لا نبالغ إذ نقول أن عواطفنا تتحكم بجزء كبير من انفعالاتنا واستجابتنا السلوكية، وهذا يبدو واضحاً في ردود أفعالنا المتغيرة تجاه المواقف المختلفة كالغضب والحزن أو الفرح والسعادة، وبالنسبة للأطفال تعد العواطف أكثر أهمية في تحريك وتحديد سلوكياتهم ومواقفهم تجاه مختلف الأشخاص والأحداث.
وإذا ما تعرض الطفل لصدمة في إحدى جوانب عواطفه فسوف يكون لهذا تأثير على مختلف جوانب شخصيه وسلوكياته وانفعالاته، ومن هنا تبدو ضرورة دراسة الصدمات العاطفية التي يتعرض لها الأطفال من حيث أنواعها وآثارها وأسبابها وكيف يمكن وقايته ومعالجته منها.
 


ذات صلة


أسباب الصدمة عند الأطفال والمراهقين

ما المقصود بالصدمات العاطفية؟... يمكن أن القول أن الصدمة العاطفية هي رد فعل نفسي على الأحداث الصادمة كما يعرفها بعد المختصين[1] بمعنى أنها عبارة عن حالة نفسية شعورية تحدث عادة نتيجة لموقف أو حدث كبير ومفاجئ يثير في نفس الطفل الذي يتعرض له مزيج من المشاعر المحزنة أو المؤلمة مثل الحزن الشديد والاستغراب أو الخوف والغضب والإحباط وخيبة الأمل، وتأتي هذه المشاعر بشكل كبير وصاعق بحيث لا يتمكن الطفل من استيعابها أو تحمل تصديقها وفهمها وبالتالي يصاب بما يعرف بالصدمة العاطفية.

العوامل والمواقف التي تؤدي للصدمات العاطفية عند الأطفال والمراهقين
الحياة فيها الكثير من مواقف الألم والحزن وخيبة الأمل أو الخوف والشعور بالخطر بالإضافة للأحداث المفاجئة والصادمة، كلنا معرضون للاصطدام بأحد هذه المواقف وعدم القدرة على تحملها، ولكن الأطفال والمراهقين بسبب طبيعتهم النفسية وقلة تجاربهم أكثر حساسية تجاه مثل هذه المواقف وهذا ما يجعلهم معرضون أكثر للصدمات العاطفية الناتجة عنها، فمثلاً من العوامل التي تؤدي لإصابتهم بالصدمة:

- الحوادث العنيفة والأليمة: فالطفل خلال حياته الطبيعية واليومية قد يتعرض او يشاهد الكثير من الأحداث والمواقف الكبيرة في حجمها والعميقة في تأثيرها، مثل الحوادث الخطيرة والمرعبة كالتعرض لهجوم أو اعتداء أو رؤية حادث مروري مروع[2] أو تعرض الطفل نفسه أو أحد أمامه لموقف عنيف وخطير حيث أن كل هذه مواقف تعرض الطفل للصدمات العاطفية.

- التعرض للتشوهات الجسدية: لأسباب عديدة ومختلفة قد يصاب الطفل بمرض ما أو تشوه جسدي مثل فقدان أحد الحواس أو القدرات أو بتر أحد الأطراف وغيرها الكثير سواء بسبب حادث أثناء اللعب أو ممارسة الأنشطة الطبيعية اليومية وشعور الطفل بالعجز التي تسببه هذه التشوهات كفيل بأن يؤدي لصدمة عاطفية لديه.

- المواقف المرعبة والمخيفة: ومثل هذه المواقف عديدة ومتنوعة ويمكن أن يتعرض لها الطفل في أي وقت من حياته اليومية الطبيعية مثل التعرض للهجوم من قبل حيوان أو الاعتداء من قبل بعض الأطفال المشاكسين أو قد يتوه عن والديه لبعض الوقت ويجد نفسه وحيداً في مكان غريب ومخيف أو قد يرى انفجار ضخم أو شخص يتعرض لحادث أليم.

- فقدان أحد الأحباء: وهي حالة شديدة الانتشار وتعتبر من أهم الأسباب التي تصيب بعض الأطفال بالصدمة العاطفية وخاصة عندما يكون المفقود هو الأب أو الأم أو شقيق أو صديق عزيز وحتى الحيوان الخاص في بعض الأحيان قد يسبب صدمات عاطفية للطفل.

- الفوبيا والهواجس: وفي هذه الحالة تكون الصدمة العاطفية ناتجة عن تعرض الطفل لموقف مخيف ومرتبط بمخاوفه وهواجسه الشخصية مثل التواجد مرغماً في غرفة مظلمة وهو في الأساس لديه خوف من الأماكن المظلمة أو التواجد في مكان عال ومرتفع وهو يخاف من هذه الأماكن.

- الحوادث التي تحصل أثناء اللعب: فالطفل وأثناء لعبه الدائم والمستمر قد يعرض نفسه للعديد من المخاطر أو يتسبب في بعض الأحداث مثل الحرائق أو التسبب بأذية لأحد الأشخاص أو السقوط من مكان مرتفع أو التعرض لماس كهربائي، وكل هذه المواقف سوف تشعر الطفل بالتوتر والخوف وقد يصدم من نتائجها.

- التعرض للتحرش أو الاعتداء الجنسي: فالطفل لا يعرف كثيراً عن الجنس وغالباً ما يكون الاعتداء الجنسي مقترن بمعاملة عنيفة مع المعتدى عليه من شخص غير سوي على المستوى النفسي وهو ما يمثل موقف غريب ومخيف بالنسبة للطفل ويؤدي لصدمه عاطفياً [3].

- رؤية الأهل في مواقف تغير نظرته بهم: حيث أن الأطفال يجدون في والديهم دائماً نموذجاً يقتدى به ويجب تقليده وهما مثال للسلوك الجيد والمرغوب، وعندما يراهم في مواقف معينة يكذبون أو يتشاجرون أو حتى بمواقف عاطفية محرجة فقد يتسبب كل هذا بصدمة عاطفية بالنسبة له.
 

ذات علاقة


تأثير الصدمة العاطفية على الأطفال والمراهقين

ليس بالضرورة أن تنتهي المشاعر المصاحبة للصدمات العاطفية فور انتهاء الموقف أو الحدث الذي أدى لها، فهذه المواقف تتميز بأنها كبيرة من حيث حجمها وعمق تأثيرها في نفس الطفل المصدوم، وقد تحتاج إلى علاج ومتابعة في بعض الأحيان، أو قد تستمر طيلة حياته، فمن الآثار التي عادة ما تنتج عن الصدمات العاطفية:

- مشاعر القلق والتوتر وعدم الأمان: حيث أن الطفل الذي يعاني من صدمة عاطفية معينة قد تسبب له مشاعر عدم الأمان والثقة بالإضافة للقلق والتوتر من كل شيء، وهذا مرتبط طبعاً بأنواع معينة من الصدمات التي تحصل مثلاً نتيجة موقف مرعب يشعر الطفل فيه بالتهديد وإمكانية تكرار هذا الموقف.

- الكوابيس والأحلام ومشاكل النوم: ويوجد نوع آخر من الصدمات التي عادة ما ينتج عن مواقف تعيش في وعي الطفل وتراود ذاكرته بشكل دائم، مثل فقدان شخص عزيز، وهذا عادة يؤدي لرؤية الطفل بعض الكوابيس والأحلام أثناء نومه والمرتبطة بموضوع الصدمة التي يعاني منها.

- مشاعر الخوف والقلق: وهذا يحصل نتيجة الصدمات التي تتسبب بها مواقف مرعبة كالتعرض للاعتداء أو الحوادث، فالطفل الذي يتعرض لحادث مروري أو ماس كهربي أو حوادث سببت له حروق، سوف يشعر بالخوف من جميع المواقف المشابهة التي تؤدي لهذه الحوادث فيصبح مثلاً يخاف من تقطيع الشارع أو يتوتر عند رؤية النار.

- عدم الثقة بالنفس وبالآخرين: فنتيجة بعض الصدمات العاطفية وخاصة تلك التي تحصل بسبب خيبة أمل أو مشاعر الإحباط والفشل، تسبب لدى الأطفال مشاعر لوم الذات وعدم الثقة بالنفس والقدرة على النجاح في تخطي سبب هذه الصدمة.

- الحزن والاكتئاب: بعض الصدمات العاطفية تحصل للطفل لأسباب لا يمكن علاجها أو إصلاحها مثل حالات المرض الشديد أو التشوهات وحصول العاهات المستديمة، وقد لا يستطيع الطفل تقبل وضعه الجديد وبالتالي تراوده مشاعر الاكتئاب والحزن ويدخل بحالة من فقدان الأمل قد يكون من الصعب تخليصه منها إلا بالاستعانة بالخبراء والأشخاص المختصين.

- قلة التركيز: وينتج هذا عن تفكير الطفل الدائم بموضوع صدمته وعدم قدرته على تجاوز أسباب هذه الصدمة والتأقلم مع الوضع الجديد وبالتالي فإن أفكاره سوف تنشغل دائماً بهذه الأشياء وهذا ما يسبب له قلة تركيز بالموضوعات والواجبات الأخرى المطلوبة منه.

- الانعزال والانطوائية: وقد تسبب الصدمات العاطفية عند الأطفال عدم رغبتهم بالاختلاط والتفاعل مع الآخرين وتفضيلهم للوحدة والانعزال وينتج هذا شعورهم بالنقص وأنهم أقل من الآخرين أو عدم ثقتهم ومحبتهم للآخرين نتيجة للعامل الذي سبب لهم هذه الصدمة العاطفية.

- بعض العوارض الجسدية: وهي تحصل عادةً إما نتيجة للحالة النفسية والمزاجية السيئة المرتبطة بموضوع الصدمة العاطفية أو لأن هذه الصدمة ناتجة أساساً عن مشكلة أو مرض أو عارض صحي مثل ألأم الرأس وتقرحات المعدة وفقدان الشهية والشعور بالغثيان. 
 

التعامل مع الصدمة عند الأطفال

كيف يمكن التغلب على مواقف الصدمات العاطفية وتجاوزها
في حال تعرض الطفل لنوع من الصدمات العاطفية لا يجب إهمال الأمر وتركه للوقت والزمن وخاصة عندما تكون هذه الصدمة من النوع الذي سوف يستمر تأثيره بشكل دائم كفقدان شخص ما أو الإصابة بمرض معين، ويمكن معالجة آثار هذه الصدمات أو أعراضها من خلال بعض الخطوات[4] التي تساعد في إعادة الطفل إلى توازنه النفسي والعمل على جعله يتعايش مع واقع هذه الصدمة ويتجاوز نتائجها، ومن هذه الخطوات:

- المحبة والتعاطف: في بداية الأمر يجب أن يشعر الطفل بمحبة الآخرين له واهتمامهم به وتعاطفهم مع مشكلته ولكن دون إشعاره بالشفقة أو أنه ضعيف وعاجز، وشعوره بأن من حوله يحبوه ويتقبلوه سوف يشكل لديه حافز ودافع لتجاوز مشكلته والتغلب على أسبابها وبالتالي خروجه من حالة الصدمة.

- عدم التعامل بشفقة مبالغ فيها: حيث أن شعور الطفل بأن تعاطف الآخرين معه واهتمامهم به ناتج عن شعورهم بالشفقة تجاهه سوف يجعله يرى أنه ضعيف وبالتالي يفقد الثقة بنفسه وبقدرته على التغلب على صدمته هذه ويصبح أيضاً أكثر اتكالية واعتمادية على الآخرين.

- تشجيع الطفل على تنمية العلاقات الاجتماعية: فبقاء الطفل وحيداً ومنعزلاً سوف يسبب كثرة تفكيره بموضوع صدمته وبالتالي سوف تتعمق في نفسه ووعيه ويصبح من الصعب التخلص منها، وتشجيعه على تنمية علاقات جيدة مع الآخرين وخاصة أقرانه سوف يساعده على الخروج من عزلته والحصول على الطاقة العاطفية اللازمة لمتابعة حياته بشكل طبيعي.

- عدم الاستهتار بمشاعر الطفل: فالأطفال لديهم مشاعرهم الخاصة الناتجة عن أفكارهم وحاجاتهم وهم أكثر حساسية من الكبار تجاه مشاعرهم هذه، ولا يمكن التعامل مع مشاعرهم على أنها مجرد أحاسيس طفولية مؤقتة لا تعكس آثر على شخصية الطفل.

- التقرب من الطفل والتعرف على عالمه ومشاكله وهواجسه: فالأطفال لديهم عالمهم الخاص المكون من رغباتهم ومشاعرهم ومخاوفهم وأفكارهم، وهو يرغب بمشاركة هذه الخواص مع الآخرين، وبالتالي فإن التقرب من الطفل وإشباع هذه  الغاية لديه يساعد في تبديد أفكاره السلبية وأنه وحيد في مواجهة صدماته العاطفية.

- زيادة الثقة بالنفس: يجب أن يثق الطفل بنفسه وبقدرته على تجاوز مشكلته ويجب تعزيز هذه الثقة لديه من خلال الحديث معه وإشعاره باستمرار أنه قادر على التغلب على أسباب صدمته وأنه قادر على تحملها.

- برامج الدعم النفسي والاجتماعي: وهي في  الحالات التي تعد فيها نتائج وآثار الصدمة العاطفية للطفل بالغة التأثير على استقراره وتوازنه النفسي والانفعالي، وهي برامج يجب تشميله فيها حيث أنها تتم بإشراف مختصين وخبراء في هذا المجال لديهم القدرة والمؤهلات التي تجعلهم قادرين على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم للطفل في هذه الحلات.

إذاً فالأطفال مثل الكبار وربما أكثر منهم تعرضاً للمواقف الصعبة والاحداث المفاجئة التي تؤدي لصدمهم في عمق مشاعرهم وعواطفهم، وهم من جهة أكثر تأثراً بنتائجها واعراضها كونهم اقل قدرة على مواجهتها واستيعاب واقعها، وأكثر قدرة على تجاوزها والتغلب عليها من جهة أخرى كونهم أكثر مرونة في التعايش مع الوقائع الجديدة، ومن هنا تبدو أهمية فهم هذه الصدمات من حيث أسبابها وآثارها وكيفية نشوؤها وبالتالي وقاية الطفل منها أو علاجه من آثارها.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال  Harley therapy "علامات تحذيرية للصدمة العاطفية" منشور في harleytherapy.co.uk،  تمت مراجعته بتاريخ 20/6/2019
[2] ملخص دراسة (Di Gallo A (1997 "عواقب نفسية مبكرة لدى الأطفال والمراهقين في حوادث السير" منشور في www.ncbi.nlm.nih.gov، تمت مراجعته بتاريخ 20/6/2019
[3] مقال Lawrence Robinson, Melinda Smith وآخرين "الصدمات العاطفية والنفسية حول تجاوز هذه الصدمات وطريقة التغلب عليها" منشورة على موقع helpguide.org تمت مراجعته بتاريخ 20/6/2019
[4] مقال "الاطفال والصدمات حول اضطراب ما بعد الصدمات النفسية لدى الاطفال والمراهقين" المنشور على موقع apa.org. تمت مراجعته بتاريخ 20/6/2019