون سلوكيات تشجع طفلك الأصغر سناً.. على تجاوز قدراته، إذ سيتضاءل اهتمام طفلك ذي الأربع سنوات؛ باللعب مع طفل من عمره برمي الكرة لبعضهما البعض، ولن يكون الأمر ممتعاً بمجرد إمساك الكرة، لكن لعبه مع طفل يبلغ من العمر 8 سنوات مثلاً، سيحفزه أكثر.. فيحاول أن يجاري اللعب الأخشن قليلاً، وهنا عليك ألا تبالغ في حماية صغيرك، لأن اللعب الخشن معك أو مع طفل أكبر تحت مراقبة منك؛ يدفع الطفل الأصغر سناً إلى اللعب على مستوى أكثر تطوراً، كما يتعلم الطفل الأكبر سناً القيادة والعناية بالصغير خلال هذه العملية، ومن يدري ربما تتعلم أنت شيئاً مهماً أيضاً!

في الختام.. اللعب مع أطفالك يبني ثقتهم وتركيزهم واحترامهم لذاتهم واستقلالهم، وإذا كنت تريد إنجاب أطفال، يجب أن تلعب دوراً حيوياً، سوف يعطيك اللعب مع طفلك معرفة حول سلوكيات أطفالك، كما أنك ستكون قادراً على معرفة نقاط الضعف لديه ولديك أيضاً، وتصحيحها كلما حدث خطأ ما، فابدأ باللعب مع طفلك وهو صغير جداً، بحيث يطور مهارات ممتازة وعلاقة متينة معكما.
 

المصادر والمراجع

[1] دراسة حول تأثير التظاهر في اللعب على نمو الطفل، منشورة على موقع: Virginia.edu، تمت المراجعة في: 12/06/2019
[2] اللعب أكثر من مجرد متعة، حديث للدكتور ستيوارت براون (Stuart Brown)، منشور على موقع: Ted.com، تمت المراجعة في: 11/06/2019
[3] المادة 31 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، منشورة على موقع: Ipaworld.org، تمت المراجعة في: 12/06/2019
[4] دراسة التمييز البصري لدى المواليد الجدد، منشورة على موقع: Aappublications.org، تمت المراجعة في: 11/06/2019
[5] مقال حول دور التحدث إلى الرضع في تطوير أدمغتهم، منشور على: Theguardian.com، تمت المراجعة في: 11/06/2019
[6] كتاب عالم النفس بيتر غراي Peter Gray، فوائد اللعب Free To Learn، منشور على: I'm home schooling، تمت المراجعة في: 12/06/2019