على الرغم أن التفاؤل والتشاؤم من حيث المفهوم والمعنى على طرفي نقيض؛ لكن في الحقيقة يمكن القول أنهما ناتجين من نفس المصدر، وهو الطريقة التي يرى فيها الشخص نفسه والعالم من حوله وكيف يتوقع المستقبل على أساس رؤيته هذه، ومن هنا يمكن التنبؤ بما قد تضفيه إحدى هاتين الصفتين من سمات وخصائص لشخصية الطفل، وكيف يمكن التعامل مع تشاؤم الأطفال وتعليمهم التفكير المتفائل.


ذات صلة


إيجابيات التفكير المتفائل عند الأطفال

لا يتوقف الأمر على تحسين المزاجية والمشاعر بشكل عام عند الأطفال المتفائلين، وإنما حتى الصورة العامة للطفل المتفائل سوف تأخذ طابعاً وشكلاً خاص هذا بالإضافة إلى نظرته تجاه نفسه أو تجاه الآخرين والعالم من حوله، فالطفل المتفائل لا يرى بأن هناك شيء مستحيل وبالتالي لا يشعر بالإحباط أو الاكتئاب، ويمكن تلخيص إيجابيات التفاؤل[1] على شخصية الطفل:

- طبيعة الطفل النفسية: حيث أن الطفل المتفائل قليلاً ما تراوده مشاعر نفسية سلبية مثل الإحباط والاكتئاب والغضب والغيرة، فمهما كان سوء الموقف الذي يمر فيه فإنه يتوقع انتهائه على نحو جيد وبالتالي سوف يرى أن الأمور سوف تكون في صالحه في المستقبل دائماً، وهذا من شأنه التقليل من مشاعر القلق والتوتر وزيادة مستوى الاستقرار النفسي والانفعالي.

- الحماس والاندفاع: الأطفال المتفائلين غالباً ما يتميزون باندفاع أكبر تجاه العمل بجد والرغبة في النجاح وتحقيق الغايات والتطلعات، وهذا ناتج عن الحماسة التي تفرزها مشاعرهم المتفائلة فعندما يتوقع حصول الأفضل دائماً ويعمل ما بوسعه لتحقيق هذا الأفضل سوف يصل في نهاية المطاف لهدفه ويحقق مراده.

- الثقة بالنفس: وهذه أيضاً من صفات المتفائلين فالرؤية النظرة الإيجابية نحو المستقبل والتوقعات من شانها أن تزيد من ثقة الطفل بنفسه واحترامه لذاته وخاصة في الحالات التي تنجح فيها توقعاته بشكل فعلي، كما أن الثقة بالنفس تجعل المتفائل أكثر قدرة على تدارك الخطأ واعتباره تجربة ومن ثم تكرار المحاولة بطريقة مختلفة. 

- النجاح والتفوق: الطبيعة النفسية الإيجابية التي تفرضها مشاعر التفاؤل على شخصية الطفل، تجعله محصن ضد مشاعر الفشل والإحباط وهذا بالضرورة سوف يعطيه طاقة أكبر لتكرار المحاولة تلو المحاولة حتى ينجح في النهاية في تأدية مهامه والوصول لغايته، وهذا ما يجعل المتفائلين أكثر نجاحاً وتفوقاً في حياتهم.

- التأمل والطموح: يتميز المتفائل بأنه أكثر تأملاً وتطلعاً نحو المستقبل، فالنظرة الإيجابية تجاه هذا المستقبل التي تملؤها التوقعات الجيدة مثل النجاح وتحقيق الغايات والوصول للأهداف يجعل الطفل المتفائل يجد متعة بل ورضا نفسي في النظر نحو المستقل والغوص في تفاصيله والبحث عن الطرق التي تؤدي إليه.

- التعامل مع الآخرين: في إطار العلاقات الاجتماعية وبناء الصداقات والانخراط في نشاطات جماعية، يؤدي الطفل المتفائل سلوكاً أفضل من حيث التفاعل مع الآخرين والتعاون والمشاركة معهم في اللعب والوظائف والنشاطات المتنوعة، فكونه شخص متفائل سوف يكون شخص سعيد وهذا ما يعطيه حضوراً أفضل بين الآخرين وخاصة الأقران.

- النشاط والتطور: أيضاً من نتائج التفاؤل والسمات الشخصية الإيجابية للطفل المتفائل أنه يبدي نشاطاً أكبر في العمل وتأدية الواجبات مثل الدراسة، بالإضافة لأنه يسعى باستمرار لتطوير وتنمية مهاراته وقدراته وحتى مواهبه إن وجدت فهو يرغب أن يصل بسرعة نحو المستقبل المشرق الذي يتوقعه ولا يرغب أن يعيقه شيء في طريقه لهذا المستقبل.

- ملامح الشخصية (الكاريزما): بمعنى الصفات والملامح الشخصية الظاهرة، حيث أنه حتى في هذا الإطار للمتفائلين ميزاتهم كالثقة بالنفس وقوة الشخصية وقلة التذمر والشكوى والابتسامة الدائمة بالإضافة لإبداء مشاعر المحبة والتعاطف والعديد من الصفات الإيجابية الأخرى.
 

ذات علاقة


الآثار السلبية لمشاعر التشاؤم عند الأطفال

المنظار الذي يرى من خلاله الطفل المتشائم حياته ومستقبله يتناقض تماماً مع رؤية الطفل المتفائل لهما، فالطفل المتشائم يعيش حياته بطريقة أصعب ويمكن وصف الصورة التي يراها عن الحياة بأنها خالية من الألوان الزاهية وأكثر قتامة وأقل بريقاً وأمل، وكل هذا سوف ينعكس نتائج وآثار سلبية على حياته وشخصيته وربما صحته[2]:

- رؤية سوداوية تجاه الحياة: فهو يتوقع دائماً نتائج أقل من الجهود التي يبذلها وحظوظ أقل من ناحية الفرص والمكاسب، يتوقع دائماً حدوث الأشياء السيئة والمواقف السلبية ولديه قلق مستمر تجاه المستقبل.

- الكسل واللامبالاة: وهما صفات عادةً ما تنتج عن التشاؤم وتتسبب به، فكون الطفل المتشائم لا يتوقع أن تثمر جهوده وينتج عنها أشياء وأهداف ترضيه وتحقق أماله ورغباته، نجده لا يسعى كثيراً ولا يبذل مزيداً من الجهد لتحقيق الأمنيات التي يصبو إليها، وهذا يجعله يتعلم الكسل وعدم الرغبة بالعمل ولا يبالي كثيراً بالنتائج وعدم تحقيق الأهداف.

- عدم التخطيط للمستقبل: وهو من نتائج اللامبالاة التي يتسبب فيها التشاؤم، فعدم توقع نجاح المخططات والرغبات والجهود المبذولة في سبيل تحقيقها يفرز برود في السعي لذلك وعدم اهتمام، وبالتالي نجد أن الأطفال المتشائمين يهتمون أكثر في حاضرهم وما يحصلون عليه في هذا الحاضر من مكاسب وتحقيق رغبات ولا يولون أهمية للمستقل وكيف سيكون.

- عدم القدرة على التفاعل الاندماج والتأقلم: سواء من ناحية بناء العلاقات أو الوجود في مواقف جديدة مثل المدرسة أو تغير السكن أو زيارة أشخاص جدد لم يعتد الطفل عليهم في حياته، وهنا فإن الصفات السلبية للطفل المتشائم يجعل الآخرين غير راغبين بالتفاعل معه من جهة وهو لا يستطيع التأقلم بسهولة مع الوضع الجديد أو المحيط من جهة أخرى.

- مشاعر الإحباط وخيبة الأمل: حيث أن الأشياء التي يعتبرها المتشائم مخيبة للآمال ومحبطة تعتبر نسبية ومختلفة عن تلك التي يراها الشخص العادي بنفس الطريقة، فتعتبر مواقف الإحباط أكثر عند التشاؤميين فالفشل في تحقيق أي شيء بسيط أو المرور بأي ظرف أو عارض عادي يحول دون تحقيق بعض رغباته كفيل بأن يشعر الطفل المتشائم بالإحباط وخيبة الأمل وأن يركب عليه مشاعر سلبية أكثر من ما تستحق بشكل فعلي. 

- الاتكالية: من خصائص المتشائمين أنهم غير جديين بالقيام بمهامهم ويعتمدون على غيرهم في حاجاتهم وشؤونهم الشخصية فهم لا يريدوا أن يتعبوا أنفسهم، وهذا ناتج عن شعورهم الداخلي أنه لا قيمة لأي عمل لن يحقق لهم النتائج المرضية.

- لوم الذات: قد يرى الطفل المتشائم أنه أقل من غيرهم وقد يسقط حالات الفشل التي تعترضه على أسباب وعلل شخصية فيه، أو قد يرى أنه مظلوم ويحصل على أقل مما يستحق، ونتيجة لهذه المشاعر نجده يتذمر ويشكو باستمرار ويلقي اللوم على حياته وعلى حظه المتسببين حسب رأيه في يأسه وشقائه. 
 

أسباب التشاؤم عند الطفل

الطفل حساس جداً في الأمور التي تتعلق بغاياته أو الأشياء التي يراها هامة جداً في حياته ويرغب بتحقيقها، وهو عند التعرض لخيبة أمل فيما يخص هذه الأشياء أو عندما يواجه العراقيل بأشكالها المختلفة أو يقف شيء أو أحداً ما في وجه مخططاته، فسوف يشعر بالإحباط والفشل وبالتالي تنمو لديه مشاعر التشاؤم، وهناك العديد من العوامل والأسباب التي يمكن ذكرها في هذا الإطار:

- مواقف الإحباط المتكررة: قد يتعرض الطفل خلال مسيرة حياته اليومية والطبيعية للعديد من أشكال الإحباط في اللعب أو الرغبات البسيطة أو عدم حصوله على نوعية الطعام الذي يفضله كل هذه المسائل تعد  من بذور نمو مشاعر التشاؤم.

- الظروف الصعبة: مثل المواقف المتعددة التي تثير في نفس الطفل الغضب والخوف ومشاعر الغيرة والكراهية فكلها ظروف تولد التشاؤم.

- الفشل: في مجال أو رغبة يتعرض الطفل لحالات الفشل وهذا الفشل يعد من أكثر الأسباب التي تجعله يشعر بالتشاؤم.

- ضعف الشخصية وقلة الثقة بالنفس: وهي من أساب التشاؤم ونتائجه في الوقت نفسه فالطفل المتشائم غالبا ً ما يكون غير واثق من نفسه ومن قدراته ومستقبله.

- صعوبة التأقلم مع المحيط: حين لا يتمكن الطفل من بناء علاقات جيدة مع المحيط الجديد ولا الأوضاع الجديدة فإنه سوف يشعر بالانزعاج وبالتالي يتشاءم من هذه الأوضاع.

- ضعف الإمكانات والمواهب: فالطفل الذي يرى أنه أقل من غيره ولا يملك إمكانات أو مواهب وقدرات خاصة سوف يفقد ثقته بقدرته على النجاح ومن ثم تنمو لديه مشاعر تشاؤمية.

- الحرمان وعدم تلبية الحاجات: فأي نوع من أنواع الحرمان عندما يستمر لفترات أطول من اللازم وتتكرر المواقف السلبية الناتجة عنه يؤدي بالضرورة إلى تشاؤم الطفل من تحسن وضعه.
 

كيف نعلم أطفالنا التفاؤل

إذاً بعد أن تعرفنا على طبيعة الأثر الإيجابي الناتج عن مشاعر الطفل المتفائلة، وبالإضافة لسلبيات ومساوئ التشاؤم، تبدو أهمية البحث عن وسائل تساعد في تنمية المشاعر المتفائلة الايجابية عند أطفالنا[3] بغية بناء شخصية متوازنة انفعالياً ونفسياً ومستقرة عاطفياً واجتماعياً لديهم، ويمكن تحقيق هذه الغايات عن طريق نهج معين بالتربية من شأنه دعم مشاعر التفاؤل عند الطفل وتنمية شخصية إيجابية لديه[4]:

- العمل على دعم الطفل في تحقيق غاياته: والوصول لأهدافه وبلوغ طموحاته حتى يشعر بالتفاؤل.
- تنمية مواهب الطفل وقدراته الخاصة: فهذه القدرات والمواهب تجعله يرى أنه لا شيء مستحيل ويمكنه من فعل أي شيء يريده من خلال العمل والجد.
- تحسين نظرة الطفل لذاته وثقته بنفسه: حيث أن الثقة بالنفس من صفات المتفائلين وتعزيزها لدى الطفل يمحو آثار التشاؤم لديه.
- تقليل مواقف الإحباط: مثل الفشل بأنواعه وخيبات الأمل متنوعة الأسباب التي غالباً ما تكون سبب في تشاؤمه.
- حثه على العمل والمحاولة بعد كل فشل: وذلك بدلاً من التذمر والشكوى ولوم الذات.
- احتضان الطفل وتقديم الدعم العاطفي له: فالتشاؤم قد يسبب عندما يرى الطفل نفسه وحيداً عاجزاً في مواجهة مصاعب الحياة وعندما يرى أن هناك من يقف بجانبه ويدعمه فسوف تتغير  نظرته المتشائمة.
- تنمية مهارات حل المشكلات لدى الطفل: حتى لا يقف مكتوف الأيدي أمام أي مشكلة تعترضه ويتمكن من إيجاد الحلول وبالتالي لا يستسلم للتشاؤم.

لا نبالغ بالقول بأن الشكل الذي سوف يكون عليه مستقبل طفلنا يتوقف إلى حد بعيد على طريقة نظرته للحياة والمستقبل، فإذا كانت هذه النظرة متسمة بالتفاؤل سوف يجعله هذا يبدي حماس أكبر ومحاولات أفضل لتحقيق أهدافه وطموحاته، أما إذا كانت هذه النظرة متشائمة فسوف تنعكس سلبية في القيام بأعماله وأداء مهامه ولا مبالاة في نجاحه وفشله وكسلاً وتساهلاً في تحقيق غاياته، ولهذا كان اهتمامنا في هذه المقال في أثر التفاؤل والتشاؤم على شخصية الطفل ومستقبله وكيف يمكن أن ننمي لديه شخصية متفائلة.
 

المصادر والمراجع

[1] مقال الكاتبة  Elizabeth Scott "فوائد التفاؤل" منشور في verywellmind.com، تمت مراجعته بتاريخ 21/6/2019.
[2] مقال الباحث STEVE CONNOR "هل التشاؤم سيئ للغابة بالنسبة لك يبحث في الآثار الصحية للتشاؤم" منشور في amp.theguardian.com، تمت مراجعته بتاريخ 21/6/2019.
[3] مقال "مساعدة طفلك ليكون متفائل" منشور على موقع ahaparenting.com، تمت مراجعته بتاريخ 21/6/2019.
[4] مقال الباحثة  Meri Wallace"ست خطوات لتجعل طفلك يتفاءل" المنشور فيpsychologytoday.com، تمت مراجعته بتاريخ 21/6/2019.