التفوق هو عنوان النجاح وربما طريقه ومبتغاه، والتفوق يعني التقدم على الآخرين وامتلاك صفات وقدرات وإمكانات وإنجازات أكبر وأكثر، وهذا يفسر الرغبة والسعي نحوه بأي مجال من مجالات الحياة، سواء في الدراسة والتحصيل العلمي أو العمل والحياة المهنية، أو حتى امتلاك موهبة والابداع والتميز من خلالها.
إذاً فالتفوق هو رغبة وحاجة طبيعية موجودة لدى كل إنسان بشكل أو بآخر، ولكن في بعض الأحيان تأخذ هذه الرغبة طابعاً لا يخلو من الهوس والجموح وفي هذه الحالة تتحول تلك الرغبة الطبيعية إلى نزعة مختلفة من حيث هدفها وجوهرها عن طبيعية الهدف الفعلي للموضوع أو المجال المراد التفوق فيه، فما هي هذه النزعة وماهي أسباب ظهورها عند الأطفال بالدرجة الأولى؟.
 


ذات صلة


معنى نزعة التفوق

معنى نزعة التفوق والفرق بين التفوق والنزعة إليه
- التفوّق بشكل عام:
يعني ابداء تقدم وقدرة على النجاح والتميز ويكون هذا التقدم بمجال معين يتوافق مع ميول الطفل المتفوق ورغباته بشكل طبيعي وذلك بناء على قدراته وامكاناته ومهاراته الشخصية أو مواهبه بالإضافة للفرص التي أتيحت له.

- أما النزعة إلى التفوّق: غالباً ما تكون لأسباب شخصية ونفسية تجعل صاحبها يسعى للنجاح والتفوق باي مجال لأهداف غير مرتبطة بالضرورة بموضوع هذا المجال أو مكاسبه مثل إثبات الذات أو الوصول لمكانة معينة أو الحصول على مكاسب مرغوبة.
 

ذات علاقة


أسباب نزعة التفوق عند الطفل

التطور والنمو العقلي والجسدي والمعرفي أو الفكري هو حالة طبيعية في مسيرة الفرد البشري خلال حياته هدفها تحقيق فرد أفضل قدرة على التأقلم ولاندماج مع الحياة ومتطلباتها وحاجاتها، وعلى غرار هذا ينظر للرغبة بالنجاح والتقدم، فكلما كان الشخص متفوقاً أكثر كلما كان متأقلماً ومتطوراً أكثر ليعيش حياته بشكل أفضل، أما بالحديث عن النزعة إلى التفوق ونشأتها فهناك العديد من الظروف والأسباب التي يمكن أن تعتبر من مصادرها فمثلاً:

- تحفيز الأهل المبالغ فيه: جميع الأهل يرغبون برؤية طفلهم ناجح ومتفوق على من حوله، ,هذا التحفيز يتم باستخدام الأهل لمجموعة من الطرق ومنها الخوف والتهديد كنوع من العقاب أو الرشوة والمكافئة كنوع من الثواب[1]، والجدير بالذكر أن هاتين الطريقتين من سلبياتهما أنهما يطوران نزعة للتفوق لدى الطفل ولكن في أساسها هرباً من العقاب أو سعياً وراء الثواب بدلاً من الحصول على مكاسب الموضوع المتفوق فيه فعلاً.

- الحسد والغيرة وإثبات الذات: وهي من الأسباب والدوافع النفسية التي تحفز الطفل لأن ينمي دافعاً أو نزعة للتفوق والابداع بغرض أن يتفوق على موضوع حسده أو غيرته أو أن يبرز نفسه بأنه شخص ناجح يستحق احترام الآخرين وتقديرهم والإعجاب به من قبلهم.

- الخوف من الفشل: بعض الأشخاص أو حتى بعض الأطفال لديهم فوبيا أو خوف من الفشل، فأي حالة من حالات الفشل التي يتعرضون لها تؤدي لمشاعر الإحباط والاكتئاب وخيبة الأمل لديهم، هذا بالإضافة للكثير من الآثار السيئة التي قد تترتب على فشلهم مثل عقوبات الأهل في حال التراجع الدراسي أو الرسوب بالامتحانات، ولجميع هذه الأسباب قد تنشأ بذور نزعة التفوق عند الأطفال.  

- الخوف من النجاح: أو ما يعرف برهاب أو فوبيا النجاح وهو يشبه الخوف من الفشل إلى حد بعيد على حسب رأي الكاتب جاكوب اولسون[2]، وفي هذه الحالة يخاف الطفل من النجاح كما خوفه من الفشل، فيرى أنه يجب أن يكون متفوقاً في قدراته حتى يكون على مستوى النجاح الذي ينتظره.

- الأحلام والأمنيات: أحياناً تكون أحلام الأطفال أو أمنياتهم شديدة التأثير على شخصية الطفل ونفسيته[3] وربما لديه هوس في تحقيقها، ومن هنا تفرض هذه الأمنيات نفسها من حيث أنها قد تحتاج لمستوى معين من القدرات وهكذا تصبح حافز ودافع لتشكل نزعة للتفوق لديه.

- الإدمان على النجاح: النجاح والوصول إلى الغايات يرافقه عادة شعور بالسعادة والرضا، وعندما يتكرر هذا الشعور الذي يثير إعجاب الطفل فقد يدمن عليه، وهنا نجده يسعى دائماً للنجاح والتفوق بغية الوصول لهذا الشعور، ومع تكرار هذه الحالة تصبح الظروف ملائمة لنمو نزعة التفوق.

- تعويض مشاعر النقص: قد يعاني الطفل من إحدى عقد النقص النفسية أو اضطرابات نفسية أخرى، وهو قد يسعى للتفوق والنجاح بشكل أكثر من اللازم وبدرجة مبالغ فيها تعويضاً عن هذا النقص الذي يشعر به، فقد يشعر مثلاً أنه أقل من زملائه من حيث وضعه المادي أو مستوى أسرته المعيشي والاجتماعي وبالتالي يتكون لديه نزعة مبالغ فيها للنجاح والتفوق في مستواه الدراسي، غير آبه بالمكاسب الفعلية التي يحققها من هذا التفوق.
 

آثار نزعة التفوق على شخصية الطفل 

يمكن القول أن النزعة إلى التفوق بعيداً عن صفتها وطريقة فهما أو النظر إليها باعتبارها مسألة سلبية أو إيجابية، فهي في جميع الأحوال تعد من أحد الخصائص الشخصية لبعض الأطفال التي تميزهم عن غيرهم، وكما هو الحال في كافة الخصائص الشخصية فهذه الخاصية أيضاً لها آثار ومنعكسات تبدو على شخصية حاملها وتؤثر فيها وفي حياته وسلوكياته، فمن آثار نزعة التفوق على صاحبها:

الآثار الإيجابية لنزعة التفوق
- الحرمان من متع الحياة:
فالطفل الذي لديه نزعة التفوق غالباً ما يغرق نفسه في الدراسة أو العمل أو التخطيط للنجاح في بعض الأشياء ولكن إلى درجة قد تضر به وبشخصيته، وقد يحرمه هذا مثلاً من أبسط معاني وحقوق الطفولة مثل التسلية واللعب وأشكال المتعة المختلفة أو تكوين الصداقات.
- الرغبة الجامحة في التفوق: فهذه الرغبة قد تؤدي في بعض الأحيان لنمو سلوكيات الطمع في بعض الأحيان فهو يريد أن يبدو متفوقاً وأفضل من غيره في كل شيء مهما كلفه الأمر أو اضطر أن يفعل، ولهذه المسألة أيضاً سلبياتها التي لا تحصى.
- تنمية صفات شخصية سيئة: مثل الغرور وتعلم الانتهازية واستغلال الظروف والآخرين أو حتى القيام بسلوكيات ضارة بالآخرين في سبيل الوصول لغايته، فحتى يرى نفسه متفوقاً مثلاً في الوضع المادي له قد يلجاً إلى السرقة أو الاعتداء على الأملاك.
- تنمية مشاعر سلبية: فعندما لا تكون نتائج الأعمال التي قام بها الطفل ملبية للمستوى المطلوب أو المأمول، فإنها سوف تتسبب في تكوّن مشاعر الإحباط والفشل أو الاكتئاب والغيرة والحزن الشديد لديه، وكل من هذه المشاعر بحد ذاتها لها آثار سلبية على شخصيته.

الآثار الإيجابية لنزعة التفوق
- التحفيز على العمل بجد:
هذه النزعة تجعل الطفل أكثر مسؤولية في حياته ولديه حافز أكبر يدفعه دائماً للعمل بجد والسعي نحو النجاح، وكل هذه المسائل لها آثار إيجابية على مستقبل الطفل ونجاحه في حياته بشكل عام وتحقيق أهدافه وطموحاته أو الوصول للمكانة التي يحلم بها.
- تنمية مواهب وقدرات الطفل: فعندما يملك الطفل أي موهبة أو قدرة إبداعية معينة في أي مجال كان فإن نزعة التفوق والنجاح لديه تدفعه لتطوير هذه المواهب وصقلها في سبيل أن يرضي طموحه ويشعر أنه مختلف ومتفوق على الآخرين.
 

نزعة التفوق والعملية التربوية

الهدف في النهاية من الدراسة أو البحث في أي خاصية من خصائص الأطفال أو صفة من صفاتهم أو نموذج من سلوكياتهم، هو معرفة الطريقة التي يجب اتباعها مع الأخذ بالاعتبار هذه المسألة في سبيل الوصول للغايات التربوية المنشودة، وبالحديث عن نزعة التفوق رأينا أنها تحمل وجيهن من الآثار منها ما هو إيجابي ومنها السلبي، ونحن بحاجة لخطوات أو وسائل تربوية تتيح الاستفادة من هذه الإيجابيات وإبعاد أثر تلك السلبيات:

- فيجب مثلاً أن يتعلم الطفل قيمة القناعة والرضا: في سبيل التخفيف من الأثر السلبي لنزعة التفوق مثل الغرور أو الطمع أو ما شابه من صفات، من الجيد أن يتعلم الطفل الذي لديه هذه النزعة قيمة القناعة والرضا بالواقع، فيجب أن يقوم بما عليه ويتحمل مسؤولياته ومن ثم الرضا بالنتائج مهما كانت.

- يجب أن يكون لدى الطفل هدف وطموح حقيقي: حتى لا ينشغل الطفل بأهداف وغايات وهمية فقط بدافع إرضاء نزعة التفوق لديه يجب أن يكون لديه هدف حقيقي متناسب مع إمكاناته وميوله ويحقق له مستقبل وحياة جيدة، فوجود مثل هذا الهدف أو الطموح من شأنه أن يخفف من آثار نزعة التفوق ذات الأهداف الوهمية.

- تعزيز ثقة الطفل بنفسه: حيث أن الطفل الواثق من نفسيه ليس بحاجة لأن يثبت ذاته من خلال السعي للتفوق في مجال ما فهو أساساً لديه شعور أنه ناجح وبحاجة للتفوق من أجل أسباب أخرى مثل الوصول لأهدافه وتحقيق طموحاته والوصول لأحلامه بدلاً من نزعة نحو التفوق في أي مجال كان بدون هدف أو سبب واضح لهذه الغاية.

- توجيه واستغلال طاقات الطفل نحو مقدراته وميوله: فالنزعة إلى التفوق تعد دافع وطاقة لا يستهان بها ويمكن من خلالها إذا ما وضعت في المسار الصحيح وهو تحقيق الأهداف المناسبة لمستقبل الطفل وميوله، أن تؤسس لفرد ناجح في المجتمع يمكن أن يصل لمكانات اجتماعية مرموقة وناجحة بمجال عملها في المستقبل.

- تحفيز الطفل بشكل متناسب فعلياً مع قدراته واستجاباته: أو عدم المبالغة على الأقل في التحفيز أو الاطراء والمديح حتى لا يشعر الطفل بالغرور وضرورة أن يبحث عن شيء ليكون متفوق فيه بحيث يرضي غروره ويكون عند حسن ظن من يقوم بمديحه، وبدلاً من ذلك يجب أن يكون المديح متناسب فعلاً مع قدرات الطفل ومستوى إنجازاته أو أهمية الاستجابات التي قام بها.

- البحث عن السبب المؤدي إلى النزعة وعلاجه: فقد تكون هذه النزعة إلى النجاح والتفوق ناتجة عن أسباب عديدة ومتنوعة مثل الخوف من الفشل أو الغيرة أو التقليد أو أثبات الذات أو الغرور وغيرها كثير، وكل من هذه الأسباب تعد سمة شخصية أو خاصية يمكن بعلاجها التخفيف من حدة الأثر الناتج عنها وبالتالي الوقاية من تنمية نزعات مثل نزعة التفوق.

إذاً فالتفوق والنجاح من حيث مفهومه وما يتضمنه هذا المصطلح من معاني إيجابية ومرغوبة لا يخلو من حالات خاصة قد تجعل الرغبة فيه أو السعي نحوه شكل من أشكال الاضطرابات النفسية، ففي حالة النزعة المبالغ فيها إلى التفوق قد يصبح الأمر شكل من أشكال الفوبيات التي تؤرق حيات الطفل وتؤثر بالعديد من نواحي شخصيته، وهنا كان لا بد من التعرف على هذه النزعة وفهم معناها وتقدير آثارها ومعرفة أسبابها بهدف تقويم وتقدير نتائجها.
 

المصادر والمراجع

[1] تقرير يحثي بعنوان كيف تحفز طفلك على النجاح، منشور على موقع Family Evolved.com  تمت مراجعته بتاريخ 17/6/2019
[2] مقال الكاتب Jacob olesen، بعنوان "رهاب النجاح  حول خوف بعض الأشخاص من النجاح وتحقيق الأهداف" المنشور على موقع (FEAROF.COM)  تمت مراجعته بتاريخ 17/6/2019.
[3] مقال جون سي ماكسويل حول كيفية تحقيق الأحلام بعنوان "ما هو حلمك؟". تمت مراجعته بتاريخ 17/6/2019.